نمو الدماغ قد يستمر حتى الثلاثينيات وفق أبحاث عصبية جديدة

فترة طويلة، ساد اعتقاد في الأوساط العلمية والطبية بأن الدماغ البشري يصل إلى مرحلة النضج الكامل عند بلوغ سن الخامسة والعشرين. إلا أن دراسة حديثة نشرت في دوريات علمية مرموقة (بناءً على ما أورده موقع ScienceDaily) قدمت أدلة تشير إلى أن عمليات التطور الهيكلي والوظيفي للدماغ قد تستمر لفترة أطول مما كان يُعتقد سابقاً، حيث تمتد هذه العمليات الحيوية لتشمل عقد الثلاثينيات.

التحول في النماذج العلمية (Paradigm Shift):
تشير البيانات المستخلصة من تقنيات التصوير العصبي المتقدمة (Advanced Neuroimaging) إلى أن الدماغ لا يتوقف عن التغير فور انتهاء مرحلة الشباب المبكر. بدلاً من ذلك، يستمر في عملية "صقل” معقدة للروابط العصبية. وتركز الدراسة على أن مفهوم "الرشد البيولوجي” ليس نقطة ثابتة، بل هو مسار مستمر يتسم بالديناميكية.

الآليات الحيوية وراء استمرار النمو:
ترتكز هذه النتائج على مراقبة عمليتين أساسيتين في الجهاز العصبي المركزي:

  1. تكوين الميالين (Myelination):تستمر عملية تغليف الألياف العصبية بمادة "الميالين” الدهنية في مناطق معينة من الدماغ، وخاصة في الفص الجبهي. هذه المادة تعمل كعازل يزيد من سرعة وكفاءة نقل الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية، مما يعزز القدرات التحليلية المعقدة.
  2. التقليم المشبكي (Synaptic Pruning):العملية التي يقوم فيها الدماغ بالتخلص من الروابط العصبية الزائدة أو غير المستخدمة لتعزيز كفاءة الشبكات العصبية القائمة. تشير الأبحاث إلى أن هذا "الضبط الدقيق” يستمر في القشرة قبل الجبهية (Prefrontal Cortex) حتى سن الثلاثين وما بعدها.

القشرة قبل الجبهية واتخاذ القرار:
تعتبر القشرة قبل الجبهية المسؤولة عن "الوظائف التنفيذية” (Executive Functions)، والتي تشمل التخطيط طويل الأمد، وتقييم المخاطر، وضبط النزوات، والذكاء الاجتماعي. وبما أن هذه المنطقة هي آخر ما ينضج في الدماغ، فإن استمرار تطورها في الثلاثينيات يعني أن القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية واتزان انفعالي قد تصل إلى ذروتها في مرحلة عمرية متأخرة عما كان مفترضاً.

الآثار المترتبة على الصحة النفسية والاجتماعية:
لهذه الدراسة انعكاسات جوهرية في عدة مجالات:

  • الطب النفسي:فهم كيف تظهر الاضطرابات النفسية وتتطور، حيث أن العديد من الأمراض الذهانية تتقاطع مع مراحل نضج الدماغ.
  • التعلم المستمر:تعزز النتائج مفهوم "اللدونة العصبية” (Neuroplasticity)، مؤكدة أن الدماغ يظل قابلاً للتكيف والتعلم العميق واكتساب مهارات معقدة حتى في العقد الرابع.
  • التشريعات والقوانين:قد تفتح هذه النتائج نقاشاً حول التعريف القانوني والاجتماعي لـ "سن الرشد” والمسؤولية الجنائية بناءً على النضج البيولوجي.

الخلاصة:
تؤكد هذه الأبحاث أن الدماغ البشري هو عضو شديد المرونة ولا يعرف الجمود. إن امتداد فترة النضج إلى الثلاثينيات يعكس تعقيد الجنس البشري وحاجته لفترات أطول من التطور العصبي للتكيف مع المتطلبات المعرفية والاجتماعية المتزايدة في العصر الحديث. نحن لا نتوقف عن النمو بيولوجياً بمجرد انتهاء سن المراهقة، بل نستمر في إعادة صياغة ذواتنا على المستوى العصبي لسنوات طويلة.