رسالة من صديق الطفولة… حين يتكلم القلب بصوتٍ أعرفه


راسلني صاحبي الذي أعزّ،
ذاك الذي يعرف ملامحي قبل أن تُرهقها السنين، ويقرأ صمتي قبل كلماتي. سألني بمحبةٍ صادقة:
ما الذي يحملك على الكتابة في أكثر من شأن؟
أراك تارةً تغوص في التحول الرقمي، وتلاحق الحكومة الإلكترونية، وتغضب بصمت حين ترى مؤشراتنا التقنية تتراجع، فأقرأ بين سطورك أنينًا لا يُسمع وصراخًا بلا صوت… أملاً بأن نكون أفضل.
ثم أراك تبتعد أحيانًا عن عالمك الذي أفنيت فيه زهرة شبابك، لتكتب في شؤونٍ أخرى، وكأنك تبحر في أكثر من بحر.

قال لي: أعرفك منذ الصغر… تكتب بغموضٍ أحيانًا، لكن كلماتك تلامس القلب. تحاول أن توصل فكرة تؤمن بها، وتغلفها بكثير من الاحترام، حتى أكاد أجزم أنني أفهم ما تريد قوله، وإن لم تُصرّح به.

قرأت رسالته بتمعّن… لا لأنها مجرد كلمات، بل لأنها مرآة صافية أعادتني إلى نفسي. أدركت أن من يعرفك منذ الطفولة لا يقرأ حروفك، بل يقرأك أنت. يرى في نقدك وجعًا على وطن، وفي غيرتك خوفًا عليه، وفي تنقلك بين المواضيع وفاءً لقضية أكبر من تخصصٍ أو وظيفة… قضية أن نكون أفضل مما نحن عليه.

لكن الجملة التي أوقفتني طويلًا، وجعلت عينيّ تترقرقان، كانت حين ختم رسالته بقوله:
"رحم الله والدك… لقد كان مثالًا في الحكمة والصبر، لذا أحبه الجميع ولا زلنا نترحم عليه.”

تلك الكلمات لم تكن عزاءً عابرًا، بل كانت وسامًا على صدر الغياب. شعرت أن أبي — رحمه الله — ما زال حاضرًا في ذاكرة الناس، حيًا في دعواتهم، ممتدًا في سلوك من عرفوه. حينها فقط فهمت معنى أن يعيش الإنسان أثرًا لا يُمحى، وأن تكون السيرة الطيبة أعظم إرثٍ يتركه المرء لأبنائه.

من القلب شكرًا يا صديقي…
رسالتك أعادت إليّ يقينًا كاد يبهت وسط صخب الحياة، بأن الدنيا لا تزال بخير، وأن زمن الطيبين لم ينقرض، وأن الصداقة الصادقة رزق لا يُشترى.

الحياة جميلة ما دام فيها صديقٌ صدوق، يذكّرك بنفسك حين تتعب، ويذكّرك بأبيك حين تشتاق، ويشدّ على يدك دون أن يطلب شيئًا.

دمت بودٍّ يا رفيق العمر…
ودامت بيننا تلك المسافة القصيرة التي لا تقاس بالكيلومترات، بل بالصدق.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.