لماذا فضّلت طهران هدوء مسقط على صخب أنقرة؟
في أنقرة، كان السؤال يتردد بصوت خافت: لماذا قرّرت طهران أن تذهب إلى مسقط، لا إلى أنقرة، حين احتاجت إلى قناة تفاوض آمنة مع واشنطن. لم يكن الأمر مجرد اختيار فندقي أو ترتيب لوجستي. في الشرق الأوسط، المدينة التي تستضيف المفاوضات لا تقل أهمية عن مضمونها؛ فالمكان رسالة، والحياد عملة نادرة، وكل طاولة حوار تحمل بصمة الجغرافيا السياسية للدولة المضيفة. من هنا يمكن فهم دلالة أن تتحول مسقط - الهادئة والمحايدة تقليدياً - إلى مسرح للمحادثات الحاسمة، بينما تكتفي أنقرة بدور "المراقب القَلِق" على تخوم الأزمة الإيرانية.
لسنوات، بدت تركيا وكأنها المرشح الطبيعي لأن تكون منصة الحوار بين إيران والغرب. دولة كبرى، عضو في "الناتو”، تمتلك قنوات مفتوحة مع واشنطن وموسكو وطهران في آن واحد، وتجربة طويلة في لعب دور الوسيط في ملفات سوريا (صيغة أستانا) وأوكرانيا والقوقاز. منطق الأشياء كان يقول إن الطائرات التي تقل الوفود الإيرانية والأمريكية ستحط في إسطنبول أو أنقرة، لا في مسقط. لكن ما حدث هو العكس تماماً. حين احتاجت طهران إلى نافذة تفاوض جديدة، اتجهت جنوباً نحو سلطنة عُمان، وكأنها تعود إلى "المسار الآمن” الذي اختبرته عام 2012 حين مهّدت مسقط الطريق للاتفاق النووي. بالنسبة لصناع القرار في إيران، لم تكن عُمان مجرد دولة مضيفة، بل نموذجاً مجرَّباً لدبلوماسية القنوات الخلفية، الهادئة، التي لا تُحَوِّل كل همسة إلى عنوان أول في الصحف العالمية. في المقابل، كانت أنقرة تُقرأ في طهران كمدينة مزدحمة باللاعبين والأجندات؛ مدينة لا يمكن ضمان أن تبقى المفاوضات فيها "ثنائية” أو "سرية” لفترة طويلة. هنا يتقدم هاجس الأمن على إغراءات الوساطة الطموحة التي تعرضها تركيا.
مسقط: "الوسيط الصامت” الذي يُطمئن طهران
يعرف الإيرانيون عُمان جيداً. هي الدولة الخليجية الوحيدة التي حافظت على علاقة مستقرة معهم في أحلك لحظات التوتر الإقليمي. لم تنخرط في سياسة "محاور حادة”، ولم تُجَرِّب لعبة التصعيد الإعلامي أو الدبلوماسي ضد طهران، بل حافظت على تقليد طويل من الحياد المرن والبراغماتية الهادئة.
في نظر طهران، تمتلك مسقط ثلاث ميزات حاسمة:
1) حياد موثوق: ليست جزءاً من "الناتو”، ولا من المحاور الإقليمية الصلبة، ولا يُنظر إليها كمنصة نفوذ لقوة كبرى بعينها. هذا يمنحها قدرة نادرة على أن تكون مقبولة – ولو بتحفظ – من أطراف متخاصمة حدّ العداء.
2) سرية القنوات الخلفية: عُمان تجيد لعبة "العمل في الظل”. لا تسابق إلى الصور التذكارية، ولا تسعى إلى تسويق نفسها بوصفها "قوة عظمى إقليمية”. هذه السمة بالذات هي ما تبحث عنه طهران اليوم؛ قناة تسمح لها بإدارة أزماتها بعيداً عن عيون الشارع وعيون الخصوم على حدّ سواء.
3) ذاكرة إيجابية مشتركة: منذ 2012، ترسخ في ذهنية المؤسسة الإيرانية أن "طريق التفاهم مع الغرب يمر عبر مسقط”. في بيئة سياسية داخلية شديدة الحذر من أي تنازل، يصبح للمكان الذي نجح سابقاً ثقلٌ رمزي وسياسي يصعب تجاهله.
لذلك، حين اختارت طهران "هدوء مسقط”، كانت في الواقع تختار مناخاً تفاوضياً مألوفاً، تُحسِن السيطرة عليه وتعرف كلفته السياسية الداخلية.
أنقرة كما تراها طهران.. جار قوي أم منافس ؟
على الطرف الآخر من المعادلة، تقف أنقرة بصورة مغايرة تماماً في الرؤية الإيرانية. فالخلاف ليس تقنياً أو إجرائياً؛ هو خلاف في تعريف الدور نفسه. تركيا، كما تراها طهران، ليست وسيطاً محايداً بل "منافساً إقليمياً” يحمل أجندات متشابكة في سوريا والعراق والقوقاز، ويتنافس معها على النفوذ في جمهوريات آسيا الوسطى وعلى المجال الكردي الممتد بين البلدين.
هذا الإحساس بالمنافسة يتضاعف بفعل عاملين:
منطق "الجار القوي” الذي لا يطمئن
وراء كل ذلك يقف هاجس أعمق: هاجس السيادة. في لحظة داخلية هشّة تعيشها إيران، من احتجاجات متكررة إلى ضغوط اقتصادية خانقة، تبدو فكرة أن تعلن طهران عن مفاوضات مباشرة مع واشنطن في عاصمة "جار قوي” مثل تركيا أقرب، في نظر خصوم النظام في الداخل، إلى الاعتراف بالارتهان الإقليمي. في المقابل، الذهاب إلى عُمان يبدو امتداداً لمسار سياديّ مستقلّ؛ فمسقط ليست جزءاً من مشهد "المنافسة التركية – الإيرانية”، ولا من "حلف المطبعين” مع إسرائيل، ولا من "محور الضغط الأقصى” الذي قادته واشنطن سابقاً. هذا الفارق الرمزي مهم في نظام سياسي يدير بدقة فائقة صورة "الاستقلالية” أمام جمهوره.
على الطرف الآخر من المعادلة، تقف أنقرة بصورة مغايرة تماماً في الرؤية الإيرانية. فالخلاف ليس تقنياً أو إجرائياً؛ هو خلاف في تعريف الدور نفسه. تركيا، كما تراها طهران، ليست وسيطاً محايداً بل "منافساً إقليمياً” يحمل أجندات متشابكة في سوريا والعراق والقوقاز، ويتنافس معها على النفوذ في جمهوريات آسيا الوسطى وعلى المجال الكردي الممتد بين البلدين.
هذا الإحساس بالمنافسة يتضاعف بفعل عاملين:
- العضوية في "الناتو”: وجود تركيا داخل الحلف الأطلسي يجعل أي مفاوضات تُعقد على أراضيها – في المخيال الأمني الإيراني – أقرب إلى أن تكون "مراقَبة” من شبكة واسعة من أجهزة الاستخبارات الغربية. بالنسبة لطهران، التي تعيش منذ عقود في هاجس "الاختراق الأمني”، فإن هذه البيئة تبدو محفوفة بالمخاطر.
- النشاط الاستخباري الكثيف: أنقرة اليوم مركز رئيسي لتقاطع عمل أجهزة الاستخبارات الدولية، من الأميركية والأوروبية إلى الإسرائيلية والإقليمية. الاتهامات التركية العلنية للموساد بنشاطات داخل تركيا وضد إيران، تزيد من قناعة طهران بأن أي مفاوضات في العاصمة التركية ستجري في فضاء مراقَب ومفتوح أمام خصومها.
منطق "الجار القوي” الذي لا يطمئن
وراء كل ذلك يقف هاجس أعمق: هاجس السيادة. في لحظة داخلية هشّة تعيشها إيران، من احتجاجات متكررة إلى ضغوط اقتصادية خانقة، تبدو فكرة أن تعلن طهران عن مفاوضات مباشرة مع واشنطن في عاصمة "جار قوي” مثل تركيا أقرب، في نظر خصوم النظام في الداخل، إلى الاعتراف بالارتهان الإقليمي. في المقابل، الذهاب إلى عُمان يبدو امتداداً لمسار سياديّ مستقلّ؛ فمسقط ليست جزءاً من مشهد "المنافسة التركية – الإيرانية”، ولا من "حلف المطبعين” مع إسرائيل، ولا من "محور الضغط الأقصى” الذي قادته واشنطن سابقاً. هذا الفارق الرمزي مهم في نظام سياسي يدير بدقة فائقة صورة "الاستقلالية” أمام جمهوره.