مذكّرات ما بعد الكرسي… حين تتحوّل المسؤولية إلى بطولات ورقية
في عالمنا العربي، ظاهرةٌ باتت مألوفة حدّ الإزعاج: ما إن يغادر بعض أصحاب المواقع والمناصب العليا—الرسمية منها وغير الرسمية—كراسيهم، حتى يمسكوا بالقلم، ويبدأوا بكتابة مذكّراتهم.
مذكّراتٌ مدهشة، مليئة بالأفكار الخلّاقة، والرؤى الاستراتيجية، والبطولات التي لو طُبّقت لغيّرت وجه المؤسسات، وربما الأوطان.
تقرأ تلك الصفحات فتُصاب بالدهشة:
أين كانت هذه العقول الجبّارة حين كان القرار بيدها؟
أين اختفت هذه الرؤى حين كانت الصلاحيات مفتوحة، والموارد متاحة، والمسؤولية قائمة؟
السؤال المؤلم ليس في جمال ما كُتب، بل في غياب ما فُعل.
كان الأجدر بتلك الأفكار أن تُنفق في وقتها، وأن تُقدَّم عصارة الفكر والضمير على رأس العمل، لا بعد مغادرته. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات، بل بعدد النفوس التي تغيّرت، والمؤسسات التي نضجت، والفرص التي صُنعت للناس لا للأسماء.
المنصب ليس منصةً عابرة ، ولا الكرسي مكانًا لتعليق الحكمة إلى ما بعد التقاعد. المنصب امتحان، ومن لا ينجح فيه بالفعل، لن تنقذه البلاغة لاحقًا.
إن تسطير الأفكار على الورق تحت مسمى "مذكّرات” دون تاريخٍ مشرف أو أثرٍ ملموس، يجعلها حبيسة الصفحات، لا يذكرها الناس إلا من باب التندر أو الحسرة على ما لم يكن.
فالتاريخ لا يُكتب بالنوايا المؤجّلة، ولا يُصنع بالبطولات الكرتونية التي تظهر بعد فوات الأوان.
لا بأس بالمذكّرات، إن كانت توثيقًا لتجربة صادقة، أو اعترافًا بالأخطاء، أو درسًا للأجيال.
أما إن كانت محاولة متأخرة لتلميع صورة، أو تعويض فشل، أو ادّعاء بطولة لم يشهدها الواقع، فالأجدر ترك الورق أبيض… فالبياض أصدق من حبرٍ بلا أثر.
الأثر الحقيقي يُصنع في وقت المسؤولية، لا بعد انتهائها.
والبصمة لا تُخلَّد بالكلمات، بل بما بقي من عدلٍ، وإنجاز، وذكرٍ طيب في قلوب من كنت مسؤولًا عنهم.