تجريف مقبرة جنود الحربين العالميتين في غزة.. ما الدلالات؟
أثار تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من مقبرة لجنود سقطوا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية في قطاع غزة، وفق ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانية استناداً إلى صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية، موجة واسعة من الجدل حول أبعاد هذا الفعل ودلالاته السياسية والقانونية والرمزية.
فالواقعة لا تتعلق بموقع أثري أو مدني عادي، بل بمقبرة تضم رفات جنود من دول غربية حليفة لـ إسرائيل ، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز الحدث الميداني إلى سياقات أوسع مرتبطة بطبيعة السلوك العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وانعكاساته على صورة إسرائيل الدولية وخطابها الأخلاقي.
البعد الرمزي والتاريخي
تكتسب المقابر عموماً، ولا سيما تلك المرتبطة بحروب عالمية، قيمة رمزية تتجاوز الجغرافيا والانتماء الوطني، إذ تمثل جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة. وتدمير جزء من مقبرة تضم جنوداً من دول مختلفة لا يُقرأ كضرر مادي فحسب، بل كمساس بفضاء رمزي يفترض أنه محصن أخلاقياً حتى في أزمنة الحروب.
ويمنح وجود قبور لجنود أستراليين وبريطانيين وبولنديين وكنديين داخل المقبرة الموقع بعداً دولياً خاصاً، فهو لا يخص سكان غزة وحدهم، بل يرتبط بتاريخ عسكري عالمي. ومن هذا المنطلق؛ فإن استهدافه أو تجريفه يرسل رسالة ضمنية بأن الاعتبارات العسكرية الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود الرموز التي تحظى عادة بإجماع دولي على احترامها.
كما أن المساس بمقابر الحربين العالميتين يُفهم، في سياق أوسع، على أنه انتهاك لذاكرة تاريخية ساهمت في تشكيل النظام الدولي الحديث نفسه، وهو النظام الذي تستند إليه إسرائيل مراراً في خطابها السياسي والدبلوماسي. ويعزز هذا التناقض بين الخطاب والممارسة انتقادات خصومها الذين يرون في الفعل استهانة بقيم إنسانية مشتركة.
إضافة إلى ذلك؛ فإن المقابر تمثل في الوعي الجمعي مساحة محايدة نسبياً خارج منطق الصراع المباشر، وعندما تُدرج ضمن ساحات التجريف والتدمير؛ فإن ذلك يُحدث صدمة رمزية تتجاوز حدود المكان لتصيب صورة الفاعل ذاته على المستوى الأخلاقي.
البعد القانوني والدبلوماسي
ينص القانون الدولي الإنساني، وخصوصاً اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، على ضرورة حماية المواقع ذات الطابع الثقافي والديني والإنساني، بما في ذلك المقابر، خلال النزاعات المسلحة. ورغم وجود استثناءات مرتبطة بـ الضرورة العسكرية إلا أن هذه الضرورة تخضع لمعايير صارمة، ولا تبرر التدمير واسع النطاق أو المنهجي.
وفي حالة المقبرة الواقعة بحي التفاح في مدينة غزة، تشير صور الأقمار الصناعية بحسب التقارير الصحفية إلى عمليات إزالة لشواهد قبور وتجريف للتربة، ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام الجيش الإسرائيلي بمبدأ التناسب والتمييز المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني.
دبلوماسياً؛ تحمل الحادثة حساسية مضاعفة بسبب جنسيات الجنود المدفونين في الموقع. فالدول التي ينتمي إليها هؤلاء الجنود تعد في معظمها حليفة لـ إسرائيل ، ما يضع حكوماتها أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقاتها السياسية والعسكرية، وبين الضغوط الأخلاقية والرأي العام الداخلي المطالب باحترام مواقع الذاكرة التاريخية.
وحتى في حال غياب ردود فعل رسمية حادة؛ فإن الواقعة تبقى عنصر ضغط صامت في العلاقات الدولية، إذ يمكن استحضارها مستقبلاً في النقاشات المتعلقة بحقوق الإنسان أو احترام التراث الإنساني، وهو ما يمنحها وزناً يتجاوز لحظتها الزمنية المباشرة.
البعد السياسي والإعلامي
سياسياً؛ تأتي الحادثة في سياق أوسع من اتهامات موجهة لجيش الاحتلال الإسرائيلي بانتهاج سياسة تجريف وتدمير واسعة للبنية التحتية والمواقع المدنية في قطاع غزة. وضمن هذا السياق؛ يُنظر إلى المقبرة كجزء من نمط عام لا يميز بالقدر الكافي بين الأهداف العسكرية والفضاءات المدنية أو الرمزية.
إعلامياً؛ تلعب الصور الفضائية دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام، إذ تمنح الوقائع بعداً بصرياً يصعب إنكاره أو تأويله بسهولة. فالضرر الذي يلحق بمقبرة جنود من الحربين العالميتين لا يُستقبل كخبر عسكري تقليدي، بل كقضية تمس ذاكرة إنسانية عابرة للحدود.
ويوفر هذا النوع من الأحداث مادة قوية للخطاب المناهض للاحتلال، حيث يُقدَّم كدليل إضافي على غياب الخطوط الحمراء الإنسانية في إدارة الصراع. وفي المقابل؛ تجد إسرائيل نفسها في موقع دفاعي إعلامياً، خاصة عندما تصدر تبريرات مقتضبة لا تبدد الشكوك، أو لا تتناسب مع حجم الرمزية المرتبطة بالموقع.
كما أن التغطية الدولية لمثل هذه الوقائع تسهم في ترسيخ صورة ذهنية طويلة الأمد، قد لا تتبدد سريعاً حتى مع تغير الوقائع الميدانية، وهو ما يجعل الكلفة الإعلامية والسياسية أحياناً أكبر من الكلفة العسكرية المباشرة.
وختاما؛ تمثل هذه الواقعة دليلاً إضافياً على أن منطق القوة العسكرية يتقدم على الاعتبارات الإنسانية والرمزية، ويعكس في الوقت ذاته خللاً في منظومة المساءلة الدولية التي غالباً ما تعجز عن فرض كلفة سياسية أو قانونية تتناسب مع حساسية مثل هذه الأفعال.