صناعة الدجال.. من إبستين إلى باب شرقي


لم تكن فضيحة جيفري إبستين حادثةً منعزلة في تاريخ الانحراف المعاصر، بل لحظة انكشاف نادرة لآلية فساد كونية، حيث يُدار الشر ببرودة حسابية، وتُستثمر الأجساد كما لو كانت عملات، وتُصان الجرائم بالمال والنفوذ والواجهات الأخلاقية.
إبستين لم يكن سوى الاسم الذي تعثّر في لعبة الإخفاء، فيما ظلّ النظام الذي أنجبه قائمًا، يعيد إنتاج نفسه بأسماء أخرى وأمكنة أخرى.
في هذا السياق القاتم، تذكرت رواية «المئذنة البيضاء» للصحفي السوري يعرب العيسى بوصفها تشريحًا أدبيًا لهذه الآلية ذاتها، لكن من قلب المشرق لا من أطراف الإمبراطورية.
تبدأ الحكاية من باب شرقي في دمشق، من الجوع قبل الفساد، ومن الحذاء المفقود قبل السلطة. يهاجر بطل الرواية بحثًا عن لقمة لا عن خلاص، وعن قدمٍ محمية من برد الشوارع قبل أي معنى فلسفي. هِجْرته إلى بيروت لم تكن اختيارًا أخلاقيًا، بل اضطرارًا وجوديًا، وهناك في المدينة التي تتقاطع فيها المصالح يدخل إلى خدمة شخصيات فاسدة، لا بوصفه شريكًا بل أداة.
غير أن الأداة، في هذا العالم، لا تبقى أداة طويلًا. يتدرّج البطل في سلم القذارة، يتعلم القواعد غير المكتوبة: كيف يُغسَل المال، كيف تُدار المهمات القذرة، وكيف يتحول الصمت إلى سلعة.

وشيئًا فشيئًا، لا يعود مجرد منفّذ، بل يصبح العقل المدبّر، الرجل الذي يُستدعى حين تعجز القوانين، وتنهار الأخلاق، ويحتاج النظام إلى من يفعل ما لا يريد الاعتراف به. هكذا يولد "مايك الشرقي”، لا كمسخ فردي، بل كنتيجة منطقية لمنظومة تُكافئ الانحراف إذا أتقن اللعب.
لكن ذروة الرواية لا تقف عند الثروة ولا النفوذ، فحين يملك كل شيء يصيبه الملل، ذلك الفراغ الذي لا يملؤه المال ولا السلطة. عندها يبدأ بحثه الأكثر رعبًا: بحثه عن الأعور الدجال، لا بوصفه عقيدة، بل كنموذج. يتساءل كيف يتبعه الناس وهم يعلمون كفره، وكيف تُعلَّق العقول طوعًا حين يُلوَّح لها بالخوف أو الخلاص.

وهنا يتحول السؤال الديني إلى تجربة اجتماعية، ويقرر البطل أن يصنع نسخته الخاصة من الدجال.
يعود إلى حيه القديم في دمشق باب شرقي، إلى المكان الذي خرج منه حافيًا، لا تائبًا بل متفوّقًا في الشر. يستخدم المال والنفوذ والغطاء الديني، ويعيد إنتاج نفسه بوصفه رمزًا، واعظًا، منقذًا زائفًا. لا يدّعي الحقيقة، بل يديرها، ولا يطلب الإيمان، بل الطاعة.

وهكذا، تتجسد الدجالية كممارسة يومية، قابلة للتكرار، حين تتواطأ الحاجة مع الخوف، ويُغسل الزيف بلغة المقدّس.
عند هذه النقطة، تعود رمزية "المئذنة البيضاء” لتصبح سؤالًا أخيرًا لا جواب له: هل يُنتظر المسيح ليملأ الأرض عدلًا، أم أن الأرض، وقد امتلأت بأشباه الدجّالين، لم تعد تتّسع إلا للوهم؟

بين باب شرقي وبيروت، وبين الجوع والقداسة المصطنعة، تقول الرواية ما لم تقله فضيحة إبستين إلا عَرَضًا: إن العالم لا يسقط حين ينتشر الفساد، بل حين يتعلم كيف يؤمن به.