البتكوين يفقد بريقه.. هل يصدأ "الذهب الرقمي"؟

رئيسداعم للبيتكوين، يصف نفسه بأنه "رئيس العملات المشفرة".. إدارة مؤيدة للكريبتو.. رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي القادم (كيفين وارش) مؤيد أيضاً للبيتكوين.. والمؤسسات مؤيدة للبيتكوين..لكن النتيجة:تراجعات لافتة في أسواق العملات المشفرة.. والعملة الأكبر من حيث القيمة السوقية تفقد مكاسبها منذ انتخاب ترامب.

مفارقة تصنعها الأسواق بشكل مثير للجدل، فرغم الدعم السياسي والمؤسسي المتزايد، تظهر العملات المشفرة، وعلى رأسها البتكوين، ضعيفة أمام ضغوط السوق اليومية، حيث تتعرض لموجة تصفية حادة، بينما يواصل المستثمرون تحويل استثماراتهم من الأصول عالية المخاطر وسط تزايد المخاوف الجيوسياسية.

شهدت البتكوين تراجعاً حاداً وصل بها إلى أدنى مستوياتها منذ فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2024، ما يعكس ضعف الثقة في السوق وسط تصاعد حالة القلق بين المستثمرين.

تأتي هذه الانخفاضات بعد أربعة أشهر متتالية من الهبوط، لتكشف هشاشة أداء العملة المشفرة رغم الشعبية المتزايدة لها على الصعيد العالمي.

تشمل العوامل وراء هذا الانخفاض موجة تصفية واسعة للمراكز المضاربية، حيث سعى العديد من المتداولين لتقليل المخاطر بعد سلسلة من التقلبات الحادة، ما أضاف ضغطاً إضافياً على السوق. وبالرغم من ذلك، يظل مستوى 74 ألف دولار حاجزاً نفسياً مهماً تجاوزته البتكوين هبوطاً.

ومع ذلك، تستمر البتكوين في تلقي دعم سياسي ملحوظ وتشهد تزايداً في التبني المؤسساتي، مع تأييد واسع من الرئيس دونالد ترامب.

وأمام هذا المشهد المُربك، تثار العديد من التساؤلات التي تفرض نفسها على المتعاملين بسوق الكريبتو، وأهمها:

وأمام هذا المشهد المُربك، تثار العديد من التساؤلات التي تفرض نفسها على المتعاملين بسوق الكريبتو، وأهمها:

⭕هليُعد التراجع الحاد للبيتكوين₿اختباراً لنضوجها كأصل مؤسسي، أم أنه يكشف عن هشاشة هيكلية مستمرة مرتبطة بالمضاربات والسيولة؟وكيفيمكن التمييز بين تصحيح صحي وبداية تراجع ممتد بدون محفز واضح حتى عام 2028؟

ماذاتكشف ردود الفعل السلبية للسوق تجاه ترشيح رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي المؤيد للبيتكوين عن العلاقة العميقة للقطاع بالسياسة النقدية، وما هي تداعيات ذلك على ثقة المؤسسات في المدى الطويل؟

في شهادات وتحليلات متفرقة خاصة لـ CNBC عربية، يشارك مختصون ورؤساء شركات أميركية متخصصة في العملات المشفرة، رؤاهم حول ما يصف البعض بـ "الذهب الرقمي"، وما إذا كان قد فقد بريقه.


البتكوين "تفقد الزخم"

من جانبه، يقول الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة First Information فينس ستانزيو لـCNBC عربية: "أعتقد بأن البيتكوين وصلت إلى مرحلة النضج.. بعد العديد من الإيجابيات في 2024-مثل صناديق ETFs الأميركية، والهوس في شركات الاحتفاظ بالبيتكوين التي أضافت البيتكوين إلى ميزانياتها على نمط Strategy (MSTR)، ودعم ترامب للعملات المشفرة- بدأت الآن تفقد أهميتها".

مؤلف كتاب The Millionaire Dropout يضيف خلال تحليله الخاص: "ما لم يظهر شيء جديد، يبدو أن البيتكوين أصبحت قديمت ومرهقت، ولا يوجد سبب حقيقي لامتلاكها.. المحفز المحتمل التالي هو حدث التنصيف للعام 2028، لكنه ما زال بعيداً".
ويستطرد: "لا أعتقد بأن الحكومة الأميركية فعلاً صديقة للبيتكوين.. ترامب قال لمتبرعيه ما أرادوا سماعه في 2024 واستفاد من عملته الخاصة، لكن تلك الفرصة قد مضت الآن (..) أعتقد بأن ترامب يميل أكثر إلى الذهب من كونه من محبي العملات المشفرة".

"

ترامب قال لمتبرعيه ما أرادوا سماعه في 2024 واستفاد من عملته الخاصة، لكن تلك الفرصة قد مضت الآن

فينس ستانزيو
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة First Information

وفيما يتصل بالمستهدف السعري للبتكوين في ضوء هذه الرؤية، يضيف ستانزيو: "أحب تسعير البيتكوين بالذهب، وأتطلع إلى أن تكون النسبة 10 ( أي 10 أضعاف أونصة الذهب).. وهذا قد يعني بيتكوين عند 50,000 دولار – والذهب عند 5,000 دولار بحلول نهاية هذا العام/بداية 2027".



إعادة تشكيل السوق

وبينما يبدو أن البيتكوين فقدت جزءاً من زخمها بعد عام مليء بالإيجابيات سجلت فيه مستوى قياساً تاريخياً في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول، تكشف قراءة أعمق للسوق أن التراجع لا يعني بالضرورة ضعفها البنيوي.

يعكس انخفاض حدة التقلبات مرحلة نضوج جديدة، في تقدير بعض المحللين، حيث تتحول العملة تدريجياً إلى أصل مؤسسي أكثر تعقيداً، مدفوعاً بالاعتماد الهيكلي للشركات وصناديق الاستثمار الفورية.

وبالتالي فإن ما يحدث اليوم هو إعادة تشكيل حقيقية للسوق، تجمع بين الدعم السياسي والمؤسسي من جهة، والتحديات السوقية القصيرة الأجل من جهة أخرى، لتحدد المسار التالي قبل الوصول إلى محفزات كبيرة مثل التنصيف في 2028 أو تشريعات محتملة ستعيد رسم قواعد اللعبة.

تقلبات "أقل حدة"

على الجانب الآخر، فإن الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة Firepan، إيان كين، يقول لـCNBC عربية،إن "البيتكوين كانت دائماً متقلبة بسبب ضعف السيولة والاستخدام المفرط للرافعة المالية، لكن التقلبات أصبحت أقل حدة مع نمو قيمته السوقية". ويرى أن هذا يمثل نضوجاً، فالمؤسسات لا تلغي التقلب، لكنها تعيد تشكيله.

ويُبرز في هذا السياق "وجود صناديق ETFs الفورية، واعتماد الخزائن الشركاتية، واعتماد الصناديق السيادية"، معتقداً بأن المضاربات لا تزال موجودة "لكنها الآن مُركبة عبر أدوات مختلفة مدفوعة بطلب هيكلي حقيقي".

"

أحد أكبر المحفزات التي يمكن مراقبتها قبل 2028 هو إقرار قانون Clarity في الولايات المتحدة

إيان كين
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة Firepan

و أفضل طريقة -في تقديره- لمعرفة ما إذا كانت البيتكوين صحية هي متابعة الأساسيات (معدل التجزئة، سلوك الشبكة، تدفقات صناديق ETF، اعتماد الشركات)؛ فإذا بقيت هذه العوامل قوية، فهذا يُعد تأكيداً لنضج البيتكوين المؤسسي (وليس فشله).

ويشار إلى أن أحد أكبر المحفزات التي يمكن مراقبتها قبل 2028 هو إقرار قانون Clarity في الولايات المتحدة. هذا، إلى جانب احتمال انخفاض أسعار الفائدة، سيؤدي إلى المرحلة التالية لصعود البيتكوين.

وفي سياق متصل، يتطرق كين لدى حديثه مع CNBC عربية، عن تداعيات ترشيح الرئيس الأميركي لكيفين وارش لخلافة جيروم باول في رئاسة الفدرالي، قائلاً: في رأيي، الأسواق تهتم أقل بالحديث (المؤيد للبيتكوين) وتركز أكثر على سياسة السيولة التي يتبعها الاحتياطي الفدرالي.. فإذا كانت التوقعات تشير إلى تشديد السيولة أو تقليص ميزانية الفدرالي، فإن العملات المشفرة تنخفض (حتى لو كان رئيس الفدرالي داعماً أيديولوجياً للبيتكوين). مع ذلك، كل شيء يبقى في نطاق التكهنات حول ما سيفعله رئيس الفدرالي، خصوصاً مع إعلان ترامب صراحة عن آرائه حول ما ينبغي حدوثه".

وبشكل عام، فإن تصحيح سعر البيتكوين قصير الأجل لا يعني انتهاؤه، بل يعني أنه لا يزال يمر بمرحلة "المراهقة المالية" على حد وصفه كين، الذي يستطرد: "المؤسسات لا تجعل التقلب يختفي، لكنها تجعله أكثر إثارة عبر قنوات مختلفة.. النضج ليس في القضاء على الفوضى، بل في تحقيق الأرباح منها.. ومع نمو هذا السوق، لن يكون الفائزون فقط الأكبر والأعلى صوتاً، بل الأكثر أماناً وقدرة على الصمود".



وانخفضت قيمة البيتكوين بنسبة 16% منذ بداية العام، حيث واصل المستثمرون تحويل استثماراتهم من الأصول عالية المخاطر وسط تزايد المخاوف الجيوسياسية.

وتفاقمت هذه الخسائر هذا الأسبوع مع تأخر صدور بيانات اقتصادية أميركية هامة نتيجةً لإغلاق جزئي للحكومة، قبل إقرار مجلس النواب مشروع قانون التمويل الجديد وتوقيعه من قبل ترامب.



نهاية السوق الهابطة

وفي سياق متصل، يؤيد مؤسس شركة Coin Interest Rate، جو لاكنر، الرأي القائل إن التدفقات المؤسسية قد تكون قد أخفت ما كان في الواقع بمثابة "شتاء تشفير” قائم بالفعل، مما يوحي بأن التصحيح الحالي قد يضع السوق أقرب إلى نهاية مرحلة السوق الهابطة منه إلى بدايتها.

ويضيف لدى حديثه معCNBC عربية: "يبدو أن هذه الفترة أشبه بتصحيح سعر متأخر في بيئة منخفضة المخاطر، حيث تمتص الصناديق المتداولة (ETFs) والمستثمرون طويلو الأجل التقلبات".

تعليق لاكنر يعني أن السوق لم تشد انهياراً حاداً نتيجة تصحيح البيتكوين الأخير، وإنما تمر بمرحلة تسوية طبيعية للأسعار بعد فترة من التذبذب المخفف بفعل التدفقات المؤسسية.

بمعنى آخر، الانخفاض الأخير ليس دليلاً على هشاشة السوق، لكنه مؤشر على أن السوق قد تقترب من نهاية المرحلة الهبوطية واستعدادات محتملة لاستقرار الأسعار أو بدء التعافي التدريجي.

"

التصحيح الحالي قد يضع السوق أقرب إلى نهاية مرحلة السوق الهابطة منه إلى بدايتها

جو لاكنر
مؤسس شركة Coin Interest Rate


الارتباط مع أسهم التكنولوجيا

ومع وجود كل هذه البنية التحتية المؤسسية: (صناديق ETFs، الشركات التي تضيف البيتكوين إلى ميزانياتها، حلول الحفظ المؤسسي الحقيقية) كان من المفترض أن يعني هذا أن البيتكوين يزداد نضجاً، "لكن إذا راقبنا كيف تتداول فعلياً، فإنها تتحرك مثل رهان بالرافعة المالية على أسهم التكنولوجيا، وليس مثل الذهب الرقمي أو أي تسمية أخرى يختارها الناس".

هذا ما يؤكده ديفيد إي. جوكشتاين، وهو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة غوكشتاين ميديا، وهي شبكة إخبارية رقمية تغطي العملات الرقمية والأسواق والسياسة والتمويل العالمي، لدى حديثه مع CNBC عربية.

ويضيف: "السؤال الكبير هو: هل هذه تقلبات طبيعية أم بداية لشيء أسوأ؟ أنا أتابع تدفقات صناديق ETFs عن كثب. إذا كانت المؤسسات تبيع فعلياً وليس فقط تحقق أرباحاً، فهذا إشارة تحذير. كما أراقب ما يفعله الحائزون طويلو الأجل؛ هل يشترون خلال هذا الهبوط أم استسلموا أخيرًا؟"، مستطرداً: "البيتكوين لا تزال تتحرك بالتوازي مع مؤشر ناسداك. حتى يتغير ذلك، من الصعب القول إن هذا الشيء قد نضج".

"

البتكوين تتحرك مثل رهان بالرافعة المالية على أسهم التكنولوجيا، وليس مثل الذهب الرقمي أو أي تسمية أخرى يختارها الناس

ديفيد إي. جوكشتاين
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة غوكشتاين ميديا

والواقع هو: البيتكوين لم تعد مضاربة بحتة، لكنه بالتأكيد ليست الأصل المؤسسي الذي كان الناس يأملون أن يكون عليه الآن، بحسب جوكشتاين، الذي يشير إلى أن "هذا التصحيح سيظهر لنا إذا كانت كل البنية التحتية التي بنيناها خلال السنوات القليلة الماضية لها معنى، أم أنها مجرد واجهة أجمل لنفس الكازينو القديم"، مشدداً على أنه "من المرجح ألا نحصل على إجابة واضحة حتى نرى كيف يتعامل مع بيئات أسعار الفائدة المختلفة والضغط الفعلي في النظام المالي".


العلاقة بين البتكوين والفدرالي!

وحول رد فعل السوق السلبي تجاه رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي المؤيد للبيتكوين، يقول: "هذا في الواقع يمثل المال الذكي.. فالمستثمرون المؤسسيون الحقيقيون لا يريدون رئيساً للفدرالي يشجعهم على الاحتفاظ بمراكزهم.. إنهم يريدون شخصاً يعرف ما يفعله ولن يضر بمصداقية الاحتياطي الفدرالي".

ويتابع: لنفكر في التناقض هنا: كان من المفترض أن يكون البيتكوين منفذًا للهروب من سياسات البنوك المركزية. والآن نحتفل عندما يعجبه أحد صانعي السياسات؟ هذا يجب أن يثير شعوراً بعدم الراحة للجميع. إذا كانت البيتكوين تحتاج إلى أصدقاء في مواقع عالية لتعمل، فهي مجرد أصل سياسي آخر، وليس البديل الثوري للنقد الذي يدعي أنه عليه.

ويتضح من هذا التحليل أن المشكلة الأساسية هي أن العملات المشفرة لا تزال غير قادرة على تحديد هويتها؛ هل هي تحوط ضد السياسات النقدية السيئة؟ إذن يجب أن تؤدي جيداً عندما يخطئ الاحتياطي الفدرالي. أم أنها أصل مالي عادي؟ إذن يجب أن تلعب وفق القواعد العادية.



في الوقت الحالي هي لا شيء من الاثنين -بحسب جوكشتاين- ولهذا السبب تتحرك فقط حسب السيولة والمزاج العام.و حتى يتغير ذلك، ستظل العلاقة مع السياسة النقدية سطحية، مجرد استجابة لتخفيضات الفائدة وبرامج التيسير الكمي، دون أي أساس جوهري.