مدينة عمرة على طاولة القرار: تخطيط وطني لمدينة المستقبل
أعادت الحكومة وضع مدينة عمرة في قلب النقاش الوطني، بوصفها مشروعا يتجاوز فكرة التوسع العمراني التقليدي، نحو رؤية أوسع لمدينة تؤسس للمستقبل ولا تستهلكه.
لقاء رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان مع عدد من الشخصيات الوطنية والخبراء كان إشارة سياسية واضحة إلى أن عمره تُقرأ اليوم كملف استراتيجي مفتوح على الحوار، لا كتصور جاهز أو قرار مغلق.
هذا الاهتمام الرسمي يشي برغبة في بناء نموذج مختلف، يقوم على التخطيط بعيد المدى، وإشراك أصحاب الخبرة والرأي في بلورة ملامحه، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والديمغرافية، ومع التحديات التي تواجه المدن الكبرى، خصوصا في محيط عمّان والزرقاء. وفي هذا السياق، يبرز مشروع مدينة عمره كاختبار جدي لقدرة الدولة على إدارة مشاريع وطنية عابرة للحكومات، تُبنى على التوافق والمعرفة، لا على الاستعجال.
قال نقيب المهندسين م. عبدالله غوشة إن الحكومة طرحت مشروع مدينة عمره بوصفه مشروعا وطنيا عابرا للحكومات، يقوم على استدامة القرار والتخطيط بعيد المدى، بما يضمن استمراريته ونجاحه على المستوى الوطني.
وأضاف غوشة، في تصريح للراي عقب مشاركته في الاجتماع الذي عقد في رئاسة الوزراء لمناقشة مشروع مدينة عمره، بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين، أن ما يسجل للحكومة في هذا الإطار هو إشراكها فئات واسعة ومتنوعة في النقاشات، وعدم الاكتفاء بطرح وجهة نظر واحدة، بل فتح المجال أمام تعدد الرؤى وتكاملها، الأمر الذي يعكس نضجا في إدارة الحوار الوطني حول مشروع استراتيجي بهذا الحجم.
وأشار إلى أن أبرز ما جرى التأكيد عليه خلال الاجتماع هو أن المشروع تنموي استثماري استراتيجي، يهدف إلى خلق فرص اقتصادية حقيقية للمستقبل، وليس مشروعا عقاريا تقليديا، إلى جانب أهمية بلورة هوية واضحة للمدينة ومكوناتها، وعناصر القوة والجذب التي يجب أن تقوم عليها، بما ينسجم مع رؤية موجهة لجيل المستقبل.
وأوضح غوشة أن الجلسة شهدت نقاشا غنيا حول عدد من التساؤلات الجوهرية، في مقدمتها ضرورة النظر إلى المشروع من منظور التخطيط الإقليمي الشامل، وربطه وظيفيا واقتصاديا بمدينتي عمّان والزرقاء، باعتبارهما القلب الحضري والاقتصادي للمملكة.
ولفت إلى أن آلية النقاش والمنهجية التي اتبعت تعد بحد ذاتها نقطة إيجابية ومحورية في مسار نجاح المشروع، حيث قامت على مبدأ الاستماع لجميع الآراء دون استثناء، وفتح المجال أمام الخبراء وأصحاب الاختصاص وممثلي القطاعات المختلفة لطرح رؤاهم بحرية ومسؤولية.
وشدد غوشة على أهمية البدء بسلسلة متتالية من الحوارات الوطنية لإشراك مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك الأكاديميين، والقطاع الخاص، والشباب، والمجتمع المحلي، لضمان أن تكون مدينة عمره مشروعا وطنيا تشاركيا، يعكس تطلعات الأردنيين، ويستند إلى توافق مجتمعي واسع.
وأكد أن الجميع شركاء في هذا المشروع، في الرؤية والمسؤولية والنتائج؛ حكومة وخبراء وقطاعا خاصا ومجتمعا محليا، ضمن شراكة وطنية حقيقية تؤسس لمدينة مستقبلية تبنى بالعقل الجمعي، لا بالقرارات المنفردة.
وفي قراءة معمارية أوسع للمشروع، يرى رئيس الشعبة المعمارية في نقابة المهندسين المهندس عماد عدنان الدباس أن التوجه نحو المدن الذكية لم يعد خيارا نظريا، بل مسارا تنمويا متكاملا، مؤكدا أن المدينة الذكية هي منظومة حضرية تقوم على تخطيط واع وتصميم مستدام، وتوظيف مدروس للتكنولوجيا، بهدف تحسين جودة الحياة ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ويشير الدباس إلى أن جوهر المدن الذكية لا يكمن في استنساخ نماذج جاهزة، بل في فهم خصوصية المكان والمناخ والموارد، ووضع الإنسان والبيئة في قلب العملية العمرانية، معتبرا أن هذا الفهم هو الشرط الأول لنجاح أي تجربة حضرية مستقبلية.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن مشروع مدينة عمره يمثل فرصة حقيقية لتطبيق مفاهيم المباني صفرية الطاقة، والنقل الذكي، والإدارة الكفؤة للموارد، بما يخفف الكلف التشغيلية على المدى الطويل، ويعزز الاستدامة البيئية والاقتصادية، مشددا على أن نجاح المشروع يتطلب رؤية واضحة وتشريعات داعمة وتعاونا حقيقيا بين صناع القرار والمهنيين.