لماذا لا ينهار النظام الإيراني رغم الغضب الشعبي؟

طهران- مع تجدّد الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة، عاد سؤال مألوف إلى الواجهة: هل تقترب الجمهورية الإسلامية أخيرا من الانهيار؟.

وترافقت موجة الغضب الأخيرة مع ارتفاع حاد في الأسعار، وانهيار العملة، وإضرابات عمالية، وتحدّ علني متزايد للسلطة الدينية، وهي عوامل كفيلة، في ظروف أخرى، بزعزعة استقرار معظم الأنظمة السياسية.

لكن، وعلى الرغم من تكرار موجات الاحتجاج الجماهيري في إيران، بما فيها الموجة الحالية، فإنها لم تنجح حتى الآن في إحداث شرخ سياسي حقيقي.

ويرى الباحث سعيد غولكار في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي أن المشكلة لا تعود إلى غياب معارضة شعبية واسعة، حيث أسفرت حملة القمع العنيفة هذا الشهر عن مقتل آلاف المتظاهرين. كما أن الإيحاء بأن النظام يحظى بشعبية تتجاوز الحد الأدنى هو قراءة خاطئة لطبيعة السلطة في طهران.  

والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الإيرانيون يرغبون في التغيير، بل لماذا لم تؤدّ الاضطرابات المتواصلة إلى تفكيك النظام حتى الآن. والإجابة تكمن في حقيقة أن الجمهورية الإسلامية صُمّمت من البداية لتعمل بهذه الطريقة.


وتعمل الجمهورية الإسلامية اليوم كنظام أمني ثيوقراطي يتمحور حول المرشد الأعلى علي خامنئي وعائلته. وتُوزَّع السلطة ضمن دوائر متحدة المركز، يحتل خامنئي وأسرته المقرّبة قلبها. فالسلطة ذات طابع شخصي إلى حد بعيد، ويعتمد البقاء السياسي بدرجة أقل على المؤسسات الرسمية، وبدرجة أكبر على القرب من المرشد الأعلى نفسه وأبنائه.

وتتسم قيادة خامنئي بالصرامة والانضباط وإحساس عميق بالرسالة الشخصية. فهو لا يرى نفسه مجرد فاعل سياسي، بل حارسا مؤتمنا على واجب إلهي يتمثل في حماية الجمهورية الإسلامية، وهو اعتقاد لا يترك مجالا للتردد أو التسوية في أوقات الأزمات.

وأعاد خامنئي، منذ توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، تشكيل النظام تدريجيا ليصبح دولة أمنية ثيوقراطية تُعطي الأولوية للإكراه على حساب الرضا الشعبي، مستندة إلى جهاز قمعي مؤسسي متجذر ومشحون أيديولوجيا.

وهذا الواقع البنيوي هو الذي يحدد، أكثر من أي عامل آخر، حدود التغيير السياسي في إيران اليوم، ويعكس قائدا يتعامل مع بقاء النظام بوصفه واجبا مقدسا لا خيارا سياسيا قابلا للتفاوض.

ويحيط بهذا المركز مباشرة بيت رهبري، أو مكتب المرشد الأعلى، وهو أقوى مؤسسات الجمهورية الإسلامية وأكثرها غموضا.

ويشكّل هذا المكتب، عمليا، سلطة النظام التنفيذية الفعلية. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تطور ليصبح دولة موازية واسعة النطاق تعمل فوق الدستور والبرلمان والرئاسة.

ويضم البيت آلافا من رجال الدين الموالين، ومسؤولي الأمن، والخبراء التقنيين المؤدلجين، الذين يؤثرون في صنع القرار في المجالات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والقضائية والثقافية.

وبدل الحكم عبر قواعد مؤسسية واضحة، يدير خامنئي الدولة من خلال شبكة من الأفراد الموثوقين المنتشرين في مفاصلها. كما يمثل البيت القناة الرئيسية التي تمارس من خلالها عائلة خامنئي، ولا سيما أبناؤه، نفوذها، بما يجعله مركزا مؤسسيا وعائليا للسلطة في آن واحد.

وليس البيت مجرد امتداد لسلطة المرشد، بل الآلية التي تتيح لحكمه الاستمرار وامتصاص الصدمات والعمل بعيدا عن رقابة دائمة.

وتحيط بهذا الهيكل شبكة دينية واسعة تضفي على النظام شرعية لاهوتية. فمن خلال الحوزات الدينية، وأئمة الجمعة، وممثلي المحافظات، وكبار رجال الدين الموالين، تُقدَّم سلطة خامنئي باعتبارها تفويضا إلهيا.

ويُصوَّر المرشد ليس فقط كزعيم سياسي، بل كممثل للإمام الغائب، ممّا يحول الطاعة إلى واجب ديني، ويعيد تعريف القمع بوصفه ضرورة أخلاقية لا مجرد أداة سياسية.

وتعزز مؤسسات دينية مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور هذا الطابع المقدس للسلطة، بينما تقمع في نفس الوقت أي معارضة داخل المؤسسة الدينية ذاتها.

ويُعبّر عن هذا المنطق بوضوح رجال دين مندمجين في الجهاز الأمني.

وقد صرّح حجة الإسلام علي سعيدي، رئيس المكتب الأيديولوجي-السياسي للقوات المسلحة، بأن الدفاع عن الحكومة الإسلامية يبرر قتل الآلاف، وأن حماية الدولة الإسلامية تمثل الواجب الأعلى بين جميع الواجبات.

وفي هذا السياق، لعبت المؤسسة الدينية دورا مركزيا في تصنيف المتظاهرين بوصفهم أعداء لله، وهو توصيف يضفي بعدا دينيا على القمع ويبرر استخدام العنف المفرط والفظائع بحق المعارضين. هذا الإطار، أكثر من الرأي العام، هو ما يرسم حدود التغيير الثوري في إيران اليوم.


وخلف هذه الطبقة الدينية، يقف الحرس الثوري الإسلامي وجهاز الأمن الأوسع بوصفهما الدرع القسري للنظام. ومهمّة الحرس الثوري الأساسية، منذ أن تأسس عام 1979 هي حماية الجمهورية الإسلامية، من منع الانقلابات وقمع المعارضة وحماية المرشد الأعلى.

ومع مرور الزمن، تحول إلى حرس إمبراطوري يتجاوز الأدوار العسكرية التقليدية ليصبح منظمة أمنية متعددة الفروع تضم أجهزة استخباراتية، وقوات خارجية، وميليشيا الباسيج، وكلها متغلغلة بعمق في المجتمع.

وصُممّ هيكل الحرس الثوري لاحتواء الاضطرابات عبر قيادات إقليمية لامركزية تدمج الحرس وقوات الباسيج وأجهزة الأمن المحلية.

وتعمل الباسيج، من خلال مكاتبها المنتشرة في الأحياء والمدارس وأماكن العمل، كشبكة مراقبة وتعبئة وإكراه، تمتص الغضب الشعبي بالقمع وتحمي النظام من الضغوط الاجتماعية.

وعلى الصعيد الداخلي، رسخ الحرس الثوري نفوذه الاقتصادي والسياسي عبر شبكات واسعة وشركات مدعومة من الدولة، مسيطرا على قطاعات حيوية ومحققا قدرا كبيرا من الاستقلال المالي.

وقد جرى كل ذلك بتوجيه مباشر من خامنئي، وهو ما يرتبط بقاء الحرس الثوري عضويا ببقاء النظام والبيت.

وتُحيط هذه الطبقات الثلاث بالمرشد الأعلى وتشكل معا بنية النظام وأدوات استمراره.

ووفق استعارة الجسد، يمثل خامنئي الرأس، بينما يشكل البيت الجذع الذي ينسق ويسيطر.

وأما يدَا النظام فهما الحرس الثوري والشبكة الدينية، اللتان تفرضان السلطة وتوفران لها الشرعية.

وتحت هذه البنية، تعمل الحكومة والإدارة العامة على تسيير الشؤون اليومية والحفاظ على استمرارية الدولة، دون امتلاك سلطة توجيهية حقيقية. فالبيروقراطية تدير المجتمع، لكنها لا تحكم النظام.

ويقلص هذا التكوين البنيوي إلى حد كبير فرص تحوّل السخط الشعبي إلى انقسام داخل النخبة، وهو الشرط الحاسم لانهيار الأنظمة الاستبدادية. فالاحتجاجات تُحتوى أمنيا، وتُشَرْعَنُ دينيا، وتُحجب دعائيا، ثم تُمتص داخل الروتين البيروقراطي.

وتظل السلطة مركزية، معزولة، ومحميّة بمؤسسات يعتمد بقاؤها على حماية جوهر النظام.

إن إدراك هذه البنية مسألة أساسية لفهم المشهد الإيراني. فمرونة الجمهورية الإسلامية لا تنبع من شرعية شعبية أو رضا عام، بل من تصميم دقيق يهدف إلى امتصاص الضغوط، وتركيز السلطة، وحماية المركز من المجتمع ومؤسساته.

وأي قراءة جادة لمستقبل إيران السياسي يجب أن تنطلق من هذا الواقع البنيوي، لا من مقارنات ثورية أو افتراضات بانهيار حتمي.