"الترامبية"... غطرسة القوة وصناعة الفوضى


لم يكن دونالد ترامب، منذ ظهوره السياسي، مجرد رئيس أمريكي تقليدي يختلف عن سواه في الأسلوب أو اللغة، بل كان وما يزال ظاهرة سياسية كاملة، كسرت القواعد التي حكمت السلوك الأمريكي في إدارة العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالرجل الذي قدّم نفسه باعتباره صانعا للسلام ورافضا للحروب، هو ذاته من فتح الباب على مصراعيه لسياسات التهديد، والابتزاز، وإعادة تعريف القوة خارج أي إطار مؤسسي أو قانوني.

التناقض هنا ليس تفصيلاً، بل هو جوهر "الترامبية" كنَهج سياسي.

لقد كتبت في هذا الزاوية مقالا لي في 8/5/2018 تحت عنوان "انهيار الترامبية" تحدثت فيه عن ترامب وشخصيته، واليوم أعود للكتابة عنه بعد أن غرق في تناقضاته في رئاسته الثانية هذه.

ترامب الذي رفع شعار إنهاء الحروب في محاولة منه للتميز عن الإدارة الديمقراطية في عهد أوباما وبايدن، وهاجم الرئيسين واتهمهما بتبديد المال الأمريكي في نزاعات لا تعود بفائدة مباشرة على أميركا، ها هو اليوم يقع في حفرة التناقض العميقة بعدما اصطدم بواقع مختلف صنعه هو بنفسه دون أن يعلم بأنه بات اسيرا لشعارات ووقائع من الصعب اجتيازها وتحديدا:

• سياسته التى تقوم على التلويح بالقوة واستخدامها بلا ضوابط.

• نهج التصعيد الدائم والغرق فيه دون الوصول إلى تسويات مستقرة.

ومن أبرز تلك المسلكيات، سياسته تجاه إيران، لم يقدّم ترامب رؤية دبلوماسية متماسكة، بل تنقل بين الانسحاب من الاتفاق النووي، ثم التهديد بضربات عسكرية، وثم الإيحاء بإمكانية التفاوض، هذه المراوحة لم تنتج سلامًا، بل رفعت منسوب التوتر الإقليمي، ودفعت المنطقة إلى حافة الانفجار أكثر من مرة.

أما في فنزويلا، فقد تعاملت إدارة ترامب مع الأزمة لا بوصفها مسألة سيادة أو قانون دولي، بل كملف نفوذ وموارد، فما جرى هو فرض تغيير سياسي بالقوة أو عبر أدوات ضغط قصوى عكست عقلية ترى في الدول الضعيفة ساحات اختبار، لا شركاء في النظام الدولي.

وعندما طُرحت فكرة السيطرة على غرينلاند، لم تكن المسألة مجرد زلة لسان أو فكرة دعائية، ما كُشف فعليًا هو عودة لمنطق وعالم ما قبل بناء النظام الدولي، وعصر قوة الإمبراطوريات.

فهذا التفكير، الذي يتجاهل سيادة الدول ورغبة شعوبها، أعاد إلى الأذهان سياسات القرن التاسع عشر، لا عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهو مؤشر على أن الترامبية لا تعترف بفكرة بالنظام الدولي القائم على القواعدبل ترى فيه قيدًا على حرية الحركة والهيمنة الاميركية.

كثيرون حاولوا تصنيف نهج ترامب المنفلت ضمن مفهوم "الفوضى الخلّاقة" التي بشّرت بها كوندليزا رايس، والقائمة على إحداث اضطراب مرحلي يُنتج نظامًا جديدًا أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية بصرف النظر عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بالمنظومة السياسية العالمية سواء اكانت توازن القوى في العالم أو قوة القانون الدولي.

فالفوضى الخلّاقة لكوندليزا رايس، تقوم على تصميم استراتيجي طويل المدى، مهما كان مثيرًا للجدل، أما ما نراه في الترامبية فهو أقرب إلى فوضى بلا خريطة او رؤية، قرارات متقلبة، رسائل متناقضة، وسياسة خارجية تُدار عبر التصريحات والصدَمات الإعلامية أكثر مما تُدار عبر المؤسسات، لهذا، فإن الوصف الأدق هو فوضى مدمّرة لا تبني نظامًا بديلاً، بل تُضعف النظام القائم مع عجز كامل في بناء منظومة ذات قدرة على دعم السلم العالمي ومحاصرة التوترات والحروب العبثية.

أن الخطر الحقيقي في نهج ترامب لا يكمن فقط في استخدام القوة أو التهديد بها، بل في تآكل الثقة، ثقة الحلفاء، ثقة الخصوم، وثقة العالم بفكرة أن هناك مرجعية دولية يمكن الركون إليها.

حين تصبح السياسة الخارجية لأكبر قوة في العالم رهينة المزاج والصفقات وردود الفعل، فإن العالم كله يدخل مرحلة عدم يقين، وهذا أخطر من الحرب نفسها، لأن الغموض الدائم يدفع الدول إلى التسلح، والتحالفات الهشة، والتوتر والاستنزاف الامني والمالي.

باختصار، الترامبية ليست مدرسة سلام، وليست مجرد نزعة انعزالية، وبكل تأكيد ليست نسخة مطوّرة من الواقعية السياسية، إنها نهج صدامي مُقنّع بشعار السلام "الفارغ"، وبهذا المعنى،لا يدير ترامب العالم بل يضعه في حالة صدمة مستمرة، والعالم، حين يُدار بالصدمة، لا يتجه إلى السلام، بل إلى فوضى مفتوحة بلا أفق.