حين يتحول الفضاء الرقمي إلى سوق بلا رقابة
في هذا الفضاء الرحب الذي فتحته لنا مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من ينظّم هذا الفضاء؟ ومن يحمي المواطن من الاستغلال؟
لم تعد مواقع التواصل مجرد منصات للتعبير، بل تحولت إلى أسواق مفتوحة، يمارس فيها البعض أنشطة تجارية وخدمية بلا ضوابط، ولا رقابة، ولا حد أدنى من الجودة أو المسؤولية. بيع غير منضبط، سلع بلا مواصفات، وخدمات تُقدَّم تحت عناوين براقة هدفها الربح السريع، ولو كان الثمن الإضرار بالآخرين.
ومن الأمثلة التي باتت تتكرر مؤخراً، خدمات التوصيل من وإلى المعابر الحدودية أو المطارات، بأسعار تبدو مغرية للمستهلك، لكنها في الواقع تُدار عبر صفحات إلكترونية وجروبات، وبلا أي ترخيص أو إطار قانوني، مع الاعتماد على سيارات غير مرخصة لهذا الغرض. هذا الشكل من العمل لا يضر المستهلك فقط، بل يضرب أيضاً أصحاب السيارات المرخصة الذين التزموا بالقانون ودفعوا الرسوم وتحملوا كلفة التنظيم.
ومن تجربة شخصية – دون الخوض في التفاصيل – يتضح أن الإعلانات الجميلة لا تعني بالضرورة جودة أو أماناً، بل قد تكون في كثير من الأحيان وسيلة كسب غير محترمة، تستغل حاجة الناس وثقتهم.
لسنا مع قطع الأرزاق، ولا مع محاربة العمل الحر، لكننا بكل وضوح مع التنظيم. تنظيم يحفظ حق المواطن، ويضمن السلامة والجودة، ويحقق العدالة بين من التزم بالقانون ومن التف عليه. تنظيم يضع الجميع تحت مظلة واحدة، ويمنع الفوضى، ويصون العيش الكريم لأصحاب الأعمال الجادين.
مواقع التواصل قوة حقيقية، لكن دون رقابة وتنظيم، قد تتحول من نعمة إلى عبء. وهنا تقع المسؤولية على الجهات الرسمية ذات العلاقة، لأن حماية المواطن تبدأ من تنظيم الفضاء الذي يعيش فيه… حتى لو كان فضاءً رقمياً.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.