هل ينبغي للاحتياطي الفيدرالي الاميركي أن يمول عجز واشنطن؟

في خضم الجدل الأميركي المتجدد حول أسعار الفائدة، عاد الرئيس دونالد ترامب ليضع الاحتياطي الفيدرالي في قلب معركة سياسية اقتصادية حساسة، مطالباً بخفض حاد في أسعار الفائدة بدعوى تخفيف كلفة خدمة الدين الفيدرالي المتضخم. ظاهرياً، يبدو الطرح مغرياً: دين عام يتجاوز 38.4 تريليون دولار، وفاتورة فوائد قاربت تريليون دولار سنوياً، فلماذا لا تُستخدم السياسة النقدية لخفض هذا العبء؟ غير أن هذا السؤال البسيط يخفي خلفه واحدة من أخطر الإشكاليات في الفكر الاقتصادي الحديث، وهي حدود الفصل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وما يُعرف بمخاطر "الهيمنة المالية على استقلال البنوك المركزية.

لا شك أن الحكومة الأميركية باتت تنفق أرقاماً غير مسبوقة على خدمة الدين، إذ تشكّل الفوائد وحدها أكثر من 14% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي ونحو 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق العالمية، بعد سنوات من المال الرخيص، جعل هذا العبء أكثر ثقلاً على الموازنة. وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن ارتفاعاً طفيفاً جداً في أسعار الفائدة، لا يتجاوز عُشر نقطة مئوية، كفيل بإضافة مئات المليارات من الدولارات إلى العجز خلال عقد واحد فقط. من هنا، يمكن فهم الإغراء السياسي بالضغط على الفيدرالي لخفض الفائدة، لكن فهم المخاطر أهم من فهم الدوافع.

جوهر المشكلة أن الاحتياطي الفيدرالي لا يملك تفويضاً بخدمة الخزانة أو تقليص كلفة الاقتراض الحكومي، بل أوكل له الكونغرس هدفين واضحين: تحقيق أقصى قدر من التوظيف، والحفاظ على استقرار الأسعار. وعندما تُستخدم أسعار الفائدة لأهداف لا علاقة لها بهذين الهدفين، فإن التاريخ الاقتصادي يقدم دروساً قاسية. ففي دول مثل الأرجنتين والبرازيل وغيرهما خلال القرن الماضي، أدى إخضاع السياسة النقدية لاحتياجات التمويل الحكومي إلى موجات تضخم مرتفعة ومزمنة، كانت كلفتها الاجتماعية والاقتصادية أكبر بكثير من أي وفر مؤقت في خدمة الدين.

التجربة الأميركية نفسها ليست بعيدة عن هذا السياق. صحيح أن الفيدرالي قام خلال الحرب العالمية الثانية بتثبيت سقوف على أسعار الفائدة لتسهيل تمويل المجهود الحربي، لكنه سرعان ما اصطدم بعد الحرب بمحاولات سياسية لإدامة هذا النهج، ما انتهى باتفاق 1951 الشهير بين الخزانة والفيدرالي، الذي كرس استقلال البنك المركزي ومنحه حرية تحديد أسعار الفائدة بما يخدم استقرار الاقتصاد، لا الموازنة العامة. هذا الاتفاق لم يكن تفصيلاً تاريخياً، بل حجر زاوية في بناء المصداقية النقدية الأميركية لعقود لاحقة.

قد يُقال إن الفيدرالي سبق أن خفّض فعلياً كلفة الدين عبر برامج التيسير الكمي بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا. وهذا صحيح جزئياً، لكن الفرق الجوهري أن تلك السياسات اتُخذت لدعم الاقتصاد ومنع الانكماش، لا لتخفيف أعباء الخزانة. الأثر الإيجابي على كلفة الدين كان نتيجة جانبية، لا هدفاً مباشراً. وحين تتحول النتيجة الجانبية إلى هدف معلن، يدخل الاقتصاد منطقة خطرة تُعرف بـ الهيمنة المالية ، حيث تُقيَّد يد البنك المركزي خشية رفع كلفة الدين أو إرباك المالية العامة.

خطورة هذه الهيمنة لا تكمن فقط في احتمال عودة التضخم، بل في فقدان مرساة التوقعات. فإذا اعتقدت الأسواق والأسر والشركات أن التضخم هو الخيار الأسهل للتعامل مع الديون المرتفعة، فإن كلفة استعادة الاستقرار السعري تصبح أعلى وأكثر إيلاماً. والأسوأ من ذلك أن المستثمرين سيطالبون بعلاوة مخاطر أعلى، ما يرفع أسعار الفائدة طويلة الأجل، ويقوّض الهدف الأصلي المتمثل في تخفيض كلفة الاقتراض. وهنا يتحول العلاج المقترح إلى سبب إضافي للمرض.

أما الرهان على التضخم كوسيلة "لإذابة الدين، فيبدو هو الآخر محدود الجدوى. فجزء كبير من الدين الأميركي قصير ومتوسط الأجل، ويعاد تمويله باستمرار وفق أسعار السوق السائدة. ومع العجز المستمر، تضطر الخزانة إلى الاقتراض سنوياً بشروط جديدة، ما يعني أن أي ارتفاع في التضخم سينعكس سريعاً في أسعار الفائدة الاسمية. حتى التقديرات الأكاديمية المتفائلة تشير إلى أن قفزة غير متوقعة في التضخم لن تخفّض نسبة الدين إلى الناتج إلا بشكل محدود، وبكلفة طويلة الأمد على الاستقرار الاقتصادي.

في المحصلة، فإن مطالبة الفيدرالي بخفض الفائدة لتمويل الدين ليست مجرد نقاش تقني حول السياسة النقدية، بل اختبار حقيقي لصلابة الإطار المؤسسي الذي حكم الاقتصاد الأميركي لعقود. فاستدامة الدين مسؤولية السلطة التشريعية والتنفيذية عبر قرارات الإنفاق والضرائب، لا مهمة البنك المركزي. وكل محاولة لتحميل السياسة النقدية ما لا تحتمل، قد تمنح راحة قصيرة الأجل للموازنة، لكنها تفتح الباب أمام اختلالات أعمق، يكون ثمنها على الاقتصاد والمجتمع أعلى بكثير من أي تريليون دولار يُتوهم توفيره.