من تمكين الشباب… إلى توريث الفرص
بقلم الدكتور عصام الكساسبه
معالي وزير العمل المحترم
بداية، لا أكتب إليكم بدافع النقد الشخصي بل أنقل صوتًا يتردد في صدور كثير من أبناء هذا الوطن.
أنتم رجل أعمال تعبتم على أنفسكم وشقّقتم طريقكم من العمل الخاص إلى العمل النيابي ثم الحزبي، وصولًا إلى موقعكم في السلطة التنفيذية. هذا اجتهاد يُحسب لكم، ولا نحسدكم عليه.
لكن معاليكم حين يتداول الشارع أخبارًا عن تعيينات سريعة لأبناء مسؤولين في مواقع سيادية لا بد أن نتوقف قليلًا لا حسدًا بل خوفًا على ما تبقى من ثقة الناس.
فمن حق كل أب أن يسعى لمستقبل أبنائه، وأن يعلّمهم في أفضل المدارس والجامعات، وأن يفتح لهم الأبواب بماله وجهده.
لكن ليس من العدل ولا من الحكمة أن تُفتح الأبواب العامة على حساب أبناء الوطن الآخرين، الذين لا يملكون إلا شهاداتهم وأحلامهم.
وأسمح لنفسي هنا أن أضيف نقطة جوهرية لا يمكن تجاوزها:
لقد كنتم أمينًا عامًا لحزبٍ كان من أبرز شعاراته تمكين الشباب وإتاحة الفرص العادلة وكنتم من أكثر من تحدث عن العدالة وتكافؤ الفرص كمدخلٍ للإصلاح السياسي.
وهنا يحق للمواطن أن يتساءل بمرارة:
هل ما كُتب في البرامج الحزبية كان للاستهلاك السياسي فقط؟
أم أن الواقع حين لامس السلطة اختلط فيه الحابل بالنابل وباتت المبادئ شيئًا على الورق والفرص شيئًا آخر على الأرض؟
هذا السؤال ليس شخصيًا ولا يستهدف أحدًا بعينه بل هو سؤال وطني بامتياز
لأن الفجوة بين الخطاب والممارسة هي ما يفقد الشباب ثقتهم بكل ما يُرفع من شعارات وهي ما يدفعهم للهجرة أو للعزوف أو لليأس.
أقول لكم ذلك لأنني قبل أيام كتبت لابني رسالة قلت له فيها: هاجر يا ليث.
لم أقلها كرهًا بالوطن بل خوفًا عليه.
فردّ عليّ بكلمات موجعة:
لن أفترش إلا تراب الوطن، ولن أتغطى إلا بسماء الوطن.
عندها فقط أدركت أن واجبنا أن نحمي الأمل لا أن نطفئه.
معالي الوزير،
اجتهدوا لأنفسكم ولأبنائكم من مالكم وجهدكم كما تشاؤون،
لكن تذكّروا أن الوطن للجميع،
وأن الوظيفة العامة ليست ميراثًا
وأن كريمة أي مسؤول ليست أحق من كريمة أي مواطن
ولا ابن مسؤول أولى من ابن هذا الوطن الصابر.
هذه رسالة محبة قبل أن تكون عتابًا
ورسالة خوف على وطنٍ لا يحتمل مزيدًا من التناقض بين ما يُقال وما يُفعل