عزمي بشارة: الجديد ليس خطف مادورو بل المجاهرة بأن الهدف هو النفط
عزمي بشارة: لن تنجح السلطة السورية من دون برنامج وطني وحدوي
بشارة: الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة هي المحطة الأهم
بشارة: ملفت عدم تصدي العرب لنفوذ إسرائيل في القرن الأفريقي
بشارة: تحررت سورية من نظام الأسد ولم تتحرر من أمور كثيرة أخرى
بشارة: العرب أمام فرصة لإبرام اتفاق إقليمي مع إيران
بشارة: روسيا قد تكون أهم بالنسبة إلى ترامب من أوروبا الغربية
احتلّ العدوان الأميركي على فنزويلا في الثالث من الشهر الحالي، وخطف رئيسها نيكولاس مادورو، حيزاً كبيراً من الحوار الخاص للمدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" عزمي بشارة على تلفزيون "العربي" من مدينة لوسيل في قطر مساء الخميس. عدوان رأى بشارة أن الجديد فيه لم يكن خطف مادورو، ذلك أن لواشنطن سابقة في هذا السياق (خطف رئيس بنما مانويل نورييغا مطلع عام 1990)، بل المجاهرة بأن الهدف هو السطو على نفط فنزويلا. حتى في القضايا البعيدة جغرافياً عن الولايات المتحدة، فإنّ ترامب كان عنصراً حاضراً في المقابلة أحياناً كثيرة، هو الذي لم يقضِ من ولايته الرئاسية إلا سنة واحدة من أصل أربع. وتنقل الحوار ما بين مناقشة ما بقي من النظام الدولي، ونتائج تكريس القوة معياراً وحيداً للعلاقات الدولية المعاصرة على قوى مستفيدة مثل روسيا والصين وإسرائيل وأخرى خاسرة مثل أوروبا الغربية، وصولاً إلى المشهدين السوري واليمني الحاليين، مروراً بقطاع غزة وما هو مطروح إسرائيلياً بشأنه، وما بين هذا وذاك ما يتصل بالتلكؤ العربي عن مواجهة سعي إسرائيل إلى الاستيلاء على موانئ البحر الأحمر، وقدرة مصر، لو أرادت، على وقف حرب السودان، مثلما كانت قادرة على وضع حد مبكر للعدوان على غزة.
مشهد هوليوودي مقصود
وقال بشارة إن "المشهد الهوليوودي" الذي اتسمت به عملية فنزويلا وخطف رئيسها، مقصود في إطار تباهي ترامب بالقوة مسيّراً للعلاقات الدولية، لأن هذا يترك انطباعاً رادعاً وتخويفياً. وأشار إلى أن الجديد ليس العملية بحد ذاتها، بل "السفور والوضوح في المجاهرة بأن الهدف هو السطو على نفط فنزويلا"، ولفت إلى أن حجة المخدرات سرعان ما اختفت من مبررات ترامب لمصلحة الاعتراف بالهدف الحقيقي ألا وهو النفط أولاً، ذلك أن الرجل "يعتبر أن تأميم فنزويلا نفطها (أيام الراحل هوغو تشافيز عام 1999) هو سرقة لنفط أميركي"، على حد تعبير المفكر العربي الذي يلاحظ من الإشارة الأخيرة كيف أن معايير العالم أصبحت مقلوبة بالكامل في زمن الرئيس الأميركي الحالي.
وفي هذا السياق، يجزم صاحب "في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟" بأنّ لا علاقة للمخدرات ولا للديكتاتورية في فنزويلا والفساد وبقية الحجج التي يتم سردها من قبل ترامب الشعبوي، بالهجوم الذي تعرض له هذا البلد اللاتيني ورئيسه المخطوف، بدليل أن ترامب سارع إلى تهديد الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغير بمصير أسوأ من مصير مادورو "إن لم تتعاون معنا". ولاحظ بشارة كيف أننا نشهد إحياءً لاستعادة تقاسم العالم "في فترة لا تنازع فيها بين قوى استعمارية لمستعمرات لم تعد موجودة أصلاً". ورداً على سؤال عن أثر عملية كاراكاس على موازين القوى الدولية، أجاب المدير العام لـ"المركز العربي" بأن ترامب يتعاطى مع زعماء أوروبا الغربية على اعتبارهم مجموعة من "الفاشلين" ممن عليهم أن يتكلوا على أنفسهم، بينما هو مستعد لأن يقبل أنه في أوروبا الشرقية يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يحتل أوكرانيا بصفته قوياً، كذلك يمكن للصين أن تضم تايوان بالقوة، ولرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن يفرض سطوته في الشرق الأوسط، وهكذا دواليك، إلى أن يتلقى صفعةً من أحدهم لا وجود لبوادر لها حتى الآن وفق ما يُستشف من كلام المفكر العربي.
وعما إذا كنا أمام نظام دولي جديد، ذكّر بشارة بأن النظام العالمي المولود من رحم الحرب العالمية الثانية كان مليئاً بحالات انعدام الاحترام للمواثيق والقوانين الدولية، وأنّ قوى عديدة تجاوزته وخرقته "لكن الجديد مع ترامب أنه يجاهر بذلك". وأسف لعدم التوقف ملياً أمام ما سماها "خروقات ناعمة" مثل انسحاب واشنطن من 66 منظمة دولية أول من أمس، من بينها جمعيات تعنى بمكافحة المخدرات والإرهاب، ويخلص إلى أن ترامب يريد للولايات المتحدة أن تكون "دولة عظمى من دون أي التزامات".
3 سنوات أخرى
وعن احتمالات أن يواجه ترامب قيوداً في السنوات الثلاث المتبقية من ولايته، حسم بشارة أن الانتخابات النصفية في نهاية العام الحالي ستكون المحطة الأهم في هذا السياق. وأوضح أنّه داخلياً لا نتائج فورية اقتصادياً لسياسات ترامب، وشدد على أن هناك قطاعات ديمقراطية أميركية عديدة ترى أن الدولة تتجه إلى مس تدريجي بقواعد اللعبة الديمقراطية نفسها، متل تجاهل الكونغرس وتحييده، وضرب حرية التعبير وإثراء فاضح لعائلة ترامب ومن يحيط بها. أما في أوروبا، فأسف بشارة لأن "هناك من يريد إرضاء أميركا بأي ثمن لكي يبقى في حلف شمال الأطلسي"، واصفاً ذلك بأنه "قصر نظر لأن ترامب لا يحترم سوى القوي، بالتالي فإنه لن يحترم أوروبا إن لم تكن قوية". وفي الإطار نفسه، ذكّر بأن موضوع الديمقراطية ليس مهماً بالنسبة إلى واشنطن، فـ"روسيا قد تكون أهم بالنسبة إلى الإدارة الحالية من أوروبا الغربية. وعن جدية نوايا ترامب بالسطو على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، فإنّ الرئيس الأميركي الـ47، وفق تحليل بشارة، "يعرض مقايضة الحصول على غرينلاند مقابل بقاء واشنطن في الناتو". ووجد ضيف التلفزيون العربي أن الصين صحيح أنها خسرت النفط الفنزويلي الرخيص، لكنها كسبت في المقابل توسيع نفوذها الإقليمي بعد الذي حصل في فنزويلا.
وفي حين لم يستبعد ضيفنا أن يكرر ترامب ارتكاب فعلته الفنزويلية في مكان آخر من العالم، فإنه أعرب عن تفهمه الواقعية التي يتعاطى بها زعماء البلدان الأميركية اللاتينية المهددون من قبل واشنطن، فهؤلاء إما أنهم يعانون أحوالاً شديدة الصعوبة مثلما هو حال كوبا والقيادة الفنزويلية الحالية، أو أن انتخابات تنتظرهم في بلدانهم، كالبرازيل وكولومبيا، من دون أن تفوته تبرئة الرئيسة الفنزويلية المؤقتة رودريغيز من شائعات التواطؤ والتخاذل.
ترامب عربياً
ورداً على سؤال، أيد مؤلف "صفقة ترامب – نتنياهو: الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال: ما العمل؟" فرضية أن نتنياهو يحاول أن يكون "ترامب الشرق الأوسط" منذ فترة طويلة عبر اعتناقه الكذب الدائم منهجاً، وتبنيه سياسة القوة وحدها. ووجد أن الرجلين، ترامب ونتنياهو، "حليفا أيديولوجيا ومصلحة"، مع أن ترامب لا يقبل أن يكون حليفاً ندياً مع أحد، ونتنياهو مستعد لأن يقبل صفة الحليف الصغير لترامب القوي، وهو مستعد لأن يتلقى توبيخاته، على حد تعبير بشارة، الذي يذكّر بمدى تأثير اللوبي الإسرائيلي على ترامب، باعتراف الأخير نفسه. ومن بين الأدلة على أن العلاقة بين الرجلين تحالف أيديولوجيا ومصلحة، يعيد بشارة إلى الأذهان حقيقة أن ترامب، المتقلب في الآراء والمتناقض في التصريحات بشأن غزة والضفة الغربية مثلاً، لم يذكر مرة واحدة عبارة أن للفلسطينيين حقوقاً مثلاً.
أما بالنسبة إلى الإقليم، فإنّ ترامب يميز في العلاقة مع العرب ما بين بلدان الخليج الثرية ويسمي زعماءها "أصدقائي"، والمناطق المحيطة بفلسطين (لبنان وسورية وربما مستقبلاً الأردن) الذي لا يمانع في أن تكون منطقة نفوذ إسرائيلية، وبالتالي فإنه يطالب مسؤوليها بالتفاهم مع نتنياهو. وهنا يطرح الدكتور عزمي بشارة سؤالاً سبق له أن طرحه في حوار سابق قبل أشهر على الشاشة نفسها (التلفزيون العربي): هل يقبل زعماء الدول العربية حتى من المطبعين مع إسرائيل أن يصبح نتنياهو الآمر الناهي حتى في الشؤون الداخلية لبلدانهم؟
عجز عربي من غزة إلى أرض الصومال
أما في ما يتعلق بغزة، فكرر بشارة، مؤلف "ثورة مصر" في جزأيه، موقفه المعروف والذي يفيد بأن مصر يفترض أن تكون دولة إقليمية، "ولكنها ليست كذلك حالياً"، وأنه "لو كان هناك فعل مصري واضح، كان يمكن أن تتوقف الحرب على غزة بعد أسبوعين من اندلاعها"، مثلما أن القاهرة قادرة، لو رغبت، على وقف حرب السودان. وبعيداً عن دور القاهرة، يرى كاتب "الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة" أن إسرائيل تريد إقناع واشنطن بما يسميها فكرة جهنمية تقوم على بدء البناء في مناطق معينة من جنوب غزة، وإهمال الشمال والوسط ليبقيا محاصرين ولكي يخرج الناس من هناك إلى الجنوب، في المقابل، تقول حركة حماس إنها لا تقبل أن ينزع سلاحها طرف آخر غير حكومة فلسطينية مستقلة على حد تعبير المفكر العربي.
أما في ما يتعلق بتطورات إقليم أرض الصومال الذي اعترفت إسرائيل به دولة مستقلة، فأكد بشارة أن التوجه الإسرائيلي في القرن الأفريقي يحظى بدعم عربي من الإمارات لمحاولة السيطرة على موانئ البحر الأحمر وصولاً إلى باب المندب، محذراً من أن هذا يؤثر على دول الخليج والعرب عموماً، ويسمح لإسرائيل بمزيد من إملاء شروطها عليهم، مستغرباً عدم وجود أي تصدٍّ عربي واضح لهذا المشروع العلني. وفي إطار ما يمكن للعرب أن يفعلوه في مواجهة مساعي تكريس إقليمهم منطقة نفوذ إسرائيلية، أجاب بشارة بأنهم يستطيعون فرض مطالبهم على إيران التي تعاني من صعوبات كبيرة حالياً، لبناء نظام أمني إقليمي.
اليمن وسورية
وغير بعيد عن أرض الصومال، توقف كاتب "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"، عند ما سماه القضاء على مشروع انفصال جنوب اليمن، من دون أن ينتهي احتمال تفتيت اليمن "الخطير للغاية"، على حد تعبيره، تعليقاً على التطورات التي شهدها اليمن في الأسبوعين الماضيين، وتُرجمت ضربة سعودية قد تكون قاضية لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي "تم تضخيم قوته بدعم عربي"، وفق ما يقوله بشارة، في إشارة إلى دولة الإمارات. وبرأيه، فإنّ فتح باب انفصال الجنوب قد يقود إلى تحول اليمن إلى أربع أو خمس دول. أما التطورات السورية، فقد وصفها مؤلف "سورية: درب الآلام نحو الحرية - محاولة في التاريخ الراهن"، بأنها صعبة جداً، ذلك أن سورية "تحررت من نظام الأسد ولم تتحرر من أمور كثيرة أخرى".
وحذّر، من باب النصح كما قال، من أنه إن لم تطرح السلطة الحالية برنامجاً وطنياً وحدوياً لسورية، فسيكون الوضع أسوأ مما هو عليه حالياً، "لأنه حتى الآن، سلوكها الفئوي وغياب النهج الوطني أوقعنا في مشاكل كثيرة". برنامج وطني، يقول بشارة، يجب أن ينطلق من واقع أن كل الشعب السوري كان ضحية للنظام السابق وليس طائفة واحدة أو مكوناً بعينه، والاعتراف بأن التعامل على قاعدة "نحن وأنتم" يجب أن يتغير جوهرياً، والإقرار بأن الصفقات بين الفصائل لا تبني جيشاً وطنياً. ونبّه ختاماً من أن "محاولة التفاهم مع دول خارجية بشأن قضايا داخلية يساهم في التفكيك"، معرباً عن أسفه للغة البيان الأميركي الإسرائيلي السوري الصادر قبل يومين عن لقاء باريس الثلاثي، "لأنها ليست لغة طرف أرضه محتلة من الطرف الآخر".