غزة ذاكرة الطفولة والجرح المفتوح
لا أذكر اللحظة الأولى التي سمعتُ فيها باسم فلسطين، ولا كيف ترسّخ في داخلي أنها وطن، لا كلمة. كل ما أعرفه أن ذلك حدث مبكرًا جدًا، في زمن لم تكن فيه ذاكرتي قادرة على حفظ التفاصيل، لكنها كانت تحفظ الإحساس. ولا أذكر كيف فهمت، وأنا طفلة، أن هناك احتلالًا اسمه "إسرائيل”، ولا كيف استوعبت أن هناك شعبًا يُقتل فقط لأنه فلسطيني. أعرف فقط أن هذا الوعي لم يأتِ دفعة واحدة، بل تسلل إليّ كما يتسلل الحزن: ببطء، ثم فجأة.
في عمر الرابعة تقريبًا، بدأت ملامح هذا الفهم تتشكل. انتقلت عائلتي في مطلع الثمانينات إلى مدينة كانت صغيرة جدًا، ربما كانت أقرب مركز حضري إلى مخيم البقعة. هناك، كان الفلسطينيون هم الغالبية، وكانوا الحياة اليومية بكل تفاصيلها. لم أكن أفرّق بين الأردني والفلسطيني، ولم يخطر لي أصلًا أن ثمة فرقًا.
العائلات من حولنا كانت تحمل فلسطين في أسمائها ولهجاتها وصمتها. أغلبهم من الخليل، ثم نابلس، ثم جنين، فاللد، وطولكرم. لم تكن هذه أسماء مدن بعيدة على خريطة، بل أسماء بيوت نعرفها، ووجوه نألفها، ونساء يخبزن الكعك والخبز كما لو أنهن كنّ يخبزن الذاكرة مع العجين، يتركن فلسطين تتخمّر في البيوت قبل أن نعرف اسمها.
وفي المدرسة، لم نتعلّم فلسطين من الكتب، بل من الأصوات. كبرنا على أناشيد المقاومة كما يكبر الأطفال على التهويدات، نحفظ الكلمات قبل أن نفهم ثقلها. كنا صغارًا، لكن فلسطين كانت أثقل من أعمارنا جميعًا. أطفال الحجارة كانوا أبطالنا، ليس لأنهم يشبهوننا، بل لأنهم كانوا ما نتمنى أن نكونه دون أن نعرف لماذا.
في الاحتفالات المدرسية، كنا نصطف في الكورال بقمصاننا المرتبة وأصواتنا المرتجفة، نغني بحماسة بريئة، نرفع أيدينا ونصفّق، غير مدركين أن ما يخرج من أفواهنا ليس مجرد نشيد:
"قاوم يا شعبي قاوم، على الجهاد داوم… قاوم بالمقلاع والنار، قاوم قاوم بالأحجار”.
وكانت هناك أنشودة أخرى، كانت تدخل قلبي الصغير دون استئذان، تترك فيه رجفة لا تفسير لها:
"أمّاه ديني قد دعاني للجهاد وللفدا… أمّاه لا تبكي عليّ إذا سقطت ممدًّا”.
كنا نغني ونضحك، نلتفت إلى بعضنا ونبتسم، لا نعرف أن هذه الأصوات كانت تُعدّنا بصمت، وأن هذه الأغاني لم تكن تسلية مدرسية، بل أول درس في الفقد. كانت تمهّد فينا جرحًا طويل العمر، جرحًا سينمو معنا، ويكبر، ويظل مفتوحًا مهما حاولنا نسيانه.
كنا نرسم خريطة فلسطين كما نرسم وردة. نكتب أسماءنا داخلها، أو نخطّ قبة الصخرة بخطوط بدائية. لم تكن فلسطين فكرة سياسية، كانت مساحة طبيعية في دفاترنا.
أول مرة سمعت باسم غزة كنت في المرحلة الابتدائية، ربما عام 1991 يومها التحقت طالبة جديدة بصفنا. سألتها المعلمة: من أين أنتِ؟ فأجابت بصوت خافت: من غزة. رفعت المعلمة صوتها، وقالت بنبرة لا تزال ترنّ في رأسي: علي صوتك، ليش خايفة؟ العالم كله بخاف منكو الغزاوية.
علقت الجملة في داخلي. فهمت أن غزة مكان يُخيف العالم، لكنني لم أعرف لماذا، ولا كيف يمكن لمكان أن يحمل هذا القدر من الرهبة.
لم يكن الإنترنت موجودًا بعد. المعرفة كانت تأتي عبر الناس، عبر القصص، وعبر نشرات الأخبار الثقيلة. بعدها بفترة، سكنت في حارتنا جارة من غزة. صارت قريبة جدًا من عائلتي. كانت ست معدّلة، متقنة للحياة ولكل شيء، وطعامها لا يُنسى. على يديها تذوقت المسخّن الفلسطيني لأول مرة، ومعها غزة دخلت بيتنا.
في نشرات الأخبار، كان وجه الشيخ الشهيد أحمد ياسين حاضرًا بقوة، خصوصًا بعد عام 1991، عندما حكمت عليه محكمة إسرائيلية بالسجن المؤبد. كان وجهه ثابتًا، هشًا وقويًا في آن، يشبه فكرة ترفض أن تُهزم. ثم جاء عام 1997، وأُفرج عنه بعد فشل عملية الموساد في الأردن ومحاولة اغتيال خالد مشعل. يومها بدأت أفهم أن السياسة ليست مجرد كلمات، بل صفقات.
في عام 1996 استُشهد يحيى عياش في عملية اغتيال إسرائيلية، تشكّل غضبي الأول. كنت في الخامسة عشرة، وأسأل كثيرًا: من هو؟ ماذا فعل؟ ولماذا قُتل؟ هناك بدأت أعرف غزة حقًا، وبدأ معها شغفي بالأخبار والسياسة، كأن الوعي جاء متأخرًا لكنه جاء عنيفًا.
خلال الانتفاضة الثانية، كنت طالبة جامعية. أحطت نفسي بطلبة من فلسطين، أردت أن أفهم. هل ما نراه على الشاشات هو الحقيقة كاملة؟ اكتشفت أن كثيرين منهم كانوا يعيشون حياة تبدو طبيعية: دراسة، حب، ضحك، وخطط مؤجلة. كان هذا الاكتشاف صادمًا، كيف يمكن للحياة أن تستمر تحت هذا الثقل؟
ثم توالت الأحداث، والأسماء، والمعارك. ومع كل اسم جديد، كان الغضب يكبر، وكان التعلق يكبر معه. في نيسان عام 2004، استُشهد عبد العزيز الرنتيسي. لم يكن صوته سهلًا، لكنه كان صادقًا. كان يقول ما يجب أن يُقال دون تجميل. يومها شعرت أن غزة فقدت واحدًا من أعمدتها، وأن الكلام نفسه صار مستهدفًا. لم أبكِه يومها كما يُبكى الموت، بل كما يُبكى انكسار فكرة كنا نحتاجها كي نبقى واقفين.
ثم جاء نزار ريان، ومعه جاء السؤال الذي لا إجابة له. في كانون الثاني عام 2009، استُشهد في بيته، مع زوجاته وأطفاله. لم يكن الخبر رقمًا في نشرة، بل مشهدًا كاملًا من الفقد. كيف يمكن لأب أن يبقى في بيته وهو يعرف أن الموت قادم؟ كيف يمكن لإنسان أن يختار أن يموت مع عائلته لا لأن الموت أسهل، بل لأن الرحيل مستحيل؟ يومها فهمت أن المقاومة ليست سلاحًا فقط، بل قرار حياة، وأن بعض الناس يعيشون كأنهم يعرفون أن أسماءهم ستُكتب في الذاكرة لا على القبور فقط.
في تلك السنوات، كثرت الأسماء. شهداء كثر مرّوا كأطياف ثقيلة. بعضهم لم أحفظ ملامحه، لكنني حفظت إحساسي عند سماع اسمه. كانوا يسقطون واحدًا تلو الآخر ومع كل اسم، كنت أشعر أن غزة تُفرغ قلبها ثم تعود لتملأه من جديد. كأنها مدينة لا تتعلم الحداد الطويل، لأنها مشغولة بالبقاء، ويومها فهمت أن المقاومة ليست بندقية فقط، بل قرار وجود، وأن بعض الناس يعيشون حياتهم كلها كأنهم وصية مفتوحة.
في عام 2006، فاز الشهيد إسماعيل هنية في الانتخابات التشريعية، كنت في بداية عملي الصحفي. جلست طويلًا أمام الشاشات، أقرأ وأراقب، وأحاول أن أفهم لماذا لم يُمنح فرصة حقيقية. كان يبدو مختلفًا، نوراني الوجه، ليس كالقسوة التي اعتدناها في وجوه السياسين ، وأكثر قربًا من الناس. وكنت أعلم في داخلي أن هذا النقاء لن يُغتفر له.
اليوم، أشعر أنني فقدت كتلة كاملة كانت تسكنني. كأن غزة التي بنيتها في خيالي ،بيوتها، شوارعها، أشجارها، شاطئها، تنهار قطعة قطعة. أشعر بغضب لا يهدأ، وانكسار لا يُشفى. كأنني كبرت على فكرة، ثم رأيتها تُسحق أمامي، دون أن أستطيع فعل شيء.
غزة لم تكن يومًا خبرًا عابرًا في حياتي. كانت طفولتي، وأغنيتي الأولى، وغضبي الأول، ووعيي المتأخر. كانت الجرح الذي لم يلتئم لأنه لم يُترك له وقت.