تبعات اختطاف مادورو من فنزويلا.. ذهول في واشنطن وتخوف من الأفظع

كان من المتوقع، في ضوء حجم الحشد العسكري الأميركي قبالة شواطئ فنزويلا منذ أشهر، أن تُقدم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على عملٍ عسكري ما ضد نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. غير أنّ الوصول، صبيحة أمس السبت، إلى غرفة نومه والقبض عليه مع زوجته سيليا أديلا فلوريس بسهولة لافتة، شكّل مفاجأة مذهلة في واشنطن.

العملية، التي أُبقيت طيّ الكتمان ومن دون إبلاغ أقطاب الكونغرس بها، بما في ذلك الجمهوريون، أثارت موجة اعتراض واسعة بسبب ما اعتُبر عدم قانونيتها ولا دستوريتها. كما أن سلاسة تنفيذها جعلتها تبدو وكأنها جرت بتواطؤ جهات عسكرية من داخل نظام مادورو، أو من قلب دائرته الضيقة. وليس مستبعدًا أيضًا أن تكون قد نُفذت مع إدراك مسبق بأن بعض القوى الكبرى لن تتخذ موقفًا متشددًا حيالها، مثل الصين التي اكتفت بالإدانة ووضعت العملية في إطار "انتهاك القانون الدولي”، لا في خانة "الجريمة والعدوان”، خلافًا للموقف الروسي شديد اللهجة.

ربما أرادت بكين، من خلال هذه الإدانة المخففة، الإبقاء على خط رجعة يتيح لها هامش مناورة في حال أقدمت يومًا ما على استعادة تايوان بأسلوب مماثل. وقبل 36 عامًا، وقعت حادثة مشابهة من حيث الشكل، حين ألقت القوات الأميركية، في 3 يناير/كانون الثاني 1990، القبض على رئيس بنما مانويل نورييغا، لكن في سياق مختلف تمامًا. آنذاك كان قد صدر حكم قضائي بحق نورييغا بتهمة الاتجار بالمخدرات، وطالبت واشنطن بتسليمه، فردّ برلمان بنما بإعلان الحرب على الولايات المتحدة، قبل أن يستسلم نورييغا لاحقًا ويدخل السجن.

أما في الحالة الراهنة، فلا تتوافر المشروعية القانونية للقبض على مادورو، بصرف النظر عن الخلاف السياسي معه. والمفارقة أن الرئيس ترامب كان قد منح مؤخرًا العفو لرئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، الذي حُكم عليه في الولايات المتحدة عام 2024 بالسجن 45 عامًا بعد إدانته بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات والأسلحة النارية.

الخلاف مع فنزويلا سياسي بالأساس، ومن هنا ينبع الاعتراض والقلق حيال ما جرى. وما زاد من المخاوف إعلان إدارة ترامب أن واشنطن ستتولى "إدارة شؤون فنزويلا لفترة انتقالية”، من دون تحديد سقف زمني واضح، ما كشف أن البيت الأبيض لا يملك خطة متكاملة لمرحلة ما بعد خلع مادورو. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان تجربة العراق وتكاليفها الباهظة، وطرح تساؤلات حول جدوى استنساخها، وهي تجربة لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة.

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال قبل نحو أسبوع إن إدارة ترامب لا تسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا، فيما عرض مادورو، قبل يومين فقط، فتح باب الحوار مع واشنطن. فما الذي دفع إذن إلى تنفيذ عملية اليوم؟ هل كان عنصر المفاجأة؟ أم خدعة عسكرية محسوبة؟ أم محاولة لتحويل الأنظار عن تحديات داخلية وخارجية وإخفاقات متراكمة؟

ترامب كان قد أشار إلى نيته إحياء ما يُعرف بـ”مبدأ مونرو”، الذي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823، والقائم على تأكيد هيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي للكرة الأرضية، وتحذير القوى الأوروبية من التدخل في شؤون أميركا اللاتينية. فلماذا أعاد الرئيس الجمهوري طرح هذا المبدأ الآن؟ هل أراد من خلاله توجيه رسالة إلى موسكو، التي لم تُسهّل مساعيه لوقف الحرب في أوكرانيا، بضرورة الكف عن التدخل وتعزيز علاقاتها مع فنزويلا؟

وكانت تقارير أميركية قد تحدثت، مع بدايات التصعيد بين واشنطن وكاراكاس، عن أن موسكو "أوفدت أحد جنرالاتها إلى فنزويلا” للمساعدة في إعداد قواتها تحسبًا لأي عمل عسكري. فهل تمثل هذه العملية محاولة لـ”ضرب عصفورين بحجر واحد”: توجيه رسالة إلى الكرملين، ووضع اليد على نفط فنزويلا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل لا يزال ترامب قادرًا على لعب دور "إطفائي الحروب” كما يزعم، أم أنه انضم عمليًا إلى قافلة مشعليها؟

أما السؤال الأبرز، الذي شدد عليه مراقبون كُثر، فيتعلق بقدرة الرئيس ترامب، بعد فنزويلا، على مجادلة الصين أو الاعتراض أخلاقيًا وسياسيًا إذا ما أقدمت على استخدام القوة لاستعادة تايوان. فالعملية عززت مناخ التسيب والانفلات السائد على الساحة الدولية، ورسّخت خيار الاحتكام إلى القوة في أكثر من ساحة، من أوكرانيا إلى غزة والضفة الغربية ولبنان والسودان، وربما إيران… والحبل على الجرّار.

أصوات عديدة في الكونغرس، ولا سيما في صفوف الديمقراطيين، عبّرت عن هذه المخاوف، وتوعّدت بفتح ملف فنزويلا بقوة فور عودة الكونغرس إلى دورته العادية، التي تبدأ عادة في الثالث من يناير، لكنها تأجلت إلى يوم الاثنين بسبب عطلة نهاية الأسبوع.

ومنذ الحرب العالمية الثانية، دخل عدد من الرؤساء الأميركيين في نزاعات عسكرية من دون إذن مسبق من الكونغرس، رغم أن الدستور يجيز للرئيس استخدام القوات المسلحة لمدة 30 يومًا قابلة للتجديد مرة واحدة من دون الرجوع إلى الكونغرس، شرط عدم إعلان الحرب، إذ إن صلاحية إعلانها تعود حصريًا للسلطة التشريعية. ويؤكد المعترضون أن دخول القوات الأميركية إلى فنزويلا والقبض على رئيسها يشكل عمليًا إعلان حرب، لا يحق للرئيس الإقدام عليه منفردًا، وهو ما يدفع الديمقراطيين إلى الإعداد لمواجهة قانونية مع ترامب فور انعقاد الكونغرس، وإن كان المرجح أن تبقى هذه المواجهة في إطار تسجيل مخالفة سياسية ودستورية تُستثمر لاحقًا في الانتخابات النصفية المقبلة.