اخبار البلد - بسام البدارين: يحسم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بخياره المفاجىء أمس والمتعلق بتعيين الدكتور فايز الطراونة رئيسا للوزراء خلفا للقاضي الدولي المستقيل عون الخصاونة مستويات التجاذب التي دخلت فيها الدولة ومؤسسات النظام طوال الأشهر الستة الماضية لصالح بنية حكومية جديدة تعيد ترتيب الأولويات بعيدا عن الحسابات التي حاول فرضها الرئيس المستقيل على النظام والإدارة السياسية للدولة وفي وقت مثير نسبيا ومبكر.
وبدا واضحا منذ كلف الملك وبسرعة الدكتور الطراونة بخلافة الخصاونة بأن القصر الملكي أعاد حساباته للتخلص من تجربة الأخير التي سببت صداعا سياسيا مزمنا لمراكز قوى ونفوذ في الدولة والنظام اعترضت بشدة على (شعبية) وزارة الخصاونة عند حركة الإخوان المسلمين، وعلى فهمه لمبدأ الولاية العامة التي حاول تطبيقها وبشكل دفعه في أكثر من حادثة لمنع مسؤولين بارزين في الديوان الملكي وفي غيره من المؤسسات من التدخل في القضايا التي تخص سلطته التنفيذية.
واجتهد الخصاونة بصورة علنية وأخرى سرية خلف الستارة عدة مرات بإظهار صلابته وهو يحاول فرض تصوره لمبدأ الولاية العامة، فقبل استقالته بأيام فقط قال الخصاونة لـ 'القدس العربي' في حديث جانبي بأنه لا يؤمن الا بوجود طريقة واحدة وواضحة لممارسة الولاية العامة وهي تلك التي يتيحها الدستور ويتحدث عنها بالنص، مشيرا وفي نفس ذلك الحديث الى انه سيحاول تخفيف التوتر في العلاقة بينه وبين المؤسسة الأمنية دون أن ينتقص ذلك من شرعية فهمه للولاية العامة.
يتضح اليوم بأن خطة الخصاونة التي تحدث عنها لـ'القدس العربي ' فشلت، فقد استقال الرجل بطريقة مفاجئة ولافتة للنظر وبدون استئذان مألوف في الحياة السياسية مما دفع القصر الملكي لقبول استقالته بسرعة وفي وقت قياسي وبدون أي محاولة لثنيه عنها قبل الاتجاه نحو تكليف الطراونة بكرسي الخلافة، في وقت وصفه الخصاونة في نص الاستقالة بأنه حساس وحرج للغاية.
وملامح الصدام مع الخصاونة بدأت عمليا من اللحظة التي قدمت فيها حكومة الخصاونة استفسارا دستوريا للمجلس العالي لتفسير الدستور حول شرعية القوائم الحزبية في قانون الانتخاب الجديد.. هذه اللحظة اعتبرت صدامية من قبل الخصاونة على أساس انه يسعى لتأجيل الانتخابات التي أمر الملك عدة مرات بإجرائها خصوصا وأن النص على قائمة حزبية لم يكن منتجا لمطبخ الحكومة، كما يفيد وزير سابق في الوزارة المستقيلة أكد لـ'القدس العربي' بأن الخصاونة لم يكن راضيا عن صيغة قانون الانتخاب خصوصا في المعادلات التي فرضت عليه.
وعلى هذا الأساس شكل اللجوء للمجلس العالي استفزازا لمؤسسات القرار الأخرى التي تتهم الخصاونة ضمنيا بمخالفة التوجيهات المرجعية المعنية بإجراء الانتخابات في العام الحالي، علما بأن وزير العدل في الحكومة المستقيلة ابراهيم الجازي قال 'لـ'القدس العربي' بأن الهدف من اللجوء للمجلس العالي ليس استفزاز أحد بل التأكد من شرعية نصوص القوانين، فيما المح وزير آخر الى أن بعض نصوص قانون الانتخاب فرضت فعلا على مطبخ الحكومة.
هذه الخطوة كانت بمثابة الشرارة التي فجرت العلاقة بين وزارة الخصاونة وبقية مؤسسات النظام بعد تراكمات متتالية كان عنوانها الاساسي عدم التوصل الى اتفاق تفصيلي حول الكيفية التي سيستعيد بواسطتها الخصاونة مبدأ (الولاية العامة) بحيث حصل صدام لأكثر من مرة فقد تدخل الخصاونة بتشكيلة مجلس الأعيان واختلف مع مسؤولين في الديوان الملكي على بعض الأسماء، كما رفض الاستجابة لإلحاح المؤسسة الأمنية على تأجيل التقارب مع الإخوان المسلمين، وفي حادثة مشهورة اتصل الخصاونة شخصيا بأحد مستشاري القصر وطلب منه العودة عن زيارة كان يخطط للقيام بها في إحدى مناطق شمال المملكة لمعالجة مشكلة حصلت هناك.
وفي تلك الحادثة اعتبر الخصاونة أن المسألة تخص السلطة التنفيذية، ومن الواضح ان القصر الملكي حاول من جهته التخفيف من تصلب الخصاونة في مسألة الولاية العامة أو التفاهم معه على طريقة ممارستها بحيث لم يتوصل الطرفان إلى تفاهم مشترك وتطور أمر الخلاف إلى أن تفجر الموقف سياسيا فجر صباح يوم الخميس.
وما حصل فجر الخميس كان لافتا للنظر، فمصادر مقربة من الخصاونة شرحت لـ'القدس العربي' تفاصيل تشير الى ان بعض المسؤولين في الديوان الملكي ضغطوا على أبرز وزيرين في الحكومة لتوقيع مذكرة ملكية تأمر بتمديد ولاية الدورة العادية الحالية للبرلمان.. حصل ذلك فيما يبدو خلافا لرغبة الخصاونة الذي كان قد طالب بفض الدورة العادية الحالية تمشيا مع الاستحقاقات الدستورية ورغبة في إعادة صياغة التشريعات الاصلاحية وعلى رأسها قانون الانتخاب لتتم الدعوة لدورة استثنائية تكلف بثلاثة مواضيع أساسية هي قوانين الأحزاب والانتخاب والمحكمة الدستورية حسب وثيقة حصلت عليها 'القدس العربي '.
ويبدو أن الخصاونة غضب عندما علم بنبأ توقيع رئيس الوزراء بالوكالة عيد الدحيات ووزير الداخلية محمد الرعود على المذكرة التي تخالف اتجاهاته ورغبته مما دفعه للاستقالة فورا وقبل عودته الى عمان حيث يقوم بزيارة رسمية إلى تركيا مبرمجة من الشهر الماضي.
وتقول أوساط الخصاونة بأنه طلب فض الدورة العادية للبرلمان حتى يتمكن من العمل على تشريعات الإصلاح وإعادة صياغة قانون الانتخاب بعيدا عن ضغط البرلمان وبقية المؤسسات النافذة وبعيدا عن الاستجوابات والرقابة البرلمانية، وهو وضع تتيحه له دورة استثنائية للبرلمان وليس عادية، الأمر الذي اتضح أنه يخالف اتجاهات القصر الملكي حيث تنظر أوساط القرار المعاكسة للخصاونة لاصراره على فض الدورة العادية وإعادة صياغة قانون الانتخاب باعتباره محاولة لتأجيل الانتخابات والصدام العلني سياسيا مع اتجاهات القصر الملكي وهو وضع انتهى للمشهد المتأزم فجر الخميس بحيث كانت النهايات لصالح عودة الخيارات الكلاسيكية في تشكيل الحكومات.
ويمكن تلمس هذه الخيارات بالتكليف السريع للدكتور الطراونة، فهو سياسي محافظ جدا وبيروقراطي من الطراز الرفيع وتكليفه الأساسي سيركز على قانون الانتخاب في المرحلة المقبلة، وأغلب التقدير أن الطراونة سيظهر مرونة أكبر بكثير مع الخيارات والاتجاهات التي يريدها القصر الملكي، ومع الأجندة الامنية التي تصادمت بصورة واضحة وملموسة وعدة مرات مع وزارة الخصاونة.