د. منذر حدادين يرد على مقالة الأستاذ فيصل البطاينه

ماذا نابني؟

أخبار البلد_ قرأت بعين الرضى ما كتبه الصديق الأستاذ فيصل البطاينه في "أخبار البلد" يوم 26/3/2012 تحت عنوان: " وادي عربة مصنع لرؤساء الوزراء الاردنيين"، وأشار إلي بالإسم باعتباري أحد المفاوضين الأردنيين الذين اشتبكوا مع إسرائيل في جولات تفاوضية تجاوزت اثنتي عشرة جولة اختتمت بتوقيع معاهدة السلام في وادي عربه بعد الإعتراف المتبادل بين منظمة التحرير وإسرائيل وتوقيع اتفاقيات أوسلو والقاهرة بينهما.

أصاب الصديق البطاينه جزئياً في أن المفاوضات المؤدية إلى المعاهدة أنتجت رؤساء وزارات ولم يصب في عددهم. فرئاسة الدكتور المجالي للحكومة الأردنية بدأت في أيار 1993 قبل اتفاق الأردن وإسرائيل على جدول أعمال المفاوضات ناهيك عن الوصول إلى المعاهدة، ورئاسة الدكتور معروف البخيت للحكومة لا علاقة لها بالمفاوضات لأن الدكتور البخيت لم يشارك في المفاوضات المؤدية للمعاهدة وهي المفاوضات الثنائية، وإنما اقتصر دور الدكتور البخيت على عضويته في الوفد الأردني لمجموعة عمل الحد من التسلح والأمن الإقليمي في المباحثات متعددة الأطراف، ولم يكن لهذه المباحثات أي تأثير على سير المفاوضات الثنائية.

وأشار إليّ على أنني المفاوض المائي وهذا صحيح، وما لم يشر إليه هو تنطحي الشامل لمواجهة إسرائيل من مثل كتابة جدول أعمال المفاوضات والتفاوض عليه بالأشتراك مع زميل مثالي هو رئيس الوزراء الحالي، ومساهماتي في ملاحق البيئة والحدود وفي متن المعاهدة نفسها، ووضعي على مائدة المفاوضات لمشروع التطوير المتكامل لأخدود وادي الأردن وبه مشروع قناة البحرين، ويحضرني هنا قول الشاعر العبسي:

هلا سألت الخيل يا بنة مالكٍ إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي

يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم

واستناداً إلى معيار الصديق العزيز البطاينه نرى أن اثنين ممن ساهموا في المفاوضات المؤدية إلى معاهدة السلام تبوأوا منصب رئيس الحكومة الأردنية هما الدكتور فايز الطراونه والقاضي الفاضل عون الخصاونه. وأشهد للثاني فطنته وذكاءه الوقاد في التفاوض والجهاد كما أذكر أدبه الجم اللاذع لنظرائه من الإسرائيليين، وقد أودعت تفاصيل كل ذلك في ثلاثة كتب أحدها بالعربية واثنان منها بالإنجليزية لتكون مرجعاً للباحثين عن الحقيقة.

أعود لأذكر الصديق البطاينة أن الأشتباك مع العدو بالتفاوض لا يقل ضراوة عن الإشتباك المسلح معه، وأن المفاوضين الأردنيين لم يتبرعوا للصدام مع العدو وإنما كان صدامهم التفاوضي في كل جولة مبنياً على قرارات من مجلس الوزراء، وهذه بدورها مبنية على قرار وطني منسجم مع قرارات الأخوة العرب الآخرين بالذهاب إلى عملية السلام التي بدأت في مدريد في آخر أوكتوبر 1991، وكان القرار الأردني آخرها. ولا يدري الصديق أن بعض المفاوضين توجهوا لجولات التفاوض لا رغبة منهم فيها بل في الدفاع عن الوطن فيما يشبه خدمة العلم، ولم يكن أي منهم طرفاً في اتخاذ القرار للإشتراك في الاشتباك. ويشهد انتقاء القيادة الأردنية لهم على كفاءتهم وشجاعتهم وقدرتهم على القيادة في الأزمات. فهل بعد ذلك غرابة في أن يتبوأ نفر منهم مناصب قيادية في البلاد؟ سيما وقد أثبتوا جدارة وغيرة وطنية لا تجارى.

وعلى عكس ما يراه الصديق البطاينه، فقد رأيت وما زلت أرى أن الوظيفة العامة، وخصوصاً المنصب الوزاري، هي تكليف يورث التعب والأرق، ولا أرى فيه مغنما أو مطمعا. فخدمة الناس مع احترام الدستور والقانون مهمة صعبة في مجتمعنا. ولم أطلب في حياتي منصباً بل لم أسع إلى أي منها إطلاقا، وكانت كل المناصب التي أوكلت إلي تكليفا بما في ذلك ما كلفت به، بعد أربع عشرة سنة من الإغفال،من رئاسة مجلس إدارة موارد ثم بعد ذلك بخمسة أشهر من عضو ممثل للحكومة في مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات الأردنية. وللصديق البطاينه أن يسأل مصادر مجلس الوزراء إن هم خصصوا لي راتباً لقاء هذه الخدمات أم قصدوها تبرعاً!

وأعود أسأل لفائدة الصديق العزيز: ما الذي نابني من استماتتي في الدفاع عن الوطن غير شرف ذلك الدفاع؟ وأحمد الله أن حجب عني الشهادة يوم ضرب منزلي صاروخان من النوع الخارق الحارق عشية عيد الميلاد المجيد عام 1999 وأتت النيران على محتويات المنزل، وله أن يسأل بنوكاً أدله عليها لجأت إليها ابنتي بعد ذلك للإستدانة من أجل المعيشة وإتمام دراستها في الولايات المتحدة، وما ذلك بعيب أبداً سوى أنني تذكرت ألم المعتمد بن عباد في بلوى سجنه حين قال:


فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فجاءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

ولا بد لي في هذا المقام أن أذكر الصديق العزيز بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم" (الحجرات 12). واله الموفق وهو الولي الحميد.