الجنائية الدولية وقرار اعتقال نتنياهو ... حكمة أم نكتة

يعدّ طلب المدعية العامة فاتو بنسودا في شباط 2021، والذي أيده القاضي يانسو مبانين، آنذاك، بفتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية في أراضي السلطة الفلسطينية وغزة وشرقي القدس، شرارة الفكرة التي تشتعل هذه الآونة في رأس المدعي العام للمحكمة الدولية (كريم خان) حول احتمال أن يصدر مذكرات اعتقال دولية بحق بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يوآف غالانت، ورئيس أركان جيشه هرتسي هاليفي، على خلفية انتهاكات للقانون الدولي وارتكاب جرائم حرب في غزة، حيث ستلزم أوامر الاعتقال، في حال صدورها، 120 دولة من الأعضاء في المحكمة، باعتقال الشخصيات الإسرائيلية الصادرة بحقها إذا وصلت إلى أراضيها، وتسليمها من ثم إلى المحكمة في لاهاي.


وعلى الرغم من تضخم السوبر إيجو لدى نتنياهو وغطرسته التي أطلقها، وهو يعتلي موجته الجامحة، كالعادة، بمنشور على منصة إكس يوم الجمعة الماضي يقول فيه: "إن إسرائيل لن تقبل بأي محاولة من جانب المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لتقويض حقّها الأساسي في الدفاع عن نفسها"، ولعب دور الضحية، كما يفعل الوزير الإرهابي بن غفير بتكرار مع كل من يعارضه، بمن في ذلك زملاؤه في مجلس الحرب مثل غالانت، باتهامهم بممارسات النازية ضد اليهود.


وبغض النظر عما تناقلته وسائل الإعلام حول قلق نتنياهو من إمكانية حصول الأمر، واتخاذه خطوات احترازية ضد القرار المنتظر، ومنها مناقشة رؤساء دول هولندا والنمسا والتشيك، وإرساله وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، وسفيره في واشنطن، مايك هرتسوغ، لإجراء محادثات مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، يريد منها أن يتخذ خطوة احترازية دفاعية باستخدامها حق النقض (الفيتو) ضده. علينا عدم إغفال أن الدولة المؤسِّسة والداعمة لمحكمة العدل الدولية هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي في الوقت ذاته الداعم الأساس لحرب الإبادة على غزة، نتيقن عندها أنه لا يمكن لها أن تدين نتنياهو أو تصدر بحقه مذكرة اعتقال، لأنها عندئذ تدين نفسها، وتضر بمصالحها التي تتمركز بإحلال الكيان الصهيوني مكان الشعب الفلسطيني، والسيطرة على المنطقة ومقدراتها، والميناء الذي تنشئه الآن في غزة هو أكبر دليل على المصالح المشتركة والسيناريو الواحد الذي يخططانه، وبالتالي مثل تلك الأطروحات هي مجرد مخدّر لشعوب العالم التي تنتفض من أجل غزة، وخاصة الحراكات المؤججة في الجامعات حول العالم.


على الصعيد الآخر وإذا نظرنا إيجابيا نظرة الخصم المضّهَد، نستطيع أن نقول إن المسألة برمّتها تعبر عن وصول مفاعيل الحرب على غزة إلى ذروة عالمية وإقليمية، وحتى داخلية إسرائيلية، فعلى صعيد إسرائيل نلاحظ وصول المشادات ذروتها بين وزيري الصهيونية الدينية: بن غفير وسموتريتش، ووزير الجيش بيني غانتس، حول الصفقة التي اقترحتها مصر، لوقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن رهائن إسرائيليين، فالوزيران يهددان بفرط الحكومة إذا وافق نتنياهو على الصفقة، وفي الوقت ذاته يعتبرها غانتس ساقطة إذا لم يوافق، ولكن هذه الخلافات مهما اشتدت حدتها لا يسمح لها إلا أن تخرج مثمرة، وفي نهاية المطاف تبقى الجبهة واحدة في الدفاع عن الكيان الصهيوني وصد أي خطر يهدده، وفرط الحكومة سيجلب من هم أشدّ خطرًا، فالكل في إسرائيل يحمل وجهًا واحدًا.


أما على الصعيد العربي فإن التطور في القضية يتمثل في اجتماع العاصمة السعودية الرياض، يوم الأحد، واستخدامه كلمات واضحة لتوصيف ما يحصل في غزة باعتباره إبادة وجرائم حرب، وبمطالبة المنظومة الدولية بفرض عقوبات فاعلة على إسرائيل ردًا على ارتكابها انتهاكات وجرائم حرب، ويكتسب هذا أهمية لصدوره على لسان وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في إشارة واضحة إلى فشل الإدارة الأمريكية في مسعاها للضغط على الفلسطينيين عبر عرض متابعة مشاريع التطبيع، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بسفك الدم الفلسطيني.


إقليميًّا، إن التوتّر بين إيران ومشاركة دول غربية كبرى لصد مسيرات الأخيرة، فيه إشارة هائلة إلى احتمالات التورط في حرب شاملة تزعزع الشرق الأوسط كله، وهو أمر لم ينحسر بعد مع استمرار التبادلات النارية في البحر الأحمر بسبب هجمات صواريخ ومسيرات الحوثيين، وكذلك المجابهات المستمرة بين حزب الله اللبناني وإسرائيل.


على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، شكلت الاحتجاجات الطلابية مشهدًا نضاليًّا ملفتًا لطلاب العالم، كما أنها شرعت الأبواب، للوقوف عند مفهوم إسرائيل والصهيونية، رغم كونها أشبه بالبقرة المقدسة التي صنعها اللوبي الإسرائيلي، تحت دعوى معاداة السامية، وتيارات المسيحية الخلاصية التي تعتبر الدولة العبرية قرارًا إلهيًّا، إلا أنها فيما بعد زعزت هذه الثوابت وانطلقت للتنقيب عن حقيقتها ومصداقيتها.


وعلى الرغم من اليقين السائد بأن العالم بعد غزة لم يعد كما كان قبلها، وأن إسرائيل لم تعد الصنم المقدس الذي لا يمكن المساس به، إلا أن هذا الصنم الذي صنعته أمريكا، التي هي ذاتها المؤسِّسة والداعمة لمحكمة العدل الدولية، أي أن أمريكا والدول الغربية التي تدعم إسرائيل هي ذاتها التي تدعم المحكمة، فمن الحكمة ألا نعوّل على سماجة تلك النكتة باعتقال نتنياهو وغيره.