التمويل المستدام.. تحويل الأزمة إلى فرصة

أخبار البلد - بعد وصول معدلات الديون لمستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة وبالأخص مع صعوبة الوصول للتمويل في الوقت الحالي بسبب ارتفاع التكلفة الناتجة عن القفزة الكبيرة في معدلات الفائدة. تبرز أهمية التمويل المستدام الذي يعتبر النموذج الأمثل في الوقت الحالي للديون التقليدية والأكثر أهمية للدول النامية لتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث يرتبط ذلك التمويل بالمشروعات الأكثر احتياجا في الدول النامية وبالأخص مشروعات البنية التحتية مثل شبكات السكك الحديدية والنقل الأخضر بالإضافة إلى مشروعات المياه والصرف الصحي والصناعة والطاقة المتجددة وغيرها من المشروعات الخضراء.

 

إن اتساع فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة من 2.5 تريليون دولار سنويا قبل جائحة كورونا إلى ما بين 3.9 إلى 7 تريليون دولار اليوم. بسبب تأخر اتخاذ التدابير اللازمة، مما ساهم بارتفاع تكاليف تلبية أهداف التنمية المستدامة. ما يعكس عجز النظام المالي الحالي عن الاستجابة السريعة للأزمات، ناهيك عن منعها، وكذلك تبرز أهمية تعويض البلدان عن الخسائر والأضرار التي تتكبدها نتيجة لتغير المناخ.

التمويل المستدام هو أداة قوية يمكن استخدامها لبناء نمو اقتصادي متوازن؛ من خلال تحويل التهديدات الحالية إلى فرص، يتضمن النظر في المخاطر البيئية والاجتماعية في قرارات الإقراض والاستثمار البنكية. بالإضافة إلى ذلك يشمل ذلك النوع تمويل المشاريع التي توفر قيمة بيئية، بما في ذلك المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر والمشاريع كثيفة العمالة التي توفر فرص عمل. كما يتضمن الالتزام بالإطار العام للحوكمة والشفافية ويدعم وضع أنظمة للرصد والمتابعة والتقييم لتحقيق فائدة مستدامة لجميع الأطراف.

يلعب التمويل المستدام دورا رئيسيا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالإضافة إلى الالتزامات الدولية بشأن أهداف المناخ والاستدامة، ويتم ذلك عن طريق توجيه الاستثمار الخاص نحو الانتقال إلى اقتصاد محايد مناخيا وأكثر كفاءة في استخدام الموارد. ولذلك تدعم الاقتصادات الكبرى بقوة الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون وأكثر كفاءة في استخدام الموارد وأعلى استدامة، وكان هذا النوع من التمويل في طليعة الجهود المبذولة لبناء نظام مالي يدعم النمو المستدام. حيث يتمتع هذا التمويل بفائدة منخفضة مقارنة بمعدلات الفائدة العالمية، في ظل سياسة التشديد النقدي العالمي وارتفاع تكلفة الاقتراض بالإضافة لفترات السداد الطويلة.

إن القطاع المالي الأردني يمتلك مقومات وطاقات كبيرة تمكنه من تطوير وإتاحة آليات ومنتجات مالية مبتكرة تراعي وتدعم الجهود الدولية وجهود الحكومة الأردنية في تحفيز الاستثمارات الخضراء والتمويل المناخي. ولذلك تأتي أهمية إصدار أول سند أخضر، والدور المهم في تحقيق علامة فارقة في سوق رأس المال الأردني. وسيتيح ذلك توسيع نطاق التمويل، بطرق منها إصدار وزارة المالية لسند أخضر سيادي في المستقبل، وتنفيذ تصنيف وطني أخضر. 

إصدارات السندات والصكوك الخضراء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشهد نموا متسارعا، حيث ألهمت أزمات المناخ والطاقة والصحة التي تفاقمت مؤخرا وخاصة بعد الأزمة الأوكرانية، حكومات وقادة الأعمال في المنطقة لاتخاذ إجراءات عديدة لتعزيز التزاماتهم تجاه مجتمعاتهم. حيث رصد «صندوق النقد العربي خلال العام الماضي، أن «الديون الخضراء» المُرتبطة بالأنشطة المُستدامة سواء السيادية أو التي يطرحها القطاع الخاص بلغت 5.5 مليار دولار في 2022.

أنشطة التمويل الأخضر والتمويل المناخي، ستساعد في تفعيل التقدم الذي أحرزه الأردن عبر دمج الشواغل المناخية، بوصفها ركيزة رئيسية في أجندة الإصلاح الاقتصادي، وخطط الاستثمار في البلاد. حيث عززت الحكومة الأردنية أجندتها المتعلقة بالمناخ، من خلال زيادة التزاماتها بالمساهمات الوطنية لمكافحة تغير المناخ، وإعطاء الأولوية للاستثمارات العامة المستجيبة للمناخ، من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحقيق مسار يتميز بانخفاض الانبعاثات الكربونية، تماشيا مع هدف المساهمات الوطنية لمكافحة تغير المناخ الحالي، البالغ 31 % من الطاقة المتجددة في مزيج إمدادات الكهرباء.

يسهم هذا النمط التمويلي في تعزيز فرص الاستثمار؛ من خلال استقطاب فئة جديدة من المستثمرين تستهدف المشاريع المستدامة، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبالتالي توفير العملات الأجنبية بما يعود بالنفع على الاقتصاد. كذلك إلى تشجيع إصدار السندات الخضراء وسط اهتمام متزايد بالاستثمار البيئي والاجتماعي، وقد نما سوق السندات الخضراء بأكثر من 500 مليار دولار في أقل من عشر سنوات، وفقا لتقرير البنك الدولي.

وهذا النمو يتطلب إعادة النظر بشكل أساسي في إعداد الميزانية للمشاريع الرأسمالية للدولة وقطاع الأعمال، وكذلك المؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية المتعددة الأطراف، من خلال هيكلة الحوافز المبتكرة، وإنشاء هياكل تسعير الكربون التي يمكن أن تحفز الطلب على الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، والتقنيات منخفضة الكربون مع خفض الدعم للمشاريع عالية الكربون، وخلق فرص متساوية للجميع وجعل المشاريع الأنظف أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.