القاضي العدوان : لا تهاون في ملاحقة أي جريمة أو تعد على المال العام
قال النائب العام القاضي الدكتور ثائر العدوان إن النيابة العامة والقضاء هما المكان الطبيعي للتحقيق والنظر في الجرائم كافة دون استثناء، ومن ضمنها القضايا التي تحوم حولها شبهات الفساد دون التقليل او التهميش من جهد أي جهة تقوم بالتحقيق في أي فعل قد يشكل شبهة فساد او مخالفة قانونية لان هذه الجهات تقوم بمهامها وفقا لقوانين نافذة. واضاف في حديث لـ»الدستور» ان التحقيقات خارج القضاء لا تمنع النيابة العامة من تحمل مسؤولياتها القانونية ومباشرة التحقيق في أي إخبار أو شكوى يدخل ضمن اختصاصها حتى لو كانت مجال تحقيق لدى أي جهة أخرى لان النيابة العامة وفقاً للقواعد العامة في قانون أصول المحاكمات الجزائية هي صاحبة الاختصاص الاصيل بتلقي الاخبار او الشكوى ولا يوجد نص يمنعها من مباشرة التحقيق وتحريك دعوى الحق العام بل ان القانون يلزمها بذلك، «ونحن بذلك نسعى الى تفعيل النص القانوني».
وأكد سعي النيابة العامة للتعاون مع كل الجهات في سبيل تزويدها بالبينات اللازمة للاستمرار في التحقيق متى كان ذلك غير متعارض مع نصوص القانون، مشيرا الى أن نتائج التحقيقات الواردة للنيابة العامة من أي جهة تعتبر من عداد البيانات التي تركن اليها النيابة في تكوين قناعتها بوقوع الجرم من عدمه، والمدعي العام المختص بالتحقيق له مطلق الحرية بالاقتناع بما توصلت اليه هذه التحقيقات من نتائج، والامر برمته خاضع لرقابة النائب العام.
وقال العدوان إن الفقه الجزائي والتطبيق العملي متفق على ان ما يكفي من أدلة للإحالة للمحكمة نتيجة التحقيقات التي يجريها المدعي العام، ليس بالضرورة أن يكون كافيا للإدانة، لكون مسألة وزن البيانات ليست من اختصاص النيابة العامة، وإنما من صلب اختصاص المحكمة (قاضي الموضوع)، فيترك له تقدير وزن البينة وفقا لقناعته الشخصية او الوجدانية.
وحول طبيعة عمل النيابة العامة ومجال اختصاصها وأهم التحديات التي تواجه عملها، بخاصة في هذه المرحلة، ذكر الدكتور العدوان أن النيابة العامة تعد الجهة التي تمثل المجتمع وهي بذلك الجهة التي تحرك دعوى الحق العام، ومن وظائفها الأساسية تقصي الجرائم وجمع الأدلة في سبيل الوصول إلى الحقيقة، وهي بذلك لن تتهاون في أي حق من حقوق المجتمع الذي ائتمنها على تمثيله وبالتالي ملاحقة أي جريمة او تعد على المال العام، وبالمقابل، ولكون النيابة العامة هي الخصم الشريف، فانها لن تسعى إلى اغتيال الشخصيات واتهام أشخاص غير واردة بحقهم أدلة كافية للاتهام.
وبخصوص التوقيف وإخلاء السبيل فقد أكد النائب العام أن التوقيف والاخلاء محكومان بضوابط ونصوص قانونية، وأن التوقيف لا يكون الا في أضيق الحدود متى كان من شأن الاخلاء الاخلال بسير التحقيق او بالامن العام.
وأشار الى أنه لطبيعة بعض القضايا ولأهمية التحقيق فيها ولعدم تأثير المشتكى عليه على التحقيقات الجارية، فإن التوقيف يكون ضروريا في هذه الحالة وهو تطبيق لنص القانون، «وإن كان هناك إخلاء سبيل لمن تم توقيفه من قبل المحكمة المختصة بذلك فهنا ينشأ حق للنيابة في الطعن بهذا القرار الذي نحترمه لصدوره عن جهة قضائية صاحبة اختصاص».
وفي سياق توضيح أهم التحديات التي تواجه عمل النيابة العامة، أكد الدكتور العدوان أنها تتلخص بالبنية التحتية والموارد البشرية والتدريب المتخصص لأعضاء النيابة العامة والاجهزة الادارية المساندة وتحديداً على فنيات وأصول التحقيق في بعض القضايا مثل غسل الاموال والاتجار بالبشر والقضايا المالية.
ونوه العدوان الى أن هناك تعاونا مستمرا مع بعض الجهات التي أصبح لها باع كبير في كشف الجريمة وسمعة طيبة على المستوى العربي والعالمي وهي تعتبر موضع ثقة واحترام يساعدنا في الوصول الى الحقيقة مثل مديرية الامن العام بكافة كوادرها وتحديداَ البحث الجنائي والامن الوقائي والتحقيقات الجنائية وادارة المختبرات والأدلة الجرمية.
وقال «لا يفوتنا ذكر الدور الكبير الذي يقوم به الاطباء الشرعيون، فلدينا كفاءات منقطعة النظير في هذه المجالات ونستعين بتقاريرهم بخاصة القضايا التي تكون فيها الخبرة الفنية هي البينة الرئيسة او من ضمن البينات الرئيسية. كما أن هناك دورا مهما للنيابة العامة في موضوع مشاهدة القضايا الجزائية سواء الصلحية أو القضايا البدائية الجزائية، والحكم الذي ترى النيابة العامة وجها للطعن فيه يجب أن تقوم بالطعن فيه، لكن الإشكالية التي نواجهها حيال ذلك تتمثل بأن عدد المساعدين للنائب العام (7) وهو عدد غير كاف لمشاهدة كل القضايا الصلحية الجزائية والبدائية الجزائية ضمن منطقة اختصاص نائب عام عمان، وكما تعلمون، توجد بعض القضايا تكون نتيجتها البراءة أو عدم المسؤولية وبالتالي ينصب تركيزنا على مثل هذه القضايا ولا وقت لدينا لمشاهدة كافة قضايا الادانة على الرغم من وجوب مشاهدته اذ قد لا ترضى النيابة العامة بالعقوبة المفروضة لغايات تحقيق الردع العام او وصف الجرم كأنه لا يتفق والوقائع الثابتة في الدعوى الجزائية».
وفي مسألة الإطار القانوني (التشريعات) المتعلقة بعمل النيابة العامة، وان كانت توجد اختلالات تشريعية تعترض عمل النيابة العامة، أكد الدكتور العدوان أن التشريعات الناظمة لعمل النيابة العامة جيدة فقانون أصول المحاكمات الجزائية وهو القانون الاساس الذي ينظم عمل النيابة العامة هو قانون قديم وعريق ويتناسب مع نظامنا القضائي الاكثر استقراراً بين الانظمة القضائية العربية ومع بيئتنا ومجتمعنا وتقاليدنا وأعرافنا فهو قانون جيد إن أحسن التطبيق لكن ذلك لا يمنع من النظر في تعديل بعض النصوص الناظمة لعمل النيابة العامة من لجنه قضائية متخصصة.
وفي ظل الحديث عن ضرورة فصل مهمة القاضي بالتحقيق والاتهام، من على قاعدة تجارب واسعة تقتضي بعدم جواز تولي المدعي العام مسؤولية التحقيق واسناد الاتهام في القضية المنظورة أمامه، أوضح العدوان انه لا يجد ضرورة لهذا الفصل فالدول التي أخذت بمبدأ الفصل لديها نظام قضائي مختلف عن القضاء الاردني المحافظ والمستقر وليس بالضرورة أن تناسب تجارب الدول الأخرى في هذا المجال نظامنا أو مجتمعنا الأردني.
وقال اننا نضع التشريعات بما يتلاءم مع مجتمعنا، وان ما هو معمول به حاليا فيما يتعلق بأعضاء النيابة العامة لا يتعارض نهائيا مع المنطق والعدل والنزاهة ولا مع الحياد، فمن يحقق في قضية ما هو الأقدر على الاتهام من عدمه، من خلال البينات والأدلة التي جمعها، وكذلك فإن من من يتولى وظيفة النيابة العامة ويتم نقله مستقبلا إلى محكمة موضوع لا يجوز له الحكم أو النظر في قضية سبق أن تولى فيها وظيفة النيابة العامة.
وأضاف: أعتقد أن هذه المعايير والضوابط تحقق الاستقلال والحياد والنزاهة في عمل النيابة العامة والقضاء وتوجد نوعا فريدا من التوازن فشلت كثير من التجارب في خلقه حتى في أكثر الدول تقدما.
وفي رؤية النائب العام لقانونية التحقيق في جرائم قد يتهم فيها وزراء، أكد العدوان أن النيابة العامة تسعى لتطبيق نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية كما هي دون تأويل او تفسير خاصة في ظل وضوح النص، فلا يوجد ما يمنع النيابة العامة من المباشرة بالتحقيق أو تلقي إخبار بوقوع أي جريمة، حتى لو كانت أي جهة تقوم بالتحقيق في ذات الموضوع، لكن النيابة العامة تسعى بذات الوقت لإيجاد نوع من التعاون والتنسيق مع كافة الجهات في سبيل الوصول الى الحقيقة التي يفترض أن تكون مسعى وغاية الجميع، ولا يوجد ما يمنع من طلب أي بينة تفيد التحقيق موجودة لدى أي جهة، ومتى توصلنا من خلال التحقيق الى أن توجيه تهمة أصبح واجباً لأحد الوزراء بسبب ارتكابه لجرم أثناء تأديته لوظيفته فهنا النص الدستوري يحتم علينا التوقف ومخاطبة مجلس النواب للسير بإجراءات الاحالة حسب نص الماده 56 من الدستور ولا يمنعنا ذلك من الاستمرار بالتحقيق بحق الآخرين الذين لا تتوفر فيهم الصفة المشار اليها، فليس من العدالة أو المنطق او القانون أن نقوم بتعطيل التحقيق في حال أن الوزير لم يرتكب الجرم أثناء تأديته لمهامه الوزارية أو لوجود أشخاص آخرين في القضية ليسوا وزراء.