زياد الرفاتي يكتب: عواقب انهيار بنك سيليكون فالي الأمريكي

أخبار البلد ــ بنك سيليكون فالي مقره ولاية كاليفورنيا الأمريكية عمره أربعون عاما ونموذج أعماله يقوم على التعامل بشكل رئيسي مع الشركات التكنولوجية والشركات الناشئة ورواد الأعمال من خلال تلبية احتياجاتها التمويلية وتلقي الايداعات منها التي وجدت ضالتها في هذا البنك نتيجة صعوبات التمويل من البنوك التقليدية التي تتشدد في منح الائتمان لمثل هذا النوع من الشركات وارتفاع مخاطرها وعدم توفر ضمانات قابلة للرهن ، ويبلغ حجم ودائعه أربعة أضعاف محفظة القروض البالغة 74 مليار دولار مما شكل لديه سيولة زائدة ومكلفة مما اضطره لاستثمار جزءا كبيرا منها في نهاية العام 2021 وبمبلغ 128 مليار دولار في سندات الخزانة الأمريكية وسندات الرهن العقاري بأسعار شراء مرتفعة والتي كانت تحمل سعر فائدة منخفض وقبل فترة رفع سعر الفائدة الفيدرالية التي بدأت في شهر اذار 2022 وتوالت الرفوعات بعدها .

وقد ادت الرفوعات في سعر الفائدة مع ترسخ التضخم الى تراجع أسعار السندات وانخفاض قيمتها محققا البنك خسارة دفترية من التقييم بمبلغ 15 مليار دولار وخسارة بيعية بمبلغ 1،8 مليار دولار حيث لجأ الى التسييل من خلال البيع لمواجهة سحوبات ودائع العملاء في بداية الشهر الجاري وفشله في جمع مبلغ 2،5 مليار دولار لزيادة رأس المال في سبيل سد فجوة خسائر البيع ، حيث شعر المودعون بنقطة ضعف في البنك نتيجة طلبه زيادة رأس المال فلجاوا الى السحب مما ادى به الى عدم القدرة على الوفاء بالتزاماته وانخفاض سعر سهمه وانهياره وقرار السلطات باغلاقه .

يبلغ مجموع أصول البنك ( مجموع الموجودات ) 209 مليار دولار ويحتل المرتبة السادسة عشرة بين البنوك الأمريكية وحاصل على تصنيف أفضل البنوك الأمريكية للعام الخامس على التوالي من مجلة فوربس المالية الأمريكية قبل يومين من انهيار البنك ، الأمر الذي يعكس مكانته وموقعه بين البنوك .

وفيما يلي بعض عواقب انهيار بنك سيليكون فالي :-

1- ان أي بنك عبارة عن أصول والتزامات ، وقد أدى عدم ادارة الموجودات والمطلوبات بشكل سليم الى بروز مخاطر عدم الموائمة (Mismatching) بين استحقاق الموجودات الممثلة بالقروض والسندات واستحقاق المطلوبات الممثلة بودائع العملاء التي تحمل تكلفة فائدة ، مما أوقع البنك في عسر مالي وعدم القدرة على مواجهة طلبات السحب من المودعين وتكبده فوائد مرتفعة على الودائع نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة المتلاحقة من الفيدرالي مع استمرار تشديد السياسة النقدية بينما كانت تلك الودائع بفائدة صفرية قبل ذلك ، وكذلك قيام بعض شركات التكنولوجيا بسحب ودائعها لتمويل عملياتها كبديل للاقتراض نتيجة ارتفاع كلفته .

2- لقد لحق بالبنك أعلاه بنكان اخران ليصبح عدد البنوك المتعثرة والمغلقة في الولايات المتحدة ثلاثة في أقل من أسبوع وبمجموع أصول تبلغ 330 مليار دولار ، ووضع تلك البنوك تحت الحراسة القضائية منعا لامتداد الأزمة والتحذيرات من وقوع تعثر لبنوك أخرى في قادم الأيام .

3- ان صناع السياسة النقدية الأمريكية يحاولون مكافحة التضخم عن طريق تهدئة الاقتصاد وابطاء النمو وسوق العمل والوظائف ورفع معدل البطالة وتقليل عدد الوظائف الداخلة الى سوق العمل من خلال الزيادات المتتالية في أسعار الفائدة ، حيث تم استخدام سياسة رفع سعر الفائدة منذ حوالي العام لاحتواء التضخم كأداة وحيدة للسياسة النقدية وسرعة الحصول على نتائج لها دون النظر للاثار الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للرفع وكلف التمويل والاقتراض وعدم استخدام أو المزج مع أدوات أخرى متاحة ، وتبعه في نفس النهج بنوك مركزية في دول أخرى ، والميل بعد الانهيار حسب الترجيحات الى تغيير اتجاهات السياسة النقدية من قبل الفيدرالي في اجتماعه المقبل بتاريخ 21و22/3/2023 بعدم الرفع في المرة القادمة أو قد يكون الرفع الأخير وربما التفكير في خفضها كجزء من خطة الانقاذ والضغط من القطاع المصرفي بذلك ، وتدخل البيت الأبيض في ذلك بالطلب منه التريث في الرفع وعدم الاعتماد في قرار الرفع على بيانات شهر بمفرده .

4- لقد أدى التخفيف من القيود على البنوك الاقليمية مثل بنك وادي السيليكون بالمساهمة في الانهيار خاصة وأن هذا يشكل الانهيار الثاني لبنك أمريكي في أقل من عقدين بعد انهيار بنك ليمان براذرز ابان الأزمة المالية العالمية عام 2008 .

 
وقد أعلنت الادارة الأمريكية عقب الانهيار الأخير ومن باب التطمينات أن النظام المصرفي أمن ومرن وستفرض وستعزز قواعد رقابة وتنظيم أكثر صرامة على قطاع البنوك لتجنب تكرار ما حدث وستحاسب المسؤولين عن انهيار البنوك للمساءلة ومخاطرتهم بالودائع ، واعلان الفيدرالي أنه سينفذ عملية مراجعة شاملة وشفافة وسريعة لما حصل لبنك سيليكون فالي مع اصداره لنتائج المراجعة في الأول من شهر أيار المقبل ، كما أعلنت هيئة الأوراق المالية الأمريكية أنها ستقوم باتخاذ اجراءات قانونية لو تم اكتشاف انتهاك القانون في الأزمة الحالية .

5- التحذير الروسي من أزمة مالية عالمية بسبب محاولات أمريكية غير مدروسة لانقاذ نظامها المصرفي من خلال طباعة النقود والتي ستؤدي الى تفاقم الأزمة الاقتصادية حول العالم ، ومراقبة صندوق النقد الدولي عن كثب لتداعيات الانهيار على الاستقرار المالي ، وتطمينات المفوضية الأوروبية بعدم وجود خطر كبير بانتقال عدوى الافلاس الى بنوك أوروبية ، والتحذير البريطاني من أن انهيار بنك سيليكون فالي خطر على قطاع التكنولوجيا .

6- قيام البنك المركزي الأمريكي بتقديم برنامج تمويلي طارئ لاقراض البنوك مدته عام واحد ، مقابل ضمانات بالقيمة الاسمية حتى لا تلجأ البنوك الى تسييل الضمانات بالقيمة السوقية والتي عادة ما تقل عن القيمة الاسمية عند التسييل وتحقيق خسائر بها .

7- لقد تسبب انهيار بنك سيليكون فالي بحال من الذعر والخطر على أسواق الأسهم والنفط والعملات المشفرة ، حيث فقدت الأسواق المالية العالمية حوالي 465 مليار دولار من قيمتها السوقية ، وتراجعت أسهم بنوك أوروبية بنسبة تتراوح ما بين 5% - 12% في ظل قلق كبير من المستثمرين ، وانخفض النفط الى مستوى أقل من 80 دولار للبرميل نتيجة ارتفاع الدولار الذي يرتبط بعلاقة عكسية معه ، وتكبد سوق العملات المشفرة خسائر بأكثر من 70 مليار دولار خلال يوم واحد بعد تراجع عملة البيتكوين دون 20 ألف دولار في أدنى مستوى لها بنحو شهرين عقب الاعلان عن انهيار بنك سيلفر غيت الأمريكي المقرض الرئيسي لصناعة التشفير ، وارتفاع الذهب وتراجع عوائد السندات الأمريكية للجوء لمستثمرين الى الملاذات الامنة .

8- استبعاد انقاذ البنك عبر ضخ أموال عامة فيه ، حيث أكدت الادارة الأمريكية أن دافعي الضرائب لن يتحملوا خسائر البنوك ، حيث كان هناك طرحا بأن يسترد الفيدرالي الأمريكي سندات بنك سيليكون فالي التي انخفضت قيمتها  ليكون الاسترداد بالقيمة الاسمية التي طرحت فيها انقاذا للبنك وتحمل الفيدرالي للخسارة وليس بالقيمة السوقية التي انحدرت اليها نتيجة رفع أسعار الفائدة .

9- ان الشركات التكنولوجية والشركات الناشئة الأمريكية قد تشهد  في الفترة المقبلة أزمتي تمويل وسيولة ، حيث تمويلها سيكون الأكثر تضررا من تعثر البنك ، وعدم القدرة من الوصول الى ودائعها في دفع رواتب موظفيها وربما تشهد موجة تسريح للعمالة .  

10- تدخل المؤسسة الفيدرالية لضمان الودائع ووضع يدها على البنك لحماية المودعين من خلال استعادة مبلغ 250 ألف دولار للمودع  كحد أقصى  حسب قانونها ، ودراسة امكانية حماية الودائع  غير المحمية وتمكين المودعين من الوصول الى ودائعهم بدون عوائق ، مع عدم توفر مشتر للبنك بعد أن تم عرضه في مزاد علني بشكل سريع حيث  أن احتفاظ البنك بحجم أصول 209 مليار دولار يجعل قائمة المشترين المحتملين قصيرة جدا ، واهتمام شركة أبولو الاستثمارية الأمريكية بشراء محفظة قروض بنك سيليكون فالي دون تحديد حجم الشراء من المحفظة البالغة 74 مليار دولار في نهاية العام 2022 .

11- تحذير وزارة الخزانة الأمريكية بعد يوم واحد من اغلاق مصرف سيليكون فالي من انهيار اقتصادي ومالي كبير في الولايات المتحدة بالصيف المقبل في حال لم يتم رفع سقف الدين والتخلف عن سداد الديون القائمة على الولايات المتحدة .

12- اعلان وحدة بنك سيليكون فالي في المملكة المتحدة تعسرها وتوقفها عن التعامل وشرائها من قبل الحكومة البريطانية بمبلغ جنيه استرليني واحد ، حيث تتعامل الوحدة مع 180 شركة تكنولوجية في بريطانيا وأن فقدان الودائع وعدم امكانية الوصول الى التسهيلات الائتمانية من البنك يمكن أن يتسبب في احداث شلل لقطاع التكنولوجيا  وسيؤدي الى التصفية القسرية لعشرات الشركات بين عشية وضحاها .

13- والتزاما بقواعد الافصاح والشفافية عن المعلومات الجوهرية والأخبار المتداولة بشأن بنك سيليكون فالي ، فانه من الأهمية بمكان قيام البنوك المركزية والبنوك العاملة بالافصاح عن قيمة  الانكشاف المالي على بنك سيليكون فالي من عدمه وفيما اذا كان يترتب على هذا الانكشاف أثر مالي جوهري على المركز المالي لها .

مثلما فعلت البنوك الكويتية بالافصاح عن ذلك حيث بلغ مجموع الانكشاف لها ما يقارب 6 مليون دولار أمريكي تعود لبنكين اثنين واعتبرته والبنك المركزي الكويتي ضئيلا جدا ولا اثرا جوهريا له .  

14- ان التساؤل المطروح حاليا ، هل ستتكرر أزمة بنك سيليكون فالي أم أن الاجراءات المتخذة ستحد من عدوى التعثر ؟

خبير مالي وحامل شهادة المحاسبة القانونية الأمريكية (CPA)