هل يمكن أن تحدث محرقة ثانية؟

هل يمكن أن تحدث محرقة ثانية؟
راتب يوسف عبابنة
تقديم:
تباكي اليهود على المحرقة وتقديسها وعدم القبول بالمساس بصدقيتها من أي إنسان , أصبح من الثوابت الإيمانية الراسخة لديهم والتي من أجلها لا يدخرون جهدا في المقاومة والدفاع والإستماتة في إثبات وتكريس هذا المعتقد في أذهان البشر حتى استصدروا قانونا في كثير من الدول يعاقب من ينكر أو يشكك بتفاصيل روايتهم للمحرقة حتى أصبحت مصدرا للإستحلاب السياسي والإقتصادي من قبلهم ووسيلة تقرب من قبل المنافقين السياسيين للتودد للصهاينة المتنفذين في كل بقاع الأرض طمعا في الإرتقاء وتقلد المناصب والتحكم بصنع القرار.
فالكاتب ينحى بالائمة على أوروبا أنها تستخدم حادثة المحرقة لتساويها بالقضية الفلسطينية وليس للإعتراف بضرورة وجود الدولة اليهودية. ويعتبر الكاتب ذلك حَطّا من قيمة المحرقة. وتلك دعوة صريحة لوجوب الإعتراف بإسرائيل دولة يهودية حتى يشرعنوا طرد السكان الأصليين من دولتهم وحتى لا يعيش بينهم من هو ليس يهوديا كما ويوجه الإتهام للمسيحية الأوروبية أنها سبب المحرقة الناتج عن كرهها لليهود. كما ويخلص لنتيجة أن إيران تسعى لمحرقة ثانية لليهود عندما يقول"... بأسلحة الدمار الشامل في أيدي إيران أو أحد وكلائها. وبعبارة أخرى ، يمكن أن يكون هناك في الواقع محرقة ثانية."
فإيمان اليهود بقضايا كثير منها مزعوم ولا نؤمن بكل تفاصيله لهو مدعاة ليحرك فينا ساسة واقتصاديين ومفكرين وكتاب وباحثين الغيرة على قضايانا وثوابت أمتنا وديننا للدفاع عنها وترسيخها في أذهان الجاهلين بها والمُضَللين الذين هم ضحايا الدعاية الصهيونية التي ليس لها منافس.
والآن هاكم نص ترجمة المقال المنشور بتاريخ 26/1/2012 في الموقع الإلكتروني لجريدة جروزالم الإسرائيلية .www.jpost.com بوست
*************************************************************************************
هل يمكن أن تحدث محرقة ثانية؟
روبرت ويستريتش*
لقد أصبح الهولوكوست السلاح المفضل للعديد من ألد أعداء إسرائيل ، وللاسامية الناهضة.
في السنوات الأخيرة ، خضعت المحرقة لمزيج مقزز ومتزايد من التسييس الذي لا يرحم ، والتشويه المتعمد ، والمتاجرة التامة وغلبة العاطفة الدنيئة في كثير من الأحيان.
الأدهى من ذلك ، أصبح ذلك أيضا السلاح المفضل للعديد من ألد أعداء إسرائيل وللمعادين للسامية الناهضين والذين يوسمون مؤسسة الهولوكوست بأكملها بأنها ليست سوى "مؤامرة صهيونية".
في أوروبا المعاصرة ، يُستخدم إثم المحرقة في أكثر الأحيان لتعزيز القضية الفلسطينية بدلا من الإعتراف بضرورة وجود الدولة اليهودية. بمساعدة وتحريض من قبل العديد من الليبراليين واليساريين (بما في ذلك بعض الأصوات اليهودية المعادية للصهيونية) فإن الدعاية العربية والإسلامية تكرّر الطّرْق على التشهير المشوّه بأن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين هي أسوأ من تلك التي ارتكبها النازيون. والعديد من الأوروبيين يصدقون هذه الخرافات.
في إسرائيل نفسها ، حتى أكاديميون هناك ينادون بصوت عالٍ بهذه السخافات التي أصبحت كلها مبتذلة في حَرَمات الجامعات في الخارج وخصوصا في بريطانيا وأمريكا الشمالية واسكندنافيا.
هذا الحَط المنتظم من قَدر المحرقة له أسباب عديدة ، فضلا عن التبعات التي يجب أن نتوقف عندها. وقد ترافق ذلك مع المنافسة المخزية من أجل عباءة الضحية التي في النهائية تفرز استياءا معاكسا على حقيقة أن اليهود مدعين "احتكار" تاج شهيد المعاناة والألم. والجهود المبذولة للإرتقاء بالنكبة الفلسطينية لوضع متساوٍ مع المحرقة هي ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة طويلة من التشوهات الجسيمة من هذا القبيل.
منذ بضع سنوات ، الهنغاري الحائز على جائزة نوبل, لورييت ايمري كيرتيش حلل ردود الفعل السلبية على أي تذكير بالمعاناة اليهودية. في عام 1998 لاحظ أن "المعادين للسامية في عصرنا لم يعودوا يحتقروا اليهود ويقصد أوشفيتز." (وهي مدينة في بولندا)
هذه الحقيقة ومع ذلك ، لم تمنع بعض المفكرين اليهود والإسرائيليين من متابعة أجنداتهم السياسية الضيقة ، مطالبين بأن نتخلى عن أي تعامل مع ذكرى المحرقة أو تعميم وجودها على الملأ.
هذه هي واحدة من عدة نقاط صيغت جيدا في دراسة حديثة متزنة لألفين روزنفيلد بعنوان نهاية المحرقة. لا يمكن لشخص ذكي قراءة هذا الكتاب أو أن يكون الموضوع مألوف لديه من بعيد, لا بد له أن يصدق أن هذه الولاءات المبتذلة التي نمت حول القتل الجماعي لليهود الأوروبيين يمكن أن تكون بمثابة ترياق فعال ضد معاداة السامية اليوم.
نتيجة أخرى لافتة للنظر للجدالات العنيفة المحيطة بذكرى المحرقة هي الإجهاد أو النفورالمحض المؤكد عند سماع المزيد عن اليهود وأحزانهم الواضحة. كان هناك تحول ملحوظ على مدى السنوات ال 20 الماضية في البحث تقريبا عن أي ضوء في نهاية نفق المحرقة ، أو نهاية سعيدة أو قصص التهييج العاطفية عن الأخوّة الإنسانية أو عن المحبين للإيثار. يمكن استخلاص الدروس الأخلاقية العالمية القابلة للهضم بسهولة من هذا التاريخ المأساوي.
قد تكون هذه النزعة بكاملها قابلة للفهم من الناحية الإنسانية أيضا لكنها تنطوي في نهاية المطاف على مستوى خطير من التهرب الساذج فيما يتعلق بالكراهية المسيحية الأوروبية لليهود على مدار ألفين سنة, هي التي جعلت حدوث المحرقة ممكنا في المقام الأول.
الأسوأ من ذلك ، فإنها تذهب بنا بعيدا عن الإمكانية التي هي بمثابة الكابوس ولكنها ليست عصية على التصديق بأن يتم القضاء على ما يقارب الستة ملايين من اليهود الإسرائيليين (بالإضافة للعديد من العرب المسلمين) بأسلحة الدمار الشامل في أيدي إيران أو أحد وكلائها. وبعبارة أخرى ، يمكن أن يكون هناك في الواقع محرقة ثانية.
المصطلح اليوناني الأصل "الهولوكوست" ، بمضامينه الغير مقبولة بأن القرابين أُحرقت برمّتها لتقدَّم للآلهة، هو بطبيعة الحال تسمية خاطئة للذبح الجماعي لليهود في أوروبا في زمن الحرب ، إذ يقدم (المصطلح) الحدث المروّع بتوهج زائف من الأهمية الفائقة.
مصطلح "معاداة السامية" ، يتماثل مع مصطلح "المحرقة" الذي هو عقلنة مضللة للمجازر الضخمة التي ارتكبها الألمان الحاقدين بحق اليهود مع المتعاونين معهم من الفاشيين.
لكن لندع علم الدلالات جانبا ، يجب علينا أكثر من أي وقت مضى إبقاء عقولنا مركزة على الواقع القاسي في بداية القرن 21 فيما يتعلق بالمحرقة ، التي سَبَرت أغوارها على نطاق واسع في كتابي الأخير حول المعاداة العالمية للسامية ، هاجس مميت ، قاصدا أن الجهود المستمرة لإنكار أو تقزيم أو عكس المحرقة -- وخاصة ضد إسرائيل – هي (الجهود) دعوة متعمدة (أو غير متعمدة) لتكرار المحرقة.
وكان هذا جليا في السابق منذ نحو 10 سنوات في بيان علني من قبل الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني أن "استخدام قنبلة نووية واحدة داخل إسرائيل ستدمر كل شيء.... ليس من غير العقلاني توقع مثل هذا الاحتمال ".
من الواضح أن "العقلية" الأيرانية تختلف كثيرا عن عقلية إسرائيل وعقلية الغرب. في منظارهم الغريب ، الحصول على أسلحة نووية يسرّع كثيرا في ظهور المهدي (المخلص المنتظر الإسلامي). هذه هي السحابة السوداء التي تخيم فوق يوم ذكرى المحرقة الدولي في عام 2012, وأنها ليس من المحتمل أن تنقشع.
* الكاتب هو مدير مركز فيدال ساسون الدولي لدراسة معاداة السامية في الجامعة العبرية في القدس ومؤلف الهاجس المميت: معاداة السامية من العصور القديمة إلى الجهاد العالمي (راندوم هاوس ، 2010).

جيروسالم بوست
ababneh1958@yahoo.com