البراجماتية الأمريكية بين العنف العضوي والبنيوي في العلاقات الدولية

أخبار البلد-

 
???? ورقة علمية:البراجماتية الأمريكية بين العنف العضوي والعنف البنيوي في العلاقات الدولية
إعداد: أ. د. وليد عبد الحي/خاص بمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت
مقدمة: تحديد المفاهيم
عند تحليل منظومة القيم الأمريكية في العلاقات الدولية تحديداً، نجد أن كلّاً من القوة والبراجماتية تعلوان سُلَّم القيم في هذه المنظومة، فالبراجماتية تعني لدى الفلاسفة الأمريكان أن الفكرة صحيحة بمقدار النفع المترتب عليها، وعليه فإن الحكم على صحة فرضية أو سلوك معين في التفاعل الاجتماعي والسياسي يشترط تحديد الجدوى المادية أو المعنوية المترتبة على ذلك السلوك.[2]
بناء على التعريف السابق، فإن سياسة الولايات المتحدة بسيطرة هذه الفكرة عليها، لا تُقسّم المجتمعات والدول والنظريات على أساس "المُثُل" المطلقة كالخير والحق والجمال والعدل والمساواة والحرية…إلخ، بل على أساس سُلَّم المنافع النسبية، وعليه فهي لا تنظر للنظم السياسية على أساس طبيعة النظام (ديموقراطي أو ديكتاتوري، مدني أو عسكري، ديني أو علماني، وراثي أو نيابي…إلخ) بل على أساس مقدار المنفعة المترتبة للولايات المتحدة من العلاقة مع ذلك النظام. وعليه، فإذا كان الديكتاتور مفيداً للسياسة الأمريكية فلا ضير من الدفاع عنه ومساندته (كما سنرى)، كما أن الولايات المتحدة لا تحدد معنى العدوان من منظور قيمي مطلق، بل هي ترى العدوان أو التدخل العسكري أو التحالف أو الحصار من منظور براجماتي، وهي لا ترى القوة بأشكالها المختلفة من منظور قيمي مجرد، بل هي تقبل بالقوة من خلال ارتباطها بالمنظور البراجماتي، فالقوة بكل مستوياتها مقبولة أمريكياً بمقدار النفع المترتب عليها، وهي مرفوضة بمقدار الضرر الناتج عنها.

وتُشكل الدعاية السياسية Propaganda في السياسة الأمريكية أداة لإضفاء المشروعية على البراجماتية، من خلال تبرير وتغليف السلوك السياسي الأمريكي وإظهاره كما لو أنه "لضمان قيم عليا مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والسيادة والاستقلال…إلخ"، وهو ما يستوجب الفصل في تحليل السياسة الأمريكية بين جوهرها البراجماتي وشكلها القيمي المثالي الدعائي.

وقد شكَّلت نظريات بروس روسيت Bruce Russett حول علاقة الديموقراطية بالسلام الدولي نموذجاً لتغليف البراجماتية الأمريكية بغلاف قيمي، إذ تقوم هذه النظرية في جوهرها على ركيزتين هما:[3]

1. أن نسبة العنف العضوي بين الديموقراطيات أدنى منه بين الديكتاتوريات.

2. هناك علاقة طردية بين مستوى الاستبداد السياسي وبين العنف العضوي الداخلي.

وقد رفض مايكل نيكلسون Michael Nicholson وغيره من علماء السياسة حصر مفهوم العنف في الشكل التقليدي، والذي يسمّيه روسيت بـ"العنف العضوي somatic violence"، والذي يتجسّد في إيقاع الإيذاء الجسدي المباشر (القتل المباشر بالحروب أو غيرها)، بل يضيف نيكلسون له ما أسماه يوهان غالتنج Johan Galtung "العنف البنيوي structural violence"،ا[4] والذي يتمثل في "إيجاد الظروف التي يعيشها الفرد وتحول دون قدرته على توفير مقومات الحياة له"،[5] مثل الفقر والظروف البيئية السيئة نتيجة التلوث واستغلال التباينات الإثنية لدوافع سياسية، وانتهاج سياسات الحصار الاقتصادي لدوافع سياسية…إلخ، وعليه يمكن أن نتساءل: أليس الموت بسبب سياسات الاستعمار، والشركات المتعددة الجنسية، وحروب الإنابة Proxy War، والتلوث البيئي، والحصار الاقتصادي، هو أحد أشكال العنف الذي يقود إلى الموت وبنسبة أعلى من العنف العضوي الذي تعتمده مؤسسات التنظير السياسي الدعائي الأمريكي؟ وألا يجب أن يُدخَل العنف البنيوي ضمن القياس وتحديد مسؤولية الأطراف عنه بدلاً من اقتصار القياس على العنف العضوي، خصوصاً عند قياس العلاقة بين الديموقراطية والاستبداد والحروب فقط؟

إن نظرية روسيت نظرية انتقائية تقوم على إبراز بُعد العنف العضوي وإخفاء العنف البنيوي، والذي سنشرح كافة ملابساته، وعليه فإن المنظور البراجماتي الأمريكي يقوم على تغييب العنف البنيوي لحساب إبراز العنف العضوي الذي يتسق مع الدعاية السياسية لإضفاء الشرعية على السلوك السياسي الأمريكي، بينما لا تخدم مؤشرات العنف البنيوي تلك البراجماتية، كما سنوضح ذلك كمياً.

واستناداً لما سبق، يمكن طرح مجموعة من إشكاليات العنف البنيوي في المجتمع الدولي لتوضيح الفكرة:

1. الإقليم الجيواستراتيجي أو المنطقة التي تعرف تزايداً في نفقاتها العسكرية هي منطقة تخلو من العنف العضوي، لكنها توجد "بنية" إقليمية تستعد للبدء في عنف عضوي. وقد أثبت لنا نموذج لويس ريتشاردسون Lewis Richardson لسباق التسلح أن العنف البنيوي هو أساس العنف العضوي،[6] فلو أخذنا "إسرائيل" كمثال فهي تحتل المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر العسكرة Militarization Index منذ سنة 2007 حتى سنة 2022،[7] فهل يعد ذلك مؤشراً على حالة سلمية أم على بناء عسكري يستعد للعنف العضوي؟ فالمنظور الأمريكي يقوم بتقديم "إسرائيل" على أنها دولة "ديموقراطية" في إقليم استبدادي فيه نسبة العنف العضوي هي الأعلى، ولكن يتم تغييب دلالات أنها صاحبة المرتبة الأولى عالمياً في العسكرة التي تهيئ البيئة للعنف العضوي، وإبراز أنها دولة ديموقراطية ذات نزعة سلمية بمنظور نموذج روسيت.[8]

2. المنطقة التي تعرف حشداً عسكرياً دولياً هي منطقة سلمية أم ماذا طبقاً لنموذج روسيت؟ وهل المنطقة التي تنمو فيها الأيديولوجيات المتطرفة هي منطقة سلمية؟ وهل التهديد بالعنف يمثل عنفاً أم لا؟ أو هل امتلاك الأسلحة النووية يمثل تهديداً للسلام الدولي؟…إلخ. إن أغلب الأدبيات الأمريكية تحاول تكريس فكرة أن العنف العضوي بين الديموقراطيات هو عنف أقل كثيراً من حيث الحالات منه بين الديكتاتوريات، وتعمل على التغييب "البراجماتي" للنمط الآخر من العنف البنيوي والذي تصنعه هذه الديموقراطيات ويقود لعنف عضوي أكثر قسوة، كما سنوضح.

وللتدليل على عدم صحة فرضيات روسيت، فقد رصدنا في دراسة سابقة مؤشرات محددة قياساً لما كان عليه الحال دولياً سنة 2012،[9] ونود في هذه الدراسة تعزيز هذه المؤشرات بمؤشرات أخرى جديدة من ناحية، ومقارنة مساراتها خلال الفترة 2012 – 2023/2022 من ناحية ثانية.

التغييب البراجماتي الأمريكي للعنف البنيوي:

شكَّل النموذج التحليلي لنظرية روسيت للعلاقة بين العنف الدولي وبين النظم الديكتاتورية من ناحية، والعلاقة بين السلم الدولي والديموقراطية، إطاراً تحوّل تدريجياً إلى ما أسماه توماس كون Thomas Kuhn بالنموذج التحليلي Paradigmا[10] لدى القطاع الأوسع من المنظِّرين الأمريكيين. ولمّا كان لكل مفهوم سياسي محور مركزي، فإن تحليل المفهوم لدلالاته الفرعية يساعد على اكتشاف مدى صدقية الفكرة السائدة عن المحور المركزي للمفهوم، ويكفي التأمل في المفاهيم التالية التي تطرحها منظومة القيم الأمريكية كما لو أنها قيم مثالية مطلقة لنكشف عن براجماتيتها المغلفة بالدعاية السياسية وعن عدم دقة النموذج التحليلي الأمريكي.

1. مفهوم الديموقراطية:

تطغى على الكتابات الأمريكية خصوصاً في مفهوم الديموقراطية الأبعاد السياسية والاجتماعية، حيث تحتل الولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام موقع الصدارة دولياً في هذه المؤشرات، ويتم ترتيب الدول في مؤشر الديموقراطية على أساسها، بينما لا تحتل الولايات المتحدة الترتيب نفسه في سلم الديموقراطية الاقتصادية، ويكفي معاينة الواقع الدولي للبرهنة على ذلك؛ فلو أخذنا على سبيل المثال الولايات المتحدة سنة 2022 سنجد أنها تحتل المرتبة 26 في الديموقراطية السياسية بين 167 دولة،[11] ولكن لو أخذنا مؤشر عدالة التوزيع للثروة (الديموقراطية الاقتصادية أو مؤشر غيني Gini index)، سنجد أنها تحتل المرتبة 50 عالمياً، ونجد مثلاً أن إيران والجزائر والصين وروسيا وإثيوبيا المصنَّفة بأنها نظم شمولية أو سلطوية هي أكثر ديموقراطية اقتصادية (عدالة توزيع الثروة) من الولايات المتحدة طبقاً لنماذج القياس الكمي الذي تقدِّمه المؤسسات الغربية وعلى رأسها البنك الدولي أو غيره.[12] وهنا نتساءل: أي البُعدين هو الأولى بأن يُعتمد للقياس في هذا الجانب؟ هنا نجد كيف تتدخل البراجماتية لإبراز البُعد الأكثر جدوى أمريكياً، وتغييب البُعد الأقل جدوى في الدعاية السياسية، وهو ما يستدعي الإشارة إلى أن سوء توزيع الثروة هو نوع من العنف البنيوي الذي يمهد للعنف العضوي.

2. مبيعات السلاح وسباق التسلّح:

لقد دلَّت الدراسات الكمية على أن 85% من النزاعات الدولية سبقها سباق على التسلح،[13] وأن مصادر التسلّح في الغالب تأتي من الدول الديموقراطية، فمثلا ًخلال الفترة من 2021-2017 كان نصيب سبع دول مصنَّفة على أنها ديموقراطية "سياسية" هو 65.4% من مجموع صادرات العالم العسكرية،[14] لكن المؤشر الأكثر دلالة هو أن 73.9% من حروب العالم خلال الفترة نفسها كان طرفا الحرب أو أحدهما مسلحاً بالسلاح الأمريكي، وأن 31 دولة تمّ تصنيفها سنة 2021 طبقاً لمؤسسة فريدوم هاوس Freedom House الأمريكية بأنها نظم سلطوية حصلت على الأسلحة والتدريب العسكري من الولايات المتحدة.[15] كما تبين من البيانات الغربية أن:[16]

أ. كل زيادة في عدد الحروب ترتفع معها أرباح شركات إنتاج الأسلحة الأمريكية نتيجة ارتفاع قيمة مبيعات السلاح، ويكفي الإشارة إلى أن أربع شركات أمريكية لإنتاج السلاح ربحت 59.1 مليار دولار خلال سنتي 2022-2021، حصلت عليها من قيمة المبيعات والمساعدات العسكرية الأمريكية للخارج، وهو ما يجعل قدرتها على توجيه القرار السياسي تتزايد نحو مزيد من الحروب لتضمن المزيد من الأرباح،[17] وقد أشرنا في دراسة سابقة إلى أن أرباح تسعة أفراد من أعضاء ما يُسمى مجلس السياسة الدفاعية الأمريكية Defense Policy Board خلال الفترة 2002-2001 بلغت 76 مليار دولار، من خلال صلتهم المالية وإسهاماتهم في شركات إنتاج الأسلحة.[18] وكلّ ذلك يعني أن الربح "بمنظور براجماتي" في تجارة السلاح يعلو على قيم "السلام"، ويكفي النظر في نسبة ملكية الأفراد المدنيين للسلاح الخفيف لنجد أن الولايات المتحدة تقف على رأس قائمة دول العالم في معدلات الملكية وبمعدل 120.5 قطعة سلاح ناري مقابل كل 100 فرد في الولايات المتحدة،[19] وهو ما جعلها تحتل المرتبة 28 عالمياً في معدل الجريمة. وارتفع معدل الجريمة من 4.4 لكل مئة ألف سنة 2014 إلى 5 لكل مئة ألف سنة 2018،[20] وارتفعت إلى 6.6 سنة 2022،[21] وهو ما يؤكد أن إنتاج وبيع الأسلحة الفردية يهيئ البنية للعنف، وهو ما تؤكده معدلات الجريمة في الولايات المتحدة.

ب. كل زيادة بنسبة 1% في شراء الأسلحة الصغيرة والمتوسطة ترفع نسبة الضحايا في الحروب الأهلية إلى الضعف، ولكن المصدر الرئيسي لهذه الأسلحة وبنسبة كبيرة هي "الديموقراطيات الغربية"،[22] مع ضرورة التنبه إلى أن الدراسات المتخصصة في الحروب تبين أنه في 12 نزاعاً دولياً في الفترة 2020-2015، كان 27% من ضحايا الحرب قد قتلوا بالأسلحة الخفيفة، والتي تتصدر الديموقراطيات الغربية مبيعاتها.[23] وتشير دراسة اعتمدت ستة مؤشرات لدور مبيعات السلاح الخفيف في زيادة العنف في المجتمع المحلي والإقليمي، وتبيّن أن معامل الارتباط بين هذه المؤشرات مع بعضها من ناحية، وحجم مبيعات السلاح الخفيف من ناحية أخرى مرتفع بشكل واضح. فإذا علمنا أن الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة استأثرت بنحو 228 مليار دولار (17.5%) من 1.3 تريليون دولار من مجموع تصاريح مبيعات الأسلحة الأمريكية منذ سنة 2009 إلى سنة 2020،[24] يتبين لدينا أن العنف البنيوي الذي تخفيه الأدبيات السياسية الأمريكية يُسهم في الجريمة والحروب والإرهاب، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن معدل القتلى بالأسلحة الصغيرة التي تتصدر تجارتها الولايات المتحدة والدول الديموقراطية الغربية يصل إلى نحو 100 ألف قتيل سنوياً.[25]

ج. إن زيادة اعتماد الدول المتحاربة على السلاح الأمريكي يجعل نسبة استجابتها للمطالب الأمريكية في سياساتها الداخلية والخارجية أعلى، وهو ما يعطي لصانع القرار الأمريكي مزيداً من الاقتناع بجدوى البراجماتية السياسية.

كل ذلك يعني أن من مصلحة شركات إنتاج السلاح الأمريكية زيادة الحروب لزيادة مبيعاتها وأرباحها، وهو ما يجعلها تبحث عن "غطاء" براجماتي لتبدو بأنها تبيع السلاح للقوى المدافعة عن الديموقراطية وليس للربح، وهي النتيجة ذاتها التي طرحتها نظرية المجمع العسكري الصناعي لرايت ميلز Wright Mills،ا[26] والتي ترى أن أفراد القيادة العسكرية والسياسية الأمريكية العليا مُسهمون في شركات إنتاج السلاح، وأن مجالس إدارات أغلب شركات إنتاج الأسلحة كانوا ضباطاً أو قيادات عسكرية وسياسية، وكِلا الفريقين يتعاون مع النخبة العلمية في مراكز الدراسات والبحوث العسكرية، لتكون النتيجة هي زيادة أرباح هؤلاء الأفراد من أسهمهم في شركات السلاح، وتزداد هذه الأرباح كلما زادت الحروب، ومن هنا فالحروب ليست دفاعاً عن قيم مطلقة بل هي لجني أرباح يتم تغليفها بمنظومة قيمية دعائية.

3. مؤشر المساعدات الأمريكية للأنظمة الديكتاتورية:

تشير المعطيات الكمية المتوفرة حول مستوى الديموقراطية في العالم بين سنتَي 2012 و2022 إلى أن نحو نصف سكان العالم يعيشون تحت نظم "غير ديموقراطية"، كما يوضح جدول رقم 1،[27] بينما تراجع عدد السكان الذين يتمتعون بنظم ديموقراطية عالية من 11.3% سنة 2012 إلى 6.4% سنة 2022 من العالم. وتشير الاتجاهات العظمى Mega trends إلى أن الديموقراطية السياسية تتأرجح بشكل واضح خلال العقد الماضي مع ميل نسبي نحو التراجع.

جدول رقم 1: نسبة الديموقراطية في العالم بين سنة 2012 و2022 (167 دولة)

▫️ديموقراطية عالية:
عدد الدول في 2012: 25
عدد الدول في 2022: 21
النسبة % من دول العالم 2012: 15
النسبة % من دول العالم 2022: 12.6
النسبة % من عدد السكان 2012: 11.3
النسبة % من عدد السكان 2022: 6.4

▫️ديموقراطية نسبية:
عدد الدول في 2012: 53
عدد الدول في 2022: 53
النسبة % من دول العالم 2012: 31.7
النسبة % من دول العالم 2022: 31.7
النسبة % من عدد السكان 2012: 37.1
النسبة % من عدد السكان 2022: 39.3

▫️ديموقراطية هجينة:
عدد الدول في 2012: 36
عدد الدول في 2022: 34
النسبة % من دول العالم 2012: 22.2
النسبة % من دول العالم 2022: 20.4
النسبة % من عدد السكان 2012: 14
النسبة % من عدد السكان 2022: 17.2

▫️سلطوية:
عدد الدول في 2012: 53
عدد الدول في 2022: 59
النسبة % من دول العالم 2012: 31.1
النسبة % من دول العالم 2022: 35.3
النسبة % من عدد السكان 2012: 37.6
النسبة % من عدد السكان 2022: 37.1

وعند النظر في التوزيع الجغرافي للديموقراطية طبقاً للأقاليم حتى سنة 2022، كما يوضح جدول رقم 2، نجد أن المعدل العام للديموقراطية في العالم يتذبذب خلال الفترة من 2022-2006 مع ميل للتراجع قليلاً، وعند المقارنة بين الأقاليم السبعة في العالم، نجد أن المنطقة العربية هي أقل مناطق العالم ديموقراطية، إذ إن المعدل العام في العالم حتى سنة 2022 هو 5.46 من 10، بينما في العالم العربي 3.18 من 10، أي أن العالم العربي أقل بنسبة نحو 2.28 نقطة من 10 عن المعدل العالمي. وتمّ تصنيف 15 دولة عربية بأنها سلطوية تماماً من بين 20 دولة (أي بنسبة 75%)، مقابل 23 نظاماً سلطوياً من أصل 44 دولة في إفريقيا غير العربية (أي بنسبة 52.3%).[28]

جدول رقم 2: مستويات الديموقراطية في الأقاليم السياسية من 2006–2022[29]

▫️الترتيب: 1
الإقليم: أمريكا الشمالية
2006: 8.64
2008: 8.64
2010: 8.63
2022: 8.36

▫️الترتيب: 2
الإقليم: أوروبا الغربية
2006: 8.6
2008: 8.61
2010: 8.45
2022: 7.23

▫️الترتيب: 3
الإقليم: أمريكا اللاتينية والكاريبي
2006: 6.37
2008: 6.43
2010: 6.37
2022: 5.83

▫️الترتيب: 4
الإقليم: آسيا وأستراليا
2006: 5.44
2008: 5.58
2010: 5.53
2022: 5.46

▫️الترتيب: 5
الإقليم: أوروبا الشرقية والوسطى
2006: 5.76
2008: 5.67
2010: 5.55
2022: 5.36

▫️الترتيب: 6
الإقليم: جنوب الصحراء الإفريقية
2006: 4.24
2008: 4.28
2010: 4.23
2022: 4.12

▫️الترتيب: 7
الإقليم: الدول العربية
2006: 3.53
2008: 3.54
2010: 3.43
2022: 3.18

▫️الترتيب: 8
الإقليم: العالم
2006: 5.52
2008: 5.55
2010: 5.46
2022: 5.64

وتدل متابعة المساعدات الأمريكية للدول الأخرى أن لا علاقة بين طبيعة النظام (ديكتاتوري أو ديموقراطي) وبين المساعدات المختلفة، فالمؤشرات الكمية تشير إلى أن 73% من الأنظمة الديكتاتورية تتلقى مساعدات أمريكية، فطبقاً للتصنيفات الأمريكية يتبين أنه خلال سنة 2015 كان هناك 49 نظاماً سياسياً تمّ تصنيفها من قبل المؤسسات الأمريكية بأنها "سلطوية:، لكن 36 من هذه الانظمة تلقَّت مساعدات أمريكية متنوعة (عسكرية، وسياسية، واقتصادية).[30] وفي سنة 2019، تمّ تصنيف 50 نظاماً سياسياً بأنها أنظمة سلطوية، ومع ذلك تلقى 41 منها (أي 82%) مساعدات مختلفة أهمها المساعدات العسكرية. وتوضح دراسة أمريكية انه في سنة 2020 كان هناك 29 نظاماً سياسياً سلطوياً، يتلقى 20 منها الدعم التام من الولايات المتحدة، أما الدول التسع الأخرى، والمصنفة بأنها سلطوية، فلم تتلقَ مساعدات أمريكية نهائياً لأنها ضمن قائمة "الأعداء"[31](وهو الدليل القاطع على البراجماتية)، وهو ما يعزز أن البراجماتية هي معيار العلاقة مع الدول الأخرى لا معيار الديموقراطية والديكتاتورية، وهو ما دفع باحثاً أمريكياً للقول "إذا بدا أن دعم الولايات المتحدة للديكتاتوريين يتعارض مع خطاب الولايات المتحدة حول نشر الديموقراطية، فقد يكمن جزء من تفسير ذلك في استخدام "الديموقراطية" ككلمة رمزية جذابة لـ"جانبنا" بغض النظر عن أي صلة بالديمقراطية الفعلية أو التمثيل أو احترام حقوق الإنسان"،[32] وهو تكريس للمنظور البراجماتي كما أشرنا.

من جانب آخر، لم تُعطِ الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أهمية لطبيعة النظم، ديموقراطية أو ديكتاتورية، عند إنشاء تحالفات عسكرية أو منظمات إقليمية، فخلال تلك الحرب الباردة نفسها، استخدمت واشنطن المساعدات العسكرية والاقتصادية لإبقاء مجموعة كبيرة من الأنظمة الاستبدادية في السلطة، ويكفي التأمل في التحالفات الأمريكية في سنة 1947 عندما نظَّمت واشنطن حلف ريو Rio Pact، وهو تحالف دول كان معظمها سلطوياً حتى الثمانينيات من القرن العشرين، كما أسهمت واشنطن في إنشاء منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا (1977-1954)، ومنظمة معاهدة آسيا الوسطى (1973-1958) من دول استبدادية في الغالب، وكانت كلّ من كوريا الجنوبية وتايوان حليفتين للولايات المتحدة لعقود من الزمن قبل أن تتحول إلى الديموقراطية في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، وقضت كلّ من البرتغال واليونان وتركيا سنوات عديدة في ظلّ أنظمة استبدادية، بينما كانت أعضاء في الناتو North Atlantic Treaty Organization (NATO) مع الولايات المتحدة في الفترة نفسها.[33]

4. مؤشر الحصار الاقتصادي بين العنف العضوي والعنف البنيوي:[34]

تشير الإحصاءات المتوفرة عن فرض سياسات الحصار الاقتصادي من دولة أو مجموعة دول أو منظمة إقليمية أو دولية على دول أخرى، إلى أن العالم عرف خلال الفترة من 1950 وحتى بداية التسعينيات من القرن العشرين تزايداً ملحوظاً في توظيف هذه السياسة الاقتصادية، لكن هذا التوجّه بدأ يعرف تراجعاً في الفترة 2004-1992 ليعود للتصاعد خلال الفترة 2020-2005. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أنه خلال الفترة 2022-1950 تمّ فرض الحصار الاقتصادي بما مجموعه 1,325 مرة. ويبين جدول رقم 3 عدد المرات التي تمّ فرض هذه السياسة من قبل الدول "الديموقراطية" الأكثر لجوءاً لفرض هذه السياسة على غيرها من الدول خلال الفترة 2019-1950.

جدول رقم 3: عدد مرات فرض الحصار الاقتصادي على الآخرين خلال الفترة 1950–2019[35]

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: الولايات المتحدة
عدد المرات: 366

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: الاتحاد الأوروبي
عدد المرات: 123

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: الأمم المتحدة
عدد المرات: 81

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: النرويج
عدد المرات: 51

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: كندا
عدد المرات: 47

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: بريطانيا
عدد المرات: 44

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: أيسلندا
عدد المرات: 38

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: ليختنشتاين
عدد المرات: 38

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: اليابان
عدد المرات: 37

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: البانيا
عدد المرات: 36

▫️الدولة أو الهيئة الدولية: جهات مختلفة (دول متعددة من هيئات وأقاليم مختلفة)، مثل الجامعة العربية ضدّ "إسرائيل"، أو إفريقيا ضدّ نظام التمييز العنصري…إلخ.
عدد المرات: 464

وتدل البيانات المتوفرة أن المعدل السنوي للجهات (دول أو أفراد أو هيئات عامة أو خاصة) التي تفرض عليها الولايات المتحدة الحصار هو أكثر من ألف جهة، طبقاً لدراسات اليونيسيف UNICEF خلال الفترة 2020-2016،[36] لكن المشكلة في موضوع الحصار الاقتصادي أن نتائجه تشير إلى أن نسبة تحقيق أهدافه بتغيير الأنظمة السياسية أو السياسات التي تتبعها تلك الأنظمة كانت خلال الفترة 1990-1945 هي 35% من بين 115 حالة فرض حصار، ولو أخذنا الحالات التي تمّ فرض الحصار فيها من قبل الولايات المتحدة وحدها، سنجد أن نسبة النجاح وتحقيق الأهداف المرجوة من الحصار كانت 13% خلال الفترة 1990-1970.[37] وتشير دراسات مختلفة إلى أن نتائج الحصار الاقتصادي، العنف البنيوي، الذي تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول التي تنتهجه تتمثل في الآتي:[38]

أ. انخفاض معدل العمر بمعدل 0.5-0.4 كلّ سنة إضافية من سنوات الحصار في المجتمعات التي يفرض عليها الحصار.

ب. انخفاض أعمار النساء أعلى من انخفاض أعمار الرجال في الدول الواقعة تحت الحصار.

ج. تأثير الحصار على الأطفال يبدأ بتناقص في أوزان المواليد، وتزايد مستويات سوء التغذية، وبالتالي ارتفاع مستويات الوفاة.

د. تؤدي سياسات الحصار إلى تراجع في معدلات الدخل الفردي بين 3.5-2.3%.

هـ. ارتفاع مستويات الفقر بنسبة 3.8%، واتساع الهوة الطبقية في الدول الخاضعة للحصار.

و. تقود سياسات الحصار إلى مزيد من المشاكل البيئية.

ذلك يعني أن سياسات الحصار (العنف البنيوي)، التي تقودها الدول الديموقراطية وتقود لحالات الموت أو القتل، لا يتم إدراجها ضمن العنف مع أنها تتفوق أحياناً على نتائج العنف العضوي الذي يقتصر الأدب السياسي الديموقراطي على قياسه.

ويلاحظ أن الدعاية السياسية الأمريكية تتذرع في فرض الحصار بعدد من الأسباب، وعند رصد هذه الأسباب في تحليل مضمون الدعاية السياسية الأمريكية يتبين أنها تقع جميعها في إطار العنف البنيوي، حيث نجد أن الديموقراطية هي السبب الأول، وحقوق الإنسان في المرتبة الثانية، تليها التدخلات ثالثاً، ولإنهاء حروب داخلية رابعاً، وفي المرتبة الخامسة والسادسة تقع ظاهرة الإرهاب ومنع وقوع حرب، بينما تاتي في المرتبة السابعة والثامنة الحروب الإقليمية وهدف زعزعة استقرار نظام سياسي معين، وأخيراً يأتي تغيير النظام في نهاية هذه الأسباب.[39]

5. التدخلات العسكرية الأمريكية:

تشير البيانات المتوفرة إلى أن الولايات المتحدة تدخلت عسكرياً 251 مرة خلال الفترة 2020-1990، كما أنها تدخلت في الانتخابات (برلمانية أو رئاسية) بطريقة أو أخرى في بلدان مختلفة 81 مرة،[40] وكانت تتذرع في هذه التدخلات بحماية حقوق الإنسان أو الإرهاب أو الديموقراطية أو تهديد مصالحها أو أمنها القومي، وأحياناً تتطابق براجماتيتها مع أهدافها الحقيقية، لكنها كثيراً ما كانت غطاء لإضفاء الشرعية على سلوكها. ومن الضروري الإشارة إلى أن التدخل العسكري الأمريكي (وبمعدل يفوق 8 مرات سنوياً) يقود إلى تغيرات بنيوية في اقتصاد الدولة موضع التدخل (خصوصاً انخفاض معدل النمو الاقتصادي كما في إيران وفنزويلا وكوبا)، وتغيرات بنيوية اجتماعية خصوصاً إثارة الثقافات الفرعية (كما في العراق ولبنان)، أو في بنية النظام السياسي (كما في أفغانستان أو دول أمريكا الوسطى)،…إلخ، وكلها تقود إلى عنف بنيوي قد يتسبب في خسائر بشرية كبيرة للغاية وتفوق العنف العضوي.

ويأخذ التدخل الأمريكي شكلاً آخر لإحداث تغيرات دولية، وهو ما يتضح في التدخل الأمريكي لمنع المؤسسات الدولية من مواقف معينة تنتهي إلى تفجر نزاعات دولية، فعلى سبيل المثال نشير إلى أن درجة التطابق في التصويت الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الاتجاه العام للإرادة الدولية تمثّل درجة متدنية جداً من التطابق، كما أن عدد مرات استخدامها لحقّ الفيتو Veto في مجلس الأمن UN Security Council يشير إلى أنها تحتل المرتبة الثانية عالمياً في الوقوف ضدّ الارادة الدولية، ولعل القضية الفلسطينية مثال واضح على ذلك، فمنذ 1972 وحتى 2021، استخدمت الفيتو 53 مرة ضدّ قرارات تساند الحق الفلسطيني،[41] وهو ما يعزز استمرار الاحتقان البنيوي في الإقليم السياسي الشرق أوسطي، وبالتالي تكريس العنف البنيوي.

الخلاصة:

مما سبق، يتبين لنا أن هناك نوعين من العنف في الساحة الدولية، الأول هو العنف العضوي والثاني هو العنف البنيوي، ويلاحظ أن الأدبيات السياسية الأمريكية الرسمية تركّز بشكل شبه تام على العنف العضوي، وتربطه بنمط محدد من النظم السياسية خصوصاً الاستبدادية، لكنها تغفل العنف البنيوي الذي تُسهم فيه الولايات المتحدة وأغلب الديموقراطيات الغربية، ويؤدي لوفيات تفوق مجموع وفيات العنف العضوي المرتبط بالنظم الاستبدادية.

ولتغطية دورها في العنف البنيوي، توظِّف الديبلوماسية الأمريكية البراجماتية السياسية كقاعدة للسلوك الأمريكي، ولكن يتم تقديم هذه البراجماتية مغلَّفة بسلسلة من المفاهيم والقيم والقوانين ذات الإيحاء الأخلاقي لتبرير كلّ السياسات الأمريكية الاستراتيجية، مثل الحروب، والتدخل العسكري، والحصار الاقتصادي، والمساعدات للنظم الديكتاتورية…إلخ.

وعليه، لا نرى أن في السياسة الأمريكية ازدواجية في المعايير من حيث الجوهر، فالبراجماتية هي المعيار المركزي والوحيد للسياسة الأمريكية، والسلوك السياسي مقبول أو مرفوض طبقاً لدرجة المنفعة المترتبة عليه، ومن مصلحة الولايات المتحدة أن لا تنكشف هذه البراجماتية التي هي معيارها الوحيد، لذا تقوم بتقديم منظومة فكرية وقيمية لطلي هذه البراجماتية قيمياً لتمريرها إلى عقول المجتمعات الأخرى، فالدعاية التمويهية بالمنظور البراجماتي أمر مشروع طالما أنها تنطوي على منفعة، بل إن الإيمان بوجود الله في المنظور الفلسفي البراجماتي مرهون بمدى المنفعة فقط من هذا الوجود.[42]

إن على الدول العربية أن تدرك خطورة البراجماتية الأمريكية، فقد ساندت الولايات المتحدة نظماً سياسية وتخلت عنها بغض النظر عن طبيعة هذه النظم؛ ديموقراطية أو استبدادية. وتكشف دراسة تطبيقية عن نماذج مختلفة من الأنطمة السياسية التي اتَّسقت سياساتها مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية ولفترات طويلة، فإذا تغيرت أولويات السياسة الأمريكية فإنها تتخلى عن هذه الأنظمة وبيُسر شديد، كما جرى في فترات تاريخية مختلفة في فييتنام، وأفغانستان، وبنما، والتشيلي، وغواتيمالا، ونظام شاه إيران، والفلبين، ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا…إلخ، بل وعملت أحياناً على التدخل لمنع الانتخابات خشية وصول خصومها للسلطة في أي بلد من البلاد.