مكر التاريخ وانتقام الجغرافيا

أخبار البلد-

 

لا شك في أنّ مكر التاريخ كانتقام الجغرافيا، وغالباً ما تؤدي الجغرافيا إلى إعادة التاريخ، الذي يعيد نفسه مرات عديدة على شكل ملهاة أو مهزلة، كما قال كارل ماركس، من دون أن يقدر الإنسان، لسوء الحظ، أن يكبحه أو يوجهه الوجهة الصحيحة، لكي يتفادى، تبعاً لذلك أخطاءه وخطاياه، ويعود سبب ذلك، في واقع الأمر، إلى أنّه لم يحاول الاعتبار من دروسه، أو الاتعاظ من أحداثه.
تقف جغرافيا العرب في السنوات الأخيرة أمام تحدٍّ آخر مع التاريخ، لأنها فضلا عن أنها منطقة استراتيجية، تمثل مركز العالم، فهي منطقة زاخرة بالثروات الباطنية والبشرية، التي لا غنى للقوى العالمية عنها، إلا أنّها، للأسف الشديد، بيئة استبدادية، تعاني الاستبداد منذ أن تحررت من الاستعمار، لذلك بقيت هذه المنطقة محل أطماع القوى الأجنبية، تنهب ثرواتها، وتستنزف قدراتها وخيراتها.

لذلك لم تنتظر أمريكا طويلا، بعدما اعتلت كرسي سيادة العالم، لمّا انهارت الشيوعية، وتفتت الاتحاد السوفييتي، فبدأت رحلة الغزو من جديد، فأعلنت الحرب على العراق (1991)، ثمّ على الصومال (1996(.
بعد أحداث 11/ 9، دشنت أمريكا حرباً جديدة ضد عدو وهمي هو «الإرهاب»، أطلق عليه في أفغانستان تنظيم «القاعدة» بقيادة أسامة بن لادن، وفي العراق تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» بزعامة أبي مصعب الزرقاوي. كان التدخل في أفغانستان والعراق للقضاء على الإرهاب الذي يهدد العالم، ومن ثمَّ نشر فضائل الديمقراطية والحرية، في الحقيقة لم تكن أمريكا تسعى إلى نقل الديمقراطية، حتى ولو كانت على ظهر الدبابة إلى أفغانستان والعراق، على العكس من ذلك، كان هدفها الأساس هو السيطرة على منابع الثروة، بالأخص، النفط. وإذا كانت أمريكا قد استعملت في هذه المرحلة القوة الصلبة (التدخلات العسكرية) لتحتل العديد من المناطق، فإنها في المرحلة الثانية، استعملت القوة النّاعمة، على حد وصف جوزيف ناي، لتزيد في بسط سيطرتها، بحيث رفعت يدها عن العديد من رؤساء الدول، التي كانت تحميهم وتدعمهم، فقامت بتسريب وثائق سرية، عُرفت بـ«تسريبات ويكيليكس»، بحيث نزعت غطاء الشرعية عن هذه الأنظمة، وأعطت الشعوب الحق في رفضها والثورة ضدها. أدى كل ذلك إلى انطلاق الربيع العربي في تونس، ثم سرعان ما وصل إلى مصر، ليبيا، سوريا، ثم اليمن، إذ بدأ الرؤساء يتساقطون الواحد تلو الآخر، معلناً بدء شروق شمس الحرية على العرب مرة أخرى. بغض النظر عن حكمك على الربيع العربي، أهو ربيع عربي أم عبري؟ ثورة حقيقية أم مؤامرة؟ إلا أنّك، مهما جادلت فلن تستطيع أن تنفي بأنّه تعبير عن أحلام الشعوب وأشواقها الحقيقية، التي لطالما حلمت بنسائم الحرية والديمقراطية في هذه المنطقة المكلومة بنوائب التاريخ. كما أنك، وهذا هو الأهم، لا تستطيع أن تنكر بأن الغرب استشعر الخوف من التغيير، الذي حصل في فترة وجيزة في المنطقة، بعدما أخذت الشعوب زمام المبادرة، بالأخص في تونس، ومصر، ولأجل توقيف هذا المد التحرري، أكملت أمريكا وعملاؤها عرض فصل جديد من مسرحية «القاعدة»، تحت مسمى آخر تنظيم (الدولة الإسلامية) «داعش»، و«النصرة»، وتزيّن الإعلام الغربي بأسماء جديدة، كالبغدادي والجولاني. لم يكن الإرهاب والقاعدة وداعش وبن لادن والظواهري والزرقاوي والبغدادي، سوى عناوين صغيرة لحرب الغرب الكبرى على المنطقة، من أجل أن تبقى ضعيفة، ذليلة، مستنزفة، وتابعة له، لأنه يدرك أن المنطقة كنز ثمين، وقوة نائمة، تمتلك من أدوات القوة المادية والمعنوية (الإسلام) ما يجعلها في مصاف الأمم الأولى في العالم، إن هي أحسنت استغلالها واستثمارها، ولا أدل على ذلك من تاريخها الحافل بالفتوحات العلمية والانتصارات العسكرية. بعد حروب الغرب على الإرهاب، التي لم نجن منها سوى الفوضى ودمار الدول وتفككها، وتشرّد الشعوب وضياعهم في الشرق والغرب، نشهد اليوم صراعاً كبيراً بين القوى العظمى على ما تبقى من دول المنطقة، لأجل نهب ثرواتها، واستنزاف خيراتها وثرواتها، فضلا عن ذلك توظيفها في الصراع العالمي القائم، لاسيما وأن العالم يشهد شغور كرسي القيادة العالمية، ما يجعل التنافس على أشده بين أمريكا الراغبة في أن تبقى هي الزعيم الأوحد، ورغبات قوى جديدة تسعى إلى تقاسم القيادة معها. كان يجب، في الختام، على من يملك زمام الأمور في بلداننا أن يسعى إلى تفويت مكر التاريخ، وأن يعمل على تفادي انتقام الجغرافيا مرة أخرى، بسد الثغرات التي يتسرب منها العدو، لأنه إذا التقى مكر التاريخ وانتقام الجغرافيا، كانت النتيجة في الأخير، ليس نهب ثرواتنا وخيراتنا فحسب، بل خسارة أوطاننا وأمننا وحريتنا، وهذا هو الحاصل اليوم، ويبدو أن المقبل أسوأ، بالنظر إلى حالة التشرذم والضياع التي يعيشها العرب.