ماذا ننتعل؟

أخبار البلد-

 
على الشارة الضوئية، لحظة هطول زخات من المطر عصر يوم أمس،  برز يبيع ألعاب أطفال ويستجدي راكبي السيارات، منتعلاً "شمسية" ! ومرتدياً ملابس خفيفة، لا تكاد تقي من مطر وبرد.

 اقترب من أحدى السيارات التي أصر راكبها على إبقاء الزجاج مغلقاً، مثل قلبه المغلق!. مد له عصفورا بلاستيكياً يرفرف، قائلاً: اشتري وفرّح أولادك.

لكن الرجل، وقد صارت الشارة خضراء، ضغط على دواسة البنزين بقوة، ففرك العجل وطش ما في الشارع من ماء على بنطال البائع "المتسول"، فزاد ملابسه بلللاً.

 بقي البائع متسمراً، فاغراً  فاه، لا ينبس ببنت شفة، كأنه الكلمات غصت في حلقه، وغدت جمراً يلتهب.

**

قلت كان "ينتعل" شمسيته، لانه دأب يحركها كمن يرتدي حذاء غير لائق به، ومع ذلك يخشى عليه من البلل ، فيتقافز به ببركة ماء الشارع، محاولا ان يتفادى المطر المتساقط كرشاش من الرذاذ.

والحق أن الكثيرين منا ينتعلون شمسياتهم ، ولا يرتدوها، أو قبعاتهم ، جنباً إلى جنب مع رواتب أيلة للتبخر مطلع كل شهر، واقساط قروض، وقائمة الفواتير، ومستلزمات البيت، و"سلب" يطول من الهموم، فالناس، وخصوصاً الفقراء منهم، في ظل هذه الظروف الصعبة، باتوا يسيرون على رؤوسهم!.

لكني غبطت البائع المتجول او المتسول إذا شئتم، فلقد  استطاع، رغم ما هو فيه،  ان يفكر بالفرح حين قال لسائق السيارة "اشتري وفرّح أولادك".

حقاً.. كيف يستطيع من كان مثله، إضطرته الظروف للوقوف على شارة ضوئية بلهاء، تحت المطر، مبتل الثياب والحذاء، يتراقص حاملا شمسيته، كأنه جين كيلي في فيلم " الغناء تحت المطر"، بيد أن بطل الفيلم الأمريكي الذي انتج عام 1952 يرقص فرحاً، أما صاحبنا فيرقص ألماً وبؤساً.. كيف استطاع أن يفكر في الفرح، ولو بعبارة "سوقية" يهدف من ورائها إلى بيع ما في جعبته من العاب؟.

الفرح الحقيقي بالنسبة له، حين يقيم أوده ويشتري طعاماً لفلذات كبده وقنينة كاز ليدفيء أوصالهم المرتجفة، ، في هذا الجو مفرط البرد، ولا يبدو عليه، ولو بقي من العصر إلى منتصف الليل، أنه سينجح في بيع ولو قطعة واحدة.