الاقتصاد الأردني.. الانقلاب في البنية والمفاهيم

أخبار البلد-

 

التصميم المستقر للاقتصاد الأردني يقوم على مدخل من أعلى إلى أسفل حيث تستقر الحكومة بوصفها المنتج والمستهلك الأكبر في البلد، وعلاوة على ذلك، صاحب العمل الأكثر حضوراً، ومن أجل وجود آليات لتوزيع الثروة والدخل فإن ذلك يتطلب بنى بيروقراطية توجه الموارد وتخصصها، ويعني ذلك حكومة متضخمة تتصدى لجميع الأدوار وفي جميع الأوقات.

هذه مسألة جيدة في حالة كان الأردن يمتلك الثروات الطبيعية الكبيرة مثل النفط أو الغاز، ولكن الحالة في الأردن مختلفة، ولذلك يتطلب الأمر مدخلاً من أسفل إلى أعلى، أي من التاجر الصغير والمزارع الصغير وصاحب الورشة الذين يعرفون طبيعة أسواقهم واحتياجاتها، والطرق الأمثل لاستغلال الموارد المحدودة، ويعملون بطريقة فاعلة من أجل تحقيق أهدافهم، ومن أهمها الاستدامة والاستمرارية والنمو.

الدولة والبنية البيروقراطية التي صممت في مرحلة الخمسينيات والستينيات لا تستطيع أن تشكل الرافعة لهذه الفئات، ففي رحلة صعودها ستتواجه مع آليات التوزيع التي حددتها الدولة من قبل، ونحن هنا لا نحكم على آلية التوزيع نفسها، ففيها الكثير من المزايا والأخطاء التي تستحق تقييماً محله التاريخ وليس المستقبل، ولذلك يعاني أصحاب المشاريع الصغيرة من التعقيد في الإجراءات وتعدد المرجعيات، والتكلفة الباهظة أيضاً للتواجد في السوق، فالسوق مصمم في الأساس لمصلحة الحكومة.

كانت الحكومة الأردنية تحظى بدعم إقليمي واسع، ليس استجداءً أو منةً من أحد، ولكنه أتى في ظل موقعها وتضحياتها بوصفها دولة المواجهة الأكثر تأثراً بالصراع العربي – الإسرائيلي، وعملت الدولة على توزيع الدعم من خلال الوظائف ومشروعات البنية التحتية، فلم يكن معقولاً أن تكون دولة المواجهة الأكثر تأثراً وراء الجانب الإسرائيلي بكثير، وفي مرحلة الستينيات والسبعينيات كانت المنجزات الأردنية على مستوى البنية التحتية، ومظاهر الدولة مثل المؤسسات والإعلام تتقدم على نظيراتها في دول الخليج العربي وتنافس المراكز التقليدية في مصر?وسوريا، بمعنى أن الدور السياسي والاستراتيجي كان يمثل مصدراً للثروة في الأردن.

تشكلت العقلية الكسولة للحكومة الأردنية في تلك المرحلة، موارد مالية وتوزيع ودورة اقتصادية وضريبية تعتمد على التغذية المستمرة من الخارج، وبعد أن كان الأردني عنصراً فاعلاً في العملية الاقتصادية في جميع مستوياتها، أصبح الأردن يستورد العمالة للمستويات التحتية في العملية الاقتصادية، والشركات الدولية للخصخصة والمستويات الفوقية.

عليك أن تتجول في وسط البلد وتنظر يميناً إلى حي المهاجرين، وإلى السيل الذي تمت معالجته ليصبح شارعاً حيوياً، ولكيفية تذليل الأردنيين لسفوح الجبال في مناطق الهاشمي ووادي الحدادة لتستقبل البيوت والأدراج، ووقتها ستدرك أن الأردنيين جماعة فاعلة استطاعت أن تقدم حلولاً من خلال تنظيمها الذاتي وضمن احترامها للقانون.

المبادرة واللا مركزية كانت سمات سائدة لدى الأردنيين، ومع ذلك فالطبيعة الإنسانية تميل إلى الاسترخاء في حال وجدت من يمكنه أن يعفيها من هذه الأعباء، وأمام واقع يحمل رسالة ضمنية بإمكانية الإنجاب بكثرة والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية لجميع الأطفال، ومن ثم فالوظائف موجودة وأنماط الحياة المدينية متاحة، وليس عليك أن تتابع أكياس الطحين أو أن تقوم بصيانة فرن الطابون لأنك ستجد الخبز غير بعيد عنك بسعر مدعوم من الدولة، وهذه أدوار مهمة للدولة، ولكن ليست بالطريقة السائدة في تكوين الاقتصاد الأردني في المرحلة الانتقا?ية.

أنجزنا خلال الفترة الماضية مشروعاً للباص السريع، ولم نتحصل على نسبة تبين عدد العاملين الأردنيين في إنجازه، أي المؤونة اللازمة من السكان الذين يستطيعون تولي هذه الأعمال وإنجازها، وبذلك نحن لا نعلم شيئاً سوى عن الاقتصاد التقليدي في هيكله المكرس والذي يبدو تفكيكه صعباً.

يتساءل الأردنيون عند وجود تعيينات غير مبررة لأشخاص لا يمتلكون المؤهلات اللازمة، إذا كان الأمر على هذه الشاكلة، لماذا ليس أنا؟ وفي الوقت نفسه، يتنامى سؤال عندما نتحدث عن العمل المهني وعن الخروج من الأشكال الاجتماعية الراهنة، فإن السؤال المقابل، والخطير أيضاً، لماذا أنا؟

هنا تأتي وظيفة الحكومة، التغيير المأمول، ترك مسألة التوزيع مفتوحة على الجهد والعمل والمبادرة، الابتعاد عن التنظيم الواسع الذي يتزاحم مع الدور القائم في توزيع الثروة والدخل، فالحكومة عليها أن تحدد هويتها الاقتصادية، وتبدو في هذه المرحلة غير قادرة على استكمال دورها بوصفها المحرك الأساسي للاقتصاد، ولذلك فالأدوار التنظيمية المنفتحة والمرنة يمكن أن تسهم في تعزيز المشاركة الاقتصادية وتندفع بالاقتصاد الذي يتغذى على انتاجية حقيقية بمدخل ينبني من الأسفل إلى الأعلى، ويمكن من المنافسة والابتكار.

يستلزم انجاح مدخل اقتصادي قائم على المبادرة واللا مركزية إصلاحاً سياسياً تمثيلياً يناسب رحلة التصعيد الاقتصادي، وكل ذلك، يستلزم أن يتم تعديل منسوب النظر الذي ينتج القرارات بصورة جذرية وكاملة وواسعة.