التحقيق الأمريكي بمقتل أبو عاقلة تقاسم للأدوار بين المجرم والراعي لجريمته

أخبار البلد ــ الراحلة شيرين نصري أنطون أبو عاقلة صحفية فلسطينية مخضرمة عملت مراسلة لقناة الجزير طيلة 25عاما وصفت بعد وفاتها بأنها من أبرز الشخصيات في وسائل الإعلام العربية تضمنت حياتها المهنية تغطية الأحداث الفلسطينية الكبرى بما في ذلك الانتفاضة الثانية قتلت في 11 / 5 / 2022 إثر إصابتها برصاصة في الرأس أطلقت من قبل جندي إسرائيلي أثناء تغطيتها عملية اقتحام العصابات الصهيونية لأطراف مخيم جنين شمالي الضفة الغربية حيث كانت ترتدي درعاً واقيا من الرصاص وتعتمر خوذة وسترة واقية مكتوباً عليها كلمة صحافة ولم يكن أي مقاتل فلسطيني على مسافة قريبة منها فيما كان الجنود الإسرائيليون على مسافة نحو 180 متر فقط

منذ أكثر من 6 أشهر على اعدامها دعت أسرتها الإدارة الامريكية إلى إجراء تحقيق جنائي شامل ومستقل وذي مصداقية يؤدي إلى المساءلة وهو الحد الأدنى الذي يجب على الحكومة الأمريكية القيام عندما يقتل احد مواطنيها في الخارج على يد جيش أجنبي فضلا عن أن الجريمة وقعت في عهد إدارة أمريكية تدعي الحرص على اتباعها نهج متوازن في مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الا انها رفضت في حينه فتح تحقيق خاص وبدلاً من ذلك اعتمدت واشنطن على التحقيقات التي اجرتها السلطات الإسرائيلية والفلسطينية حيث اظهر الموقف الأمريكي تواطؤه واضح مع الاحتلال

الولايات المتحدة التي اعتادت التغاضي عن جرائم إسرائيل وأحياناً الدفاع عنها كما شككت علنا بإمكانية استهداف أبو عاقلة بشكل متعمد ثم ادعت بعد ذلك بان نتائج الفحص الفني لديها اثبتت وجود أضرار بالغة في المقذوف الناري الذي تسلمته من السلطات الفلسطينية وهو ما حال بحسب ادعائها دون التوصل إلى نتيجة واضحة لمطابقته مع السلاح المستخدم لمعرفة مصدر الرصاصة التي قتلت أبو عاقلة

مع ان كل ما ورد في التقرير الأمريكي يناقض تماما ما توصل إليه التقرير الفني الفلسطيني حول طبيعة الرصاصة القاتلة وهو ما يؤكد انها المحاولة الأمريكية المكشوفة للتلاعب بنتائج التحقيق وابعاد المسئولية عن الاحتلال باستهداف أبو عاقلة مباشرة من أحد أفراد قواته التي كانت متمركزة في المكان وقت وقوع الجريمة وانه لم تكن هناك في تلك اللحظة أي مظاهر أو مواجهات مسلحة بين عناصر الجيش الإسرائيلي والمقاومين الفلسطينيين وقد اطلع الجانب الأمريكي على مجمل تحقيقات النيابة العامة الفلسطينية التي أكدت مسألة التعمد في القتل من الغريب هنا ان ( مجرمي الحرب الإسرائيليين يحققون في جرائمهم بأنفسهم فهل شاهدتم يوماً مجرماً يسوق نفسه إلى الإدانة طبعا لا )

في 14 تشرين الثاني الجاري وفي خطوة مفاجئة وغير معتادة أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي FBI فتح تحقيق خاص به لمعرفة ملابسات مقتل الصحفية أبو عاقلة التي كانت تحمل الجنسية الأمريكية وقد اعتبر ذلك تحول كبير في الموقف الامريكي أفرز تساؤلات كثيرة حول الاسباب والتوقيت لهذا التحقيق سيما وأنّ الإدارة الأمريكيّة وعلى رأسها الرئيس الأمريكي جو بايدن سعت قبل ذلك بكل قوة لمحاربة أي مساع تجاه كشف الجريمة الإسرائيليّة وعمدت إلى دفن العديد من التقارير حول مقتل أبو عاقلة

كما اتهمت مراراً بأنّها بالعمل على محاولة انقاذ إسرائيل من مسؤوليها عن الجريمة وهل القرار الامريكي مجرد إجراءات شكلية أم خطوة ستنتج عنها تداعيات لاحقة سواء بالنسبة للمسؤولين عن الجريمة أو على مستوى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لان الإصرار على التحقيق يعني ببساطة أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي قد يطلب استجواب الجنود المتورطين في حادثة جنين وربما المطالبة بمحاكمتهم

هنالك جملة من الأسباب الظاهرة وبعضها الخفية وراء قرار فتح التحقيق الأمريكي في مقتل شيرين أبو عاقلة منها الحملة القوية والمتواصلة التي قادتها عائلة أبو عاقلة في الأشهر الأخيرة لمساءلة قتلة ابنتهم حيث اجتمعت مع وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن وبابا الفاتيكان فرانسيس بعدما اتهمت الأسرة اكثر من مرة إدارة بايدن بعدم الاكتراث او الاهتمام بمواطنيها والتماهي مع رواية الاجرام الإسرائيلي ومحاولة طمس أي مخالفات ترتكب من قبل قوات الاحتلال

كما تلقت اسرة أبو عاقلة دعم من قبل عشرات من أعضاء الكونغرس الأمريكي حيث بعث ( 57 ) عضوًا مذكرة إلى رئيس مكتب التحقيقات الفدرالية كريستوفر وراي ووزير الخارجية أنتوني بلينكن طالبوا فيها التحقيق بوفاة الصحفية الفلسطينية أبو عاقلة باعتبارها مواطنة أميركية لها الحق في الحماية الكاملة التي يتم توفيرها للأميركيين الذين يعيشون في الخارج يضاف الى ذلك أن نتائج التحقيق الإسرائيلي المتحيز أغضبت الكثير من الساسة والمواطنين الأمريكيين كما لقي الاغتيال تنديدا فلسطينيا وعربيا ودوليا واسعا حيث أجمع العالم على شناعة الجريمة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق أبو عاقلة بدون أي ذنب

في ذات السياق ومن خلال قراءة دقيقة للقرار الامريكي نجد ان هناك عامل خفي إضافي لا يقل أهمية عما سلف ذكره وهو مرتبط بفوز اليمين الإسرائيلي المتطرف في الانتخابات الأخيرة واحتمال مشاركة بعض اعضائه في الحكومة المنتظرة بقيادة بنيامين نتنياهو وقد يكون الهدف منه توجيه رسالة لهذه الحكومة بأن عليها التخفيف من غلواء تطرفها وأن عهد الحصانة المطلقة التي تتمتع بها إسرائيل قد ولى ولو جزئياً أو على الأقل يبدو ان إدارة بايدن تحاول الإيحاء بذلك حتى لو لم تطبقه عمليا أي ان كل ما في الامر اشبه بحركة التفافية وورقة ضغط أو لعبة كسر عظم بين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين وان معظم التصريحات الرسمية ذات السقف المرتفع لا تعدو كونها كلام إنشائي لإرضاء الجمهور الأمريكي

هنالك عدة جهات مستقلة ومحايدة ومؤسسات صحفية رائدة اجرت سلسلة من التحقيقات حول الحادثة مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة بتسيلم الإسرائيلية المعادية للصهيونية والعديد من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية والدولية وجهات رسمية فلسطينية اخرى بالإضافة الى قناة CNN ووكالة أسوشيتد برس وصحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز وجميعها خلصت بالأدلة والبراهين القاطعة إلى أن أبو عاقلة قُتلت برصاص جندي إسرائيلي فيما توصل تحقيق لاحق لقناة الجزيرة إلى النتيجة ذاتها

استهداف أبو عاقلة المتعمد لا يمكن انكاره او التغطية عليه او التنصل منه بتحقيقات متضاربة ومخادعة ومفبركة إسرائيلية او امريكية وهو في حقيقته انتقام مبيت لدورها في تغطية الأحداث الكبرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة لسنوات طويلة وفضحها لاعتداءات قوات الاحتلال وجرائمهم بحق الفلسطينيين العزل إضافة الى ان الحادثة بتفاصيلها موثقة وبشكل واضح في تسجيلات الفيديو وافادات شهود العيان ومسار ومسافة وارتفاعات إطلاق النار والتحليلات الصوتية المستقلة لأصوات الاعيرة النارية وكذلك من خلال استهداف كل من حاول الاقتراب من أبو عاقلة او إسعافها وبناء على كل ذلك فإن إسرائيل بلا ادنى شك هي المسؤولة عن قصد وعمد عن اغتيالها ولابد من ملاحقتها أمام المحكمة الجنائية الدولية وعليها تحمل النتائج بكل تبعاتها

لا يفوتنا في هذا الصدد التذكير بمهاجمة أفراد شرطة الاحتلال لموكب تشييعها حتى كاد نعشها ان يسقط أرضًا من أيدي المشيعين بعد تعرضهم للضرب المبرح بالهراوات ومنعهم من رفع الأعلام الفلسطينية واعتقال بعضهم بعد اطلاقهم شعارات وطنية سلمية وهو ما أثار تنديدً عالمي كبير ورغم كل ذلك لم تتحرك امريكا ولو بكلمة واحدة

بعض المسؤولين الإسرائيليين صرحوا على الملأ بأن فتح تحقيق أمريكي في مقتل شيرين أبو عاقلة هو مجرد إجراء رمزي وأنه من غير المرجح أن يمضي قدما دون موافقة من وزارة الخارجية الأمريكية والحكومة الإسرائيلية وهو ما لا يمكن حصوله

المطلوب من الإدارة الأمريكية بعد هذه الخطوة غير المسبوقة ان لا تكون مرة أخرى شريك أساسي في الجريمة الشنيعة وان تحافظ على مصداقيتها بأجراء تحقيق مستقل وموثوق وشامل يبحث في ملابسات مقتل أبو عاقلة ويتتبع الأدلة أينما كانت صعودًا وهبوطًا في التسلسل القيادي ويؤدي إلى العدالة بمحاسبة المتورطين وبالنتيجة يحمل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن الجريمة لأن جميع الوقائع الفلسطينية والدولية تؤكد عمليا أن جندي إسرائيلي هو من أطلق رصاصة الإعدام الميداني على الصحفية الراحلة

تل ابيب بدورها حاولت إقناع الأمريكيين بعدم فتح التحقيق لكنها فشلت وعلى اثر ذلك أبلغت واشنطن عن طريق وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس بصفاقة وغطرسة رفضها التعاون مع أي تحقيق خارجي وأنها تقف خلف جنودها ولن تسمح بالتدخل في شؤون إسرائيل الداخلية وان قرار التحقيق الأمريكي يعتبر خطأ جسيم وفادح سيؤدي إلى تعقيد العلاقات وزعزعة التحالف القوي بين تل أبيب وواشنطن وان هذا الانزعاج الكبير يعزز الاعتقاد بالتستر الإسرائيلي على مقتل أبو عاقلة

التحقيق الأمريكي يعتقد الكثيرون انه مجرد ضحك على الذقون مع سبق الإصرار وهو قبل مباشرته وإعلان نتائجه مشكوك فيه كليا والغايات والاهداف الأمريكيّة لا يمكن أن تكون نزيهة أبداً في هذا الإطار وكافة المساعي الأمريكيّة كانت وما زالت تدور حول التستر على الجريمة الإسرائيليّة الشنيعة التي هزت العالم وانه من الخطأ الفادح السماح لواشنطن المشاركة في التحقيق نتيجة لتبعية كيان الاحتلال وارتباطه العضوي بها وهنالك تخوف من ان تعمد واشنطن وبشكل نهائي الى تبرئة الجناة من دم أبو عاقلة ضمن مسلسل تقاسم الادوار بين المجرم والراعي لجريمته

في الواقع العملي الموثق لطالما جربنا خبث ودهاء السياسة الأمريكيّة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدين الإسرائيليين الذين يحصلون على كل الدعم العسكري والمالي والاعلامي منها في الوقت الذي يواصل فيه المجرمون الصهاينة قتل وطرد الفلسطينيين وقضم أراضيهم فأي عاقل يقتنع بتحقيق أمريكي بعد أشهر طويلة على الجريمة وإنّ فتح التحقيق الأمريكيّ في هذا التوقيت المتأخر بالذات ينم عن بروز مصالح أو ضغوطات آنية على أكثر من صعيد أولها المنظمات الدولية وربما الهدف للضغط على إسرائيل في بعض الملفات الحيوية وهي خطوة متأخرة لكنها مع ذلك ضرورية ومهمة في اطار السعي لتحقيق العدالة وتفعيل المساءلة اذا ما صحت المقاصد والنوايا

الإدارة الامريكية على يقين مطلق بحقيقة إرهاب الاحتلال الإسرائيليّ الغاشم ووحشيته وما يتسبب به من إهانة للكرامة الوطنية للشعب الفلسطينيّ ومدى استهتاره بالإنسانيّة والرأي العام العالمي والقيم والأعراف الدولية كما تعلم واشنطن جيدا أن إسرائيل هي القاتل الأوحد لأبو عاقلة وبما يجعل أسباب فتح هذا التحقيق تبدو غامضة قليلاً والدليل أنه منذ ارتكاب الجريمة الشنيعة بحق شيرين حاولت تل أبيب والإدارة الأمريكية دفن هذا الأمر مرات عديدة

استنادا الى ذلك يمكننا القول انه يقع في الخطأ كل من يعتقد ولو لحظة واحدة أن أمريكا يمكن أن تكون سبب في الحاق أي ضرر بكيان الاحتلال ويجب ان نتذكر جيدا أن التاريخ الدمويّ للاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني كُتب بدم الأبرياء وبمساعدة عسكرية لا متناهية من أميركا ناهيك عما توفره من غطاء سياسي لإسرائيل في المحافل والمؤسسات الدولية وتمنع اي لجنة تحقيق من فضح جرائمها بتعطيل القرارات الدولية التي تدينها ( تحقيق ايه اللى انت جاي تقول عليه مع الاعتذار لكوكب الشرق الراحلة ام كلثوم )

غالباً ما تمر حوادث استشهاد فلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلا اي تعليق من الإدارة الأمريكية غير أنه وفي حالة نادرة بعد وفاة المسن الفلسطيني الأمريكي الجنسية عمر عبد المجيد أسعد 78 عام في مسقط رأسه في قرية جلجليا بالضفة الغربية في 12 كانون الثاني الماضي بعد وقت قصير من احتجاز الجيش الإسرائيلي له بداعي رفض إبراز بطاقته الشخصية عند حاجز عسكري

في بداية الأمر نفى جيش الاحتلال أي علاقة له بوفاة عمر اسعد ولكن بعد إلحاح أمريكي متواصل بالتحقيق صدر تصريح إسرائيلي جاء فيه إنّ الاستشهاد كان سببه فشل أخلاقي للقوة العسكرية وقد اثبت تقرير الطب القضائي ان موته نتج عن التوقّف المفاجئ في عضلة القلب بسبب التوتر النفسي والعنف الخارجي الذي تَعرض له من قبل الجنود وهو ما اضطر وزارة الدفاع الإسرائيلية الى دفع تعويضات لأسرته وعزل ضابطين من وظيفتهما

السؤال المطروح بعد قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي هل يمكن أن تعاقب الولايات المتحدة إسرائيل وتعريض جنودها للمساءلة القانونية عن أي تورط في القتل في واقع يؤشر الى احتمال تصاعد التوترات بين إدارة بايدن والحكومة القادمة لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو وبما يعرض للخطر العلاقات بين البلدين وفي مقدمتها المساعدات العسكرية السنوية الضخمة التي تقدمها واشنطن لتل أبيب

حتاما : نقول ان التحقيق الامريكي لن يتجاوز الخطوط الحمراء وسيبقى في اطاره الإعلامي والتعبوي وضمن الملامسات الشعبوية الناعمة التي تحافظ على مكانة وسمعة وامن اسرائيل وتخدم مصلحة الإدارة الامريكية الحالية بعد تراجع شعبيتها وتردي واقعها امام ضربات وتحديات الجمهوريين بزعامة الخصم العنيد دونالد ترمب

mahdimubarak@gmail.com