الفتى صالح لـ أخبار البلد : سأصبح محامي "الزرقاء" وهذه حكايتي مع التوجيهي

اخبار البلد - مهند الجوابرة 
 

يعجز اللسان وتقف الحروف في حيرة من أمرها عن وصف الإنجاز والإعجاز الذي قام به الطالب صالح حمدان المعروف إعلامياً بـ "فتى الزرقاء" والذي اجتاز مؤخراً امتحان الثانوية العامة بمعدل بلغ 85،3 ليحطم أسطورة الظروف الصعبة وليكسر الشماعة التي يعلق عليها الكثير من العاجزين أسباب عجزهم وضعفهم ، وليسطر أروع الأمثلة في تخطي الصعاب وبلوغ القمم بشحذ الهمم وتحويل المحن إلى منح والنظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس وعدم النظر إلى المحبطات والمعرقلات إلا أنها دوافع للوصول إلى الغايات والأحلام والأهداف .

"فتى الزرقاء" وبعد ما حصل معه من اعتداء جبان وجريمة نكراء أسفرت عن فقدانه ذراعيه وإحدى عينيه ، أبى إلا أن يكمل مسيرة التعليم ودرب النجاح والكفاح ، لم يرفع المنديل ولم يبكِ على الأطلال ، بل توجه لحمل سلاح المعرفة والعلم ليتسلح بهما أملاً في تحقيق ما يصبو له بعد حادثة الإعتداء عليه ، والمساهمة في منع تكرار تلك الجرائم الدخيلة على مجتمعنا والتي يندى لها الجبين ويصعب تفسيرها وفهم عقلية مرتكبيها وتوجب التصدي لها مهما كلف الأمر .

أخبار البلد التقت بصالح حمدان بعد نجاحه الباهر في امتحانات الثانوية والذي أكد أنه لم يعد فتى الزرقاء بعد الآن ، حيث يطمح لأن يكمل مسيرة التعليم في مجال الحقوق ليصبح فيما بعد معروفاً "محامي الزرقاء" لا بل محامي البلد والوطن كله ... هذا الفتى الصالح لا يعرف ثلاث كلمات وهي : المستحيل ، عدم الإستطاعة ، واليأس ... ولذلك جمع أحجاره في طريقه وبنى سلماً للمجد فأصبحت له يدين تلامس أطراف النجاح وتقطف ثمرة طالما انتظرها بعينه المفقوءة شاهد حلمه بوضوح تام فبنى رؤيا صفقت لها يداه وأوقفته على طريق المجد بعد أن وجد عكازتان أسندتاه في مدارس النظم الحديثة فانطلق كالسهم في ماراثون الحياة وماراثون العمل تاركاً مأساته وحزنه ووجعه وبقايا يديه وما خلعه هؤلاء الإرهابيون خلفه لأنه مصمم على أن يكون فتى جديد بحلم جديد وإرادة وتصميم قل نظيرهما .

 فتعالوا معنا نقرأ معجزة هذا الفتى في هذا العام لعلها تكون مصباح هداية ونبراس معرفة لكل أولئك الذين يضعون أيديهم على خدودهم ويلعنون الحظ والظروف .

رغم كل ما جرى لك في الآونة الأخيرة من ظروف قاهرة ، كيف تمكنت من اجتياز امتحانات الثانوية ؟

لم أضع في مخزون أهدافي يوماً أن أكمل تعليمي والسبب يعود لكوني كنت عاملاً في محل ونيتي كانت في التوسع والابحار في عالم التجارة ، لكن ما حصل معي وعلي من اعتداء فتح لي آفاق لم أكن أتوقعها حين تذوقت طعم الظلم ولم أستسغه ، حينها قررت بأنني سأكمل تعليمي الثانوي والجامعي في تخصص الحقوق للحصول على فرصة للدفاع عن المظلومين أمثالي في كل أرجاء المملكة ، وسأسعى بكل جهدي لأن أكون قاضياً في يوم من الأيام لأضمن إنصاف المظلومين ونصرتهم والدفاع والذود عن حقوقهم أمام كل أشكال الإجرام للحفاظ على مجتمعنا الأردني وضمان أن يكون خالياً من أي حالات ظلم قد تقع مستقبلاً .

كيف كانت تجربتك في مرحلة التوجيهي وما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك ؟

حين بدأت الدراسة الفعلية لمرحلة الثانوية العامة واجهت العديد من الصعوبات الجسدية منها والنفسية ، حيث كانت مشكلة "الكتابة" تشكل عائقاً كبيراً لدي خصوصاً وأنني كنت بحاجة لوقت طويل من الجلوس بوضعية معينة للتمكن من الكتابة ، إذ كانت تلك الوضعية على المدى البعيد تسبب لي بعض الآلام ، وتلك المشكلة ساعدتني على تخطيها والدتي أطال الله في عمرها ، ومن المستحيل أن أنسى الجهود الجبارة التي بذلتها معي أمي في هذه المرحلة ، وأكمل بلهجته العامية الجميلة: " كانت تصحى معي الصبح وتعمللي إشي أشربه وتضل قاعدة عندي لتساعدني إذا كنت بدي أكتب إشي لما أتعب من الكتابة ، تمسك القلم وتبلش تكتب الملاحظات الي أنا بدي أكتبها ومش قادر، وهالإشي مستحيل أنساه لأنو إمي هي أكثر حدا وقف معي من لما صارت معي المشكلة وربي يقدرني إني أردلها هالمعروف وأرفع راسها بالسما" .

وأضاف : "المشكلة الثانية الي واجهتني في مرحلة التوجيهي هي الحكم على والدي بالسجن لمدة عشرين سنه بالفترة الي أنا قاعد فيها بحضر حالي لامتحانات التوجيهي ، فأبوي انحكم عليه بتاريخ 16/5/2022 والامتحانات كانت بتاريخ 30/6/2022 وهالاشي سبب إلي حالة نفسية صعبة جداً ومعقدة ، وكل ما آجي أدرس يكون تركيزي وعقلي مع أبوي بالسجن ، والحلو بالموضوع إنو الي طلعني من هاي الحالة هو أبوي لأنو كان يضل يحفزني ويشجعني إنو أكمل دراستي وأجتهد وأجيب علامات عالية والحمد لله قدرت أعمل الي بدو إياه وشديت حالي وركزت ودرست وسهرت الليالي لحد ما بفضل الله تمكنت من النجاح بمعدل عالي ، وما كان في اشي صعب بالدراسة ذات نفسها لأني بحب التحدي وبحب أثبت لحالي قبل الناس إنو ما في إشي بوقفني أو بوقف بوجه طموحي وأحلامي .

ماذا تقول لكل من هؤلاء الذين سنذكرهم لك الآن :

والدك

 الحمدلله يابه هيني نجحت ورايح عالجامعة أكمل تعليمي وبإذن الله لأصير قاضي كبير بيوم من الأيام وأساعد المظلومين وأنصفهم قد ما أقدر وأمنع المجرمين من إنو يرتكبوا جرائم في المجتمع عشان نضل عايشين بأمن وأمان وما نخاف لما نطلع برا البيت ، وبدي تضل تترضى علي وأنا رح أضل أدعي إنو الله يفرج عنك ويردك لبيتنا بالسلامة ، وكثير اشتقتلك يابه .

والدتك

 "بشكر ربي إنو انتي بحياتي يا إمي وربي يقدرني وأكافئك على الأشياء الحلوة الي بتعمليها معي ، هيني رايح عالجامعة يمه وبدي أكمل دراستي ولولا فضل الله ثم جهودك ووقفتك معي كان ما قدرت أواجه كل الضغوطات والصعوبات الي مريت فيها ، الله لا يحرمني حنيتك يا يمه .

مدارس النظم

 " مدارس النظم وفرتلي منحة دراسية كاملة ووقفت معي وقفة ما رح أنساها بحياتي ، دعمتني بكل الطرق والأساليب وكانوا المعلمين يساعدوني في دراستي لدرجة إنو أستاذ الإنجليزي كان يحكيلي تأخر بعد الدوام عشان أعطيك دروس خاصة كرمال تتقوى باللغة ، لأني كنت شوي ضعيف باللغة الإنجليزية ، والحمدلله قدرت أستثمر الفرصة الي وفرتلي إياها المدرسة وثابرت وتفوقت لحتى نجحت بهالمعدل العالي .

الأشخاص الذين تسببوا لك بالأذى الجسدي والنفسي

 " في ناس بفكروا كلمة حسبي الله ونعم الوكيل بسيطة وهينة ، لكنها مش هيك وربنا ما رح يسمح إنو كل الظلم الي وقعت فيه والأذى يروح ببلاش ، عشان هيك بحب أحكي لكل شخص آذاني حسبي الله ونعم الوكيل ومافي إشي بوقفني ولا ممكن بيوم من الأيام إني أيأس أو أتراجع عن تحقيق أحلامي ، ورح أضل مستني اليوم إلي ربنا يخلص فيه حقي من كل شخص ظلمني وآذاني .

الناس المحبة لك والتي أمطرتك بالدعوات طوال الفترة الماضية

 دعم الناس ودعواتهم كانت سبب رئيسي في إني أتجاوز هاي المحنة وأحولها لمنحة وأقدر إني أخلي الأمل هو العنوان الواضح في حياتي ، الحمدلله أنا أحسن من غيري ولسا صحتي فيي وقادر إني أكمل بهالحياة رغم كل اشي مريت فيه ، وإن شاء الله إني أكون عند حسن ظن الناس ويضلهم يحبوني وأحبهم ، لأنو الحياة بدون ما نحب بعض بتخلينا عايشين بغابة القوي فيها بوكل الضعيف .

وفي ختام اللقاء احتضن صالح قلماً كما احتضن جعفر الطيار الراية في يوم مؤتة بين ذراعيه المبتورتان ليخط بهما بضع كلمات ستبقى عالقة في ذاكرتنا وذاكرته ، علمنا من خلالها حجم الصعوبة والمعاناة التي واجهته في مرحلة الثانوية العامة عامة وفي أوقات الكتابة خاصة ، سائلين المولى عز وجل أن ييسر له السبل والصعوبات لاكمال حلمه وتحقيق غايته وبلوغ طموحه في أن يكون قاضياً للحق ونصرة المظلومين .