نقابة المحاميين و ليلة القبض على فاطمة

اخبار البلد - 
 

ليلة القبض على فاطمة هو فيلم مصري قبل أربعين سنة و تدور أحداثه حول امرأة ( فاطمة) و شقيقها و هو مدير مصحة الأمراض العقلية و الذي يزعم بأن فاطمة مختلة عقليا و يجب وضعها بالحجز في مستشفى الأمراض العقلية و قد كرس كل ادواته و معاونيه و كافة الأجهزة لمطاردة و ملاحقة فاطمة حتى يتم القاء القبض عليها و لكنها تمكنت باستخدام مختلف الوسائل من الافلات من قبضتهم لا بل و اعتقال لكل من تآمر عليها

لقد شهدنا ليلة حاسمة في تاريخ نقابة المحاميين و هي ليلة (27-28) /5 و التي انتهت بمفاجآت غير متوقعة و لا في الأحلام

ان معركة انتخابات نقابة المحاميين التقليدية و الكلاسيكية تنحصر حكما بالجولة الثانية بانتخاب مركز النقيب ذلك بأن قانون نقابة المحاميين يشترط فوز النقيب بنسبة (50%+1) و الذي لا يتحقق في الجولة الأولى فيصار الى جولة ثانية يفوز بها النقيب الحائز على اعلى الأصوات بالغا ما بلغ

ان الصراع التقليدي ينحصر حكما بين التيار الاسلامي من جهة و باقي التيارات القوميين ( بمختلف الأفرع سواء بعثية او اشتراكية أو يسارية .) و الفتحاوية من جهة اخرى حيث يتم هندسة التحالفات في المرحلة الفاصلة ما بين الجولتين لتكون الكلمة الفصل للصفقات و الانسحابات التي تقع أثناء ذلك علما بأن اجتماع القوميين بمختلف الأطياف و التوجهات يقوم على (نظرية الضد) في مواجهة الاسلاميين

الا أن الانتخابات التي جرت الجمعة الفائتة قد قلبت كل التوقعات و أجهزت على كل النظريات و قضت على كل المبادئ ليتم ذبح التيار القومي في محراب التيار الاسلامي بأيدي القوميين ذاتهم ليحقق التيار الاسلامي نصرا مظفرا لم يسبقهم اليه أحد

فما الذي جرى قبل و أثناء الجولة الأولى؟

الهدوء الذي يسبق العاصفة ( قبل الدورة الأولى)

ففي حين يترك شأن معالجة الدورة الأولى الى ما بعدها فانه و على ما يبدو كان االتيار على وعي تام بأهمية و خطورة و مفصلية الجولة الثانية الأمر الذي دفعهم الى الاعداد جيدا قبل الانتخابات ليس بأيام و لكن بأسابيع و ذلك من خلال:

أولا: ابقاء الود و العلاقات الطيبة مع مختلف الأطياف دون ترك أي هامش للصدام أو الخصومة و ذلك في محاولة بامتصاص أي اثار (لنظرية الضد) باتجاههم المعهودة

ثانيا: نسج شبكة علاقات و تحالفات مع مرشحين لعضوية المجلس و ذلك بدعمهم بمقابل دعم التيار الاسلامي في الجولة الثانية حصرا و تحديدا حيث تبين و على وجه اليقين تحالف التيار الاسلامي مع اثنين بحد أدنى من الأعضاء الجدد الذين فازوا بعضوية المجلس حيث أثمر ذلك عن فوز هؤلاء الأعضاء و كذلك فوز التيار الاسلامي بمنصب النقيب

ثالثا: اللعب على ورقة التناقضات و الاستعداد لاقتناص الفرص و ذلك بالحياد و عدم الانجرار في المعارك للنقباء الاخرين و خلق و ابقاء قنوات تواصل مع كل معسكر من معسكرات مرشحي منصب النقيب استعدادا و تجهيزا لأي تطورات محتملة

العاصفة تضرب و القوميين في صراع على العرش

لقد غاب القوميين بشكل تام عن أي تنسيق أو تواصل مسبق تجهيزا للانتخابات على الرغم من بعض المحاولات الجريئة و التي تم وأدها بسبب التدخلات الأمر الذي ابقى مرشحي المعسكر القومي يتامى و معزولين كل في قلعته و هم يقومون بشيطنة بعضهم البعض حيث طغى على هذه المرحلة العصبية و شيطنة الاخر لا بل الكل حيث انقلبت (نظرية الضد) للمختلفين في التيارات الى (نظرية الضد) داخل التيار نفسه مما افقد التيار القومي التخطيط الاستباقي و جعله في مهب الريح عرضه و فريسة سهلة لكل التطورات و المفاجآت

بدء المرحلة الأولى و بداية الاعصار

في حين أن الجولة الأولى بالعادة تسري بسلاسة و بيسر و تترك لحملة كل مرشح مع الهيئة العامة لتبدي رأيها و لا يتخلل هذه العملية أي حسابات أو مناورات ذلك بأن كامل الثقل و التكتيك يأتي بالجولة الثانية و ذلك مع تصدر مرشحين الجولة الثانية فأنه يصار الى التكتيك و التخطيط و التحالف لدعم أي منهما

الا أنه ما وقع في الجولة الأولى كان خارج المألوف و الحسابات و ذلك بالتدخل لدعم مرشح لمنصب النقيب على حساب الاخر ( و قد يكون ذلك من باب الاشاعة المغرضة تمهيدا للانقلاب على القواعد التقليدية و ذريعة للتنصل من الواجبات) الأمر الذي نتج عنه لغما سينفجر في الجولة الثانية و الذي تمثل في غضب معسكر الاخر بسخطهم على من تدخل و تنصيب العداء له و تلقينه درسا في الجولة الثانية ليس حبا بعلي و لكن كرها بمعاوية حسب (نظرية الضد) و الانتقام

بعد الجولة الأولى

و فور اعلان النتائج بتصدر الأستاذ رامي المشهد و يليه الأستاذ يحيى ثم الأستاذ مازن ثم الأستاذ فتحي فان العرف النقابي قد تم تطبيقه و ذلك بانسحاب الأستاذ مازن و الأستاذ فتحي من السباق و ترك الساحة للمتصدرين بالجولة الأولى و هنا خضعت هذه المرحلة و تأثرت بالعوامل التالية:

أولا : سوء التنسيق و الاعداد المسبق و الاستبياقي من قبل القوميين الأمر الذي جعلهم يفقدون البوصلة

ثانيا: غضب و سخط معسكر المنسحبين على التدخلات في الجولة الأولى ورد الفعل على هذه التدخلات و القاء توجهاتهم الفكرية في سلة القمامة اشباعا لرغباتهم في الانتقام و رفض الاخر (نظرية الضد)

ثالثا: ان انتهاء حقبة الأستاذ النقيب يعني حكما بالنسبة لمعسكره هي بداية حقيبة (ثلاثة من اهم أعضاء المجلس و هم أركان تحالف النقيب) و هنا يثور التساؤل حول مصالح هذه الحقبة القادمة و ما تفتضيه تكتيكيا في اختيار مرشح الجولة الثانية في نظره استراتيجية للانتخابات التي تليها لعام 2025

رابعا: ظهور بعض النعرات القومية و لا ندري من أين بدأت و من أي معسكر الا أنها قد سمع اصدائها تصريحا أو تلميحا بالجولة الثانية

خامسا: تثبيت و تأكيد تحالفات التيار الاسلامي في الجولة الأولى و التي انصبت على الدعم في الجولة الثانية بهدوء و سرية تامة

سادسا: قيادة التيار الاسلامي للمشهد و اقتناصه للفرص و عقد التحالفات بسرعة مستغلا الفوضى الواقعة في معسكر القوميين و خلافاتهم الداخلية و الخارجية و ذلك بإتقان قل نظريه حيث تم قلب الطاولة على رأس الجميع ففي حين كان هو دائما ضحية التحالفات بين الجولتين أصبح سيد اللعبة بلا منازع

ختاما: (القطة التي تأكل أبنائها و يحيى يفوز بالابل)

و تبدء الجولة الثانية و قد تحقق غالبية ما ذكرنا لصالح التيار الاسلامي و بفارق شاسع لم يسبق له مثيل و لكن هذه المرة كان من خصوم الأمس و بأيديهم حيث قام القوميون بذبح القوميين بمحراب الاسلاميين بأيدي القوميين ذاتهم

فهل يحق لنا أن ننعى القومية في نقابة المحاميين الأردنيين حيث أظهرت هذه الانتخابات الى حد ما هشاشة في بنيتهم و فكرهم و مبادئهم و اعتماده على أفراد أو بقايا أفراد دون تيارات تذكر و الذي لا يختلف عنهم كثيرا أيضا التيار الاسلامي الا أنه فاقهم بالتكتيك و التخطيط و التماسك علما بأن التيار الاسلامي في المقابل قد صب جل تركيزه و قوته على منصب النقيب و ترك أعضاء المجلس المرشحين منه يتامى في ساحة القتال الأمر الذي نتج عنه رسوبهم جميعا

و بالنتيجة و في ليلة القبض على فاطمة فقد انقلبت نهاية الفيلم بفوز و انتصار فاطمة و خسارة كل خصومها

و بغض النظر عن كوني شخصيا مستقلا و لم أمنح صوتي للأستاذ يحيى أبو عبود الا أنه لا يسعني ( و بغض النظر عن تحليلي) الا أن أحيي نقابتي و ديمقراطيتها النقية و المنيعة و أبارك للأستاذ يحيى فوزه بمنصب نقيب المحاميين و أصبح من هذا اليوم نقيبا لي و لجميع محاميين المملكة الأردنية الهاشمية

رأيي الشخصي:

كوني مستقلا فان ما يحدث على الساحة النقابية من بقايا أفكار قديمة يدفعنا للدعوى الى مقترحين ينهضان بالنقابة و العمل المهني و الوطني و التقدم و الرقي و عدم البقاء في ذات الدائرة و عباءة الماضي فأنني أرى

أولا : يجب و هو المهم أن يكون الترشح لانتخابات نقابة المحاميين بكتل مغلقة و على رأسها نقيب ببرامج واضحة و عملية و قابلة للتطبيق و الحساب

ثانيا: و كما يجب و هو الأهم اثراء و انماء التجربة الحزبية و حسب التعديلات و التطورات على التشريعات الحزبية و الانتخابية بضرورة وجود أحزاب كبيرة ذات برامج عملية تقود الساحة الوطنية شبابا و شيوخا لتكون الأدوات الفاعلة و المؤثرة بكل مؤسسات المجتمع للمرحلة القادمة