القلق الماليزي في مذكرات مهاتير محمد

أخبار البلد ــ في ما يقارب ألف صفحة يسرد الطبيب مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق وباني نهضتها الحديثة، مذكراته تحت عنوان «طبيب في رئاسة الوزراء» ترجمة أمين الأيوبي، وإصدار الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

وكما كان متوقعاً من رجل اندمج اسمه مع تاريخ بلاده، فلا يذكران إلا معاً. فما أن تقول ماليزيا حتى يأتيك اسم مهاتير وبالعكس، لذلك يبدأ مهاتير محمد كتابه «هذه قصة ماليزيا كما أراها وهذه قصتي أنا».

حدث هذا رغم كره الرجل للشخصنة ومحاربته عبادة الفرد، يقول «حاولت جاهدا طوال مدة رئاستي للوزراء وضع معايير معينة، أولاً لم أشجع على التملق والتمجيد المفرط، الذي يلقاه القادة غالباً، عزمت على إبطال عبادة الشخصية البارزة، وحتى حين كنت وزير التربية والتعليم، أوقفت تسمية المدارس باسم الوزير، وعندما أصبحت رئيس الوزراء، رفضت كذلك السماح بإطلاق اسمي على المباني والمنشآت، أو إطلاق اسم أي شخص حي، عدا الحكام المالاويين (السلاطين) وأعطيت تعليمات بعدم تعليق صوري في المباني الحكومية، مع أنه جرى تجاهلها على نطاق واسع، وإلى اليوم لم يطلق اسمي على شيء باستثناء زهرة أوركيد، حتى أني رفضت فكرة إقامة مكتبة تذكارية». كما اتبع سياسة إبعاد أسرته عن ممارسة السياسة، فلم يحاول إنشاء أسرة سياسية ولم يشجع أبناءه على الدخول في المجال السياسي، بل اهتم بتزويدهم بالعلم الذي يساعدهم على شق طريقهم في الحياة.
ينحدر مهاتير من طبقة وسطى رقيقة الحال في حين أن رؤساء الوزارة الذين سبقوه ينحدرون من أعلى الطبقات «كنت إنساناً عاديا ونجل معلم مدرسة سابق تقاضى راتباً تقاعدياً مقدار 90 رينغت ماليزيا، عندما انخرطت بالسياسة كانت جزر مالايا ما زالت إقطاعية، ولم تألف جميعها ارتقاء أشخاص من عموم الناس إلى طبقة فوق طبقتهم، لكنني كسرت القاعدة وعبّدت الطريق أمامهم ليكون أحدهم رئيس وزراء ماليزيا». والاختلاف الآخر بينه وبين رؤساء الوزارة السابقين كانوا «محامين دربوا في لندن، بينما كنت طبيباً تخرج من جامعة ملاي في سنغافورة». درس الطب بمنحة حكومية تقدمها الحكومة للسكان الأصليين في الملايا ضمن سياسة التميز الإيجابي، التي تبنتها الحكومات هناك للنهوض بوضع السكان الأصليين الذين انحدروا نتيجة سياسات الاستعمار البريطاني. حصل على منحة لدراسة الطب رغم أنه كان ينتظر أن يدرس القانون، ورغم أن والدته حذرته من أن يكون رجل شرطة أو طبيبا لأنه سيشكو من قلة النوم طيلة حياته. أصر الوالد، الذي تعلم في المدارس التبشيرية، ثم عمل معلماً، على إتقانه الإنكليزية، في حين كانت أمه تعلمهم القرآن.
لم تخل حياته السياسية من مصاعب كادت تخرجه نهائياً، فقد تم فصله من الحزب الرئيسي الحاكم في البلاد عام 1969 م نتيجة مجاهرته بآراء سياسية معارضة، لكنه ما لبث أن عاد وارتقى المناصب سريعاً ليصير رئيساً للوزراء عام 1981.

العنف الأوروبي

يسرد مهاتير في كتابه هذا تاريخ الأمة المالاوية التي تسكن أرخيل الملايو، الواقع على طرق التجارة الدولية في جنوب شرق آسيا، والتي كانت تعمل بالتجارة قبل أن يأتي الاستعمار الغربي الذي حاصرها ودمر مراكزها المزدهرة في ملقة وغيرها، محولاً إياها إلى أمة من المزارعين البدائيين بواسطة قوانينهم الاحتكارية. قبل وصول الأوروبيين إلى حوض المحيط الهادئ وشرق آسيا، كانت التجارة حرة يمارسها التجار العرب والهنود والصينيون. يقول مهاتير «تصرف الأوروبيون بطريقة مختلفة، إذ أنهم وصلوا على متن سفن حملت تجاراً مسلحين لا على متن سفن تجارية، حتى أنهم لم يكونوا يؤمنون بالتجارة الحرة. وتوجب على أحد كبار تجار ماكسار، التي تعرف باسم أوجيونغ باندانغ في إندونيسيا اليوم، القول للهولنديين «خلق الله البر والبحر، على أن يقتسم الرجال البر والبحر، ولم نسمع أن شخصاً مُنع من خوض البحار». أحدث دخول الغربيين جنوب شرق آسيا زلزالاً اقتصاديا ودينياً وديموغرافيا، لقد زرعوا العنف والفوضى الديموغرافية من بين سائر الأوروبيين، اعتقد الإسبان، وكذلك البرتغاليون وإن بدرجة أقل، أن على عاتقهم تنصير السكان». في المقابل فإن العرب والهنود الذين جاؤوا بالإسلام اندمجوا بالسكان وتزاوجوا معهم، ولم يرغموا أحداً على اعتناق الإسلام، بل إن السكان الأصليين الذين اعتنقوا الاسلام هم من نشروه..

يفرد مهاتير فصلا كاملا للحديث عن الأوروبيين فيقرر أننا نعيش في عالم صنعه الأوروبيون وصاغوه بشكل أو بآخر سياسياً وثقافياً واقتصادياً. لكن المفارقة أنهم لم يكونوا موضوع دراسة فلم نسمع عن أنثروبولوجي درس الأوروبيين مثلما هم يدرسون شعوب العالم. يقول مهاتير إنه خصص هذا الفصل عن الأوروبيين «بقصد سد حاجاتي الخاصة أساساً، فأنا شديد القلق من تأثير الأوروبيين في أفكاري وآرائي، وألمس حاجة للانفصال عنها إذا كنت أريد إعداد تحليل أكثر صواباً لتأثيرهم فيّ شخصياً، وفي بلادي والناس عموماً.. ربما يعتقد بعض الناس أني سأكون منحازاً مثل الأوروبيين لأني طالما أردت النظر إليهم من منظوري العرقي الخاص». ويقول إنه كي نعرف الأوروبيين أكثر علينا دراسة تاريخهم. ويقرر أن العنف سمة مميزة للتاريخ الأوروبي «لم تمض سنة من السنين الأربع آلاف الأخيرة، دون أن تشهد حرباً بين القبائل، أو بين الدول الأوروبية، بالنظر إلى حاجتهم إلى قتال بعضهم بعضاً، اكتسب الأوروبيون مهارة عالية في المحاربة.. يشتهي الأوروبيون أراضي جيرانهم الأقارب والأباعد دائماً، وما إن يمتلكوا القوة بفضل الأسلحة التي طوروها، أو بفضل طرقهم الحديثة في القتال حتى يبادروا بالعدوان وشن الحرب على الآخرين». فهم يحتفون بأبطال الحروب وطوروا أساليب قتال وأسلحة متطورة. العنف والقوة سمة التاريخ الأوروبي فالحق هو القوة والمنتصر هو المحق.

الإسلام دين الدولة

لم يشكل هذا الأمر معضلة في ماليزيا ولم تعترض عليه الأقليات. يشرح مهاتير هذه النقطة يقول «عندما قررت إضافة مغزى على المادة الدستورية التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، لم أقصد أنه على جميع سكان ماليزيا الآخرين أن يصبحوا مسلمين، كل ما أردناه تشريب الماليزيين القيم الإسلامية حتى دون حملهم على التحول للإسلام.. توجد اختلافات في نظم القيم بين أبناء الديانات المختلفة في ماليزيا، لكنني لا أعتقد ان تلك الاختلافات عميقة أو كثيرة، على وجه العموم، القيم الإسلامية الجيدة مماثلة للقيم الغربية التي تعتبر جيدة، أو التي تسمى القيم العالمية».

أما القلق الثاني فيخص الديموغرافيا الصينية، التي على ما يبدو تشكل قلقاً لكل سكان جنوب شرق آسيا. لذلك تظهر فلسطين عدة مرات في الكتاب لا كقضية وجب التضامن معها إنسانيا أو دينياً فقط، بل من كونها هاجسا خوف أن يلقى المالاويين المصير نفسه، فهم فقدوا سيطرتهم للأبد على سنغافورة وتحولوا إلى أقلية مهمشة هناك.

الخوف من سيناريو فلسطين

«زرع الغربيون الفوضى الديموغرافية حيثما حلوا» وكان نصيب الملايو منها كبيراً. غادر البريطانيون أرخبيل الملايو عام 1957 تاركين البلاد في حالة فقر شديد. لا طرقات إلا تلك التي تخدم تصدير المطاط، لا موانئ سوى الميناء البريطاني في سنغافورة. تركوا دولة معتمدة بالكامل على تصدير المطاط والقصدير من ميناء سنغافورة، إضافة لذلك وهو الأخطر تركوا مشكلة ديموغرافية كبيرة في البلاد، فقد سمح البريطانيون بدخول المهاجرين دون قيود إلى حد أصبح معه سكان الجزيرة الأصليين أقلية. يتساءل مهاتير عما سيحصل لو أن بريطانيا سمحت بدخول الهنود والباكستانيين والبنغاليين إلى بريطانيا، حتى أصبحت نسبتهم 40% من السكان، «شجع البريطانيون الصينيين على الهجرة والانتقال إلى سنغافورة ليوفروا القاعدة الاقتصادية والقوة العاملة للتجارة والأنشطة التجارية البريطانية، وبحلول عام 1963 شكل الصينيون ثلاثة أرباع عدد سكان سنغافورة البالغ 3.5 مليون نسمة». وبرزت هذه المشكلة مع الاستقلال فقد طرح البريطانيون «الاتحاد المالاوي» القائم على منح المواطنة المتساوية لكل الصينيين في الجزر. وهذا يعني تحول السكان الأصليين إلى أقلية، كما أن القبول بسنغافورة ضمن الاتحاد المالاوي معناه محاولة سنغافورة، التي صارت غير مالاوية عرقيا، السيطرة على الحكم في الاتحاد. وهذا ما حاول زعيمها لين كوا القيام بها وبالتالي تحول المالاويون إلى أقلية في بلادهم، ما تعين إجراء طلاق هادئ مع سنغافورة عام 1965.
ولا بد هنا من التوقف قليلاً لإلقاء الضوء على المشكلة الصينية كما شرحها مهاتير. جاء المهاجرون الصينيون الأوائل إلى الجزيرة بأعداد قليلة فتزاوجوا مع السكان الأصليين واندمجوا، لكن مع تراجع المالاويين إلى الزراعة، وتخلف مجتمعاتهم، سمح المستعمر بهجرة صينية كثيفة ليعملوا في الموانئ وتجارة المفرق والجملة، فأنشأوا مجمعات صينية كثيفة، ثم جاء منهم الأطباء والتقنيون، ونشأ توزيع للثروة والسلطة على شكل هرم في قمته الرجل الأبيض وأسفل منه الصينيون والمهاجرون الهنود، وفي الأسفل المالاويون الفقراء المزارعون غير المتعلمين. كان إقرار المواطنة المتساوية في هذه الظروف يعني سيطرة الصينيين على كل شيء سياسياً واقتصادياً. يقول مهاتير إن المشروع البريطاني أثار في نفسة خشية من مصير شبيه بمصير العرب في فلسطين «سرت أقاويل أصلا آنذاك تحدثت عن وجوب إعطاء جزء من فلسطين للصهاينة، ليقيموا عليها دولة إسرائيل، وجُزعت من أن يعاني المالاويون مصيراً مشابهاً لمصير الفلسطينيين ـ التهميش ثم الخنق وحتى الطرد من أراضيهم في النهاية».
تنبهت السياسة الماليزية لهذه المعضلة باكراً، فتبنت سياسة تمييز إيجابية لصالح المالاويين للنهوض بهم اقتصادياً وتعليمياً، فتم إجبار الشركات الخاصة على تخصيص حصة ثابتة للمالاويين في رأسمالها، وأُعطي المالاويون منحا دراسية وقروضا وأسهما. وينتقد مهاتير الانتقادات الغربية لهذه السياسة على اعتبارها أنها تخل بمبدأ المساواة. مذكراً إياهم بسياساتهم العنصرية ماضياً وحاضراً في بلادهم وفي العالم الذي حكموه. وعلى الجانب الآخر ينتقد مهاتير ما يراه سلبية وعدم حب العمل والرغبة في الثراء السريع لدى أبناء عرقه، ويخشى عليهم أن يخسروا بلادهم كما جرى في فلسطين..

القلق الماليزي

هذا الفصل لم يكتبه مهاتير لكن بعد قراءة الكتاب تكوّن لديّ انطباع بأن ماليزيا تعيش قلقا، أو على حافة هاويتين. من جهة أولى هناك الرأسمال العالمي الغربي، الذي ينتظر كبوة واحدة كي يلتهمها ويلقي بها في هاوية الفقر، وقد حاول ذلك عام 1997. ويشرح مهاتير ذلك بالتفصيل في الكتاب وكيف تصدوا لذلك وتجنبوا مصير النمور الآسيوية الأخرى. هذا القلق من الرأسمال العالمي سيظل مسيطراً على الماليزيين، ما لم تحدث تبدلات جذرية في النظام العالمي.

أما القلق الثاني فيخص الديموغرافيا الصينية، التي على ما يبدو تشكل قلقاً لكل سكان جنوب شرق آسيا. لذلك تظهر فلسطين عدة مرات في الكتاب لا كقضية وجب التضامن معها إنسانيا أو دينياً فقط، بل من كونها هاجسا خوف أن يلقى المالاويين المصير نفسه، فهم فقدوا سيطرتهم للأبد على سنغافورة وتحولوا إلى أقلية مهمشة هناك، وفي أي لحظة قد يفقدونها على باقي الأرخبيل بسبب الديموغرافيا الصينية النشيطة، التي قد تتحول إلى عدوانية في أي لحظة. بين هذين القلقين تتحرك ماليزيا اليوم. وهذا يفسر حركتها السريعة نحو أي محاولة إسلامية للنهوض. ويبدو واضحاً أن لا خلاص من القلقين إلا بنهوض عالم عربي ـ اسلامي تستطيع ماليزيا أن تستند إليه اقتصادياً وديموغرافياً.