الصبيحي يدعو إلى عدم التعجّل بتعديل "الضمان" والبدء بمراجعة شاملة للقانون
أخبار البلد - دعا خبير التأمينات والحماية الاجتماعي موسى الصبيحي إلى ضرورة مراعاة الاستقرار التشريعي لقانون الضمان الاجتماعي عند التفكير بإدخال أي تعديلات على القانون، لأهمية ذلك لكافة الأطراف من مؤمّن عليهم، وأصحاب عمل، ومستثمرين، ومؤسسة ضمان، وحكومة، وقطاع عام، وبرلمان، وقضاء، حيث لم يمضِ على آخر تعديل سوى سنتين فقط (قانون 2019) وهي مدة قليلة واستثنائية بسبب جائحة كورونا، مضيفاً أن كثرة التعديلات تؤدي إلى زعرعة الثقة بين النظام التأميني للضمان وجمهوره، كما أن التسرّع لا يُنتٍج تعديلات مدروسة وناجعة.
وأكّد خلال جلسة حوارية في غرفة تجارة إربد أدارها عاطف الهياجنة، عقدت بتنظيم من لجنة متقاعدي محافظة إربد التي يرأسها سمير بطاينة، أكّد على ضرورة أن يستند التعديل إلى دراسة تكشف ضروراته، والإعلان عن هذه الدراسة ونتائجها، وطرحها للمناقشة مع المختصين والخبراء، إضافة إلى بيان الأسباب الموجبة لكل تعديل، وأن تكون أسباباً قوية ومقنعة، وأن تأتي التعديلات منسجمة مع دستور الدولة من ناحية العدالة والمساواة، وأن لا تؤدي إلى خلق المزيد من المراكز القانونية المتفاوتة بين الناس في إطار القانون الواحد.
وقال الصبيحي إذا كان المركز المالي للضمان يحتاج إلى تعزيز وتصويب، فمن باب أولى أن يتم وقف كل أشكال الإنفاق من أموال الضمان على غير الأوجه التي حدّدها القانون وفي مقدمتها بعض أوامر الدفاع ذات العلاقة، علماً بأن الضمان تحمّل الكلفة الأكبر خلال الجائحة، وهو جهد مشكور ومشهود، حيث تجاوزت كلفة البرامج التي أطلقتها مؤسسة الضمان خلال الجائحة مبلغ ألـ (716) مليون دينار وفقاً لتصريحات رسمية الشهر الماضي. ودعا إلى إعادة العمل بازدواجية الشمول بالضمان للعاملين في أكثر من جهة عمل، ولا سيما شمولهم بتأمين إصابات العمل على الأقل، لما يحققه ذلك من تعزيز لحماية العامل وتعزيز للمركز المالي للضمان، لا سيما وأن تأمين إصابات العمل يعد من التأمينات المستدامة مالياً ويحقق فوائض مالية وفيرة سنوياً، وإعادة النظر في سياسة وشروط الشمول بالضمان بما يوسّع مظلته لاستيعاب كل القوى العاملة في المجتمع، كما دعا إلى تعظيم عوائد استثمار أموال الضمان، وإعادة توزيع محفظة الاستثمار بشكل متوازن، والتخفيض التدريجي لحجم محفظة سندات الخزينة التي تستحوذ حالياً على ما نسبته (59%) من موجودات الضمان.
وفيما يتعلق بالتعديلات التي تقترحها مؤسسة الضمان، قال الصبيحي بأن التعديل المقترح الخاص بزيادة التضخم جيد لكن يجب أن يُكتفى بالربط بالمعدل العام السنوي للنمو بالأجور، مع وضع حد أدنى للزيادة بقيمة معينة (5 دنانير مثلاً) بهدف حماية ذوي الرواتب المتدنية، ووضع سقف لهذه الزيادة، كما يجب أن يكون الحرمان من الزيادة مرتبطاً بسقف الأجر الخاضع للضمان كما ورد في القانون(السقف الأساس) أي 3000 دينار... فمن تجاوز راتبه التقاعدي هذا المبلغ لا يستحق زيادة.. والهدف هو دعم النسبة الأكبر من الرواتب التقاعدية التي تقل عن (500) دينار، حيث أن 75 % من متقاعدي الضمان رواتبهم التقاعدية دون ألـ 500 دينار. مشيراً أن التعديل الأمثل للزيادة بأن يتم تصميمها بحيث يستفيد منها بقيمة أكبر الراتب الأقل وهكذا.
وفيما يتعلق بالتعديل المتعلق بالاشتراك الجزئي بتأمين الشيخوخة أو تخفيض الاشتراكات على قطاعات معينة، قال الصبيحي بأن هذا مخالف لمبدأ شمولية التأمين وفصل أو تجزئة لتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة على الرغم من أن ذكره جاء في المادة 3 من القانون كتأمين واحد لا يتجزّأ مما يعدّ إجراءً غير قانوني، كما أن هذا التعديل سيؤدي الى إضعاف مستوى الحماية الاجتماعية وإضعاف المركز المالي للنظام التأميني كونه يحرم هذا النظام من النسبة الأكبر من اشتراكات تأمين الشيخوخة، كما أنه يشكّل نوعاً من التمييز السلبي بين فئات المشتركين. وفيما يتعلق بالتعديل المتصل بوفاة المؤمن عليه خارج الخدمة المشمولة بالضمان وله 96 اشتراكاً ولم تمض على وفاته اكثر من 5 سنوات من تاريخ انتهاء خدمته حيث سيُسمح لذويه بأن يتقدموا بطلب تخصيص راتب تقاعد الوفاة الطبيعية عنه، وصفه بأنه جيد، لكن من الأولى أيضاً أن نحمي أسر مَن يتوفاهم الله بعد فترة قصيرة جداً من انتهاء خدماتهم المشمولة بالضمان، حيث يشترط القانون لاستحقاقهم راتب الوفاة الطبيعية ان يتوفر للمؤمن عليه المتوفّى 24 اشتراكاً من ضمنها 6 اشتراكات متصلة وان تحدث الوفاة خلال مدة الخدمة المشمولة بالضمان...
وأضاف بأن ما أقترحه هنا: أن تُعدل الشروط لتصبح مدة الاشتراك المطلوبة (12) اشتراكاً فقط إذا حصلت الوفاة خلال الخدمة، أو أن تحصل الوفاة خلال مدة 6 أشهر من انتهاء الخدمة شريطة توفر 24 اشتراكاً سابقة بالضمان، دون اشتراط أي فترة منها متصلة.
وفيما يتعلق بالتعديل المقترح على تأمين الأمومة، باشتراط أن يتوفر للمؤمن عليها 8 اشتراكات بالتأمين في آخر 12 اشتراكاً، قال بأن ذلك غير كاف لا سيما وأن تأمين الأمومة مستدام مالياً ويحقق فائضاً مالياً تأمينياً يزيد على ثلثي قيمة الاشتراكات المترتبة على التأمين، وأن ما يقترحه في هذا الصدد أقرب للعدالة ولتحقيق مفهوم الحماية وهو أن يتوفر للمؤمن عليها 6 اشتراكات سابقة على الأقل بتأمين الأمومة في أي وقت سابق، مما يحمي المؤمن عليهن اللواتي لا تتوفر لهن فترة اشتراك بالتأمين خلال الستة أشهر السابقة على اجازة الأمومة او 8 أشهر خلال ال 12 اشتراك الاخيرة كما تقترح التعديلات المقدمة من المؤسسة.
وأقترح التراجع عن التعديل الذي تم في عام 2019 والذي بموجبه تم السماح للمؤمن عليه بالسحب من رصيده في صندوق التعطل لغايات التعليم والعلاج، مما شكّل انحرافاً عن غايات هذا التأمين، مؤكداً ضرورة الحفاظ على رصيد التعطل لغايات التعطل الحقيقي عن العمل.
وأكّد أن التعديلات المقترحة بشأن الاشتراك الجزئي بتأمين الشيخوخة وتخفيض الاشتراكات عن هذا التأمين وفقاً لانخفاض معدلات النمو، ستؤثر حتماً على مستوى حماية العاملين، وتخلق نوعاً من التمييز ما بين عاملين في قطاعات معينة وعاملين في قطاعات أخرى، وهو ما يتعارض مع مبدأ دولة القانون والمؤسسات، ومع بعض أحكام الدستور، كما يتعارض مع فلسفة ورسالة الضمان في توفير الحماية للطبقة العاملة على قدم المساواة في الحقوق والالتزامات.
وحول التعديلات المقترحة على التقاعد المبكر، قال بأن التعديل المطروح هو رفع سن التقاعد المبكر على كل مؤمن عليه لا يُكمل 120 اشتراكاً قبل تاريخ ١/١/٢٠٢٢، وهذا يتناقض مع ما أكدته المؤسسة بتعديلات القانون عام 2019 التي بموجبها تم رفع سن التقاعد المبكر الى 55 للذكور و 52 للإناث، وأن هذا التعديل شمل فقط من يشتركون لأول مرة بالضمان بدءاً من تاريخ نفاذ ذلك القانون المعدل في 1/10/2019.. مؤكداً أن هناك الكثيرين الذين ربما يلجأون للتقاعد المبكر مرغمين على ذلك، فهي نافذة يجب ان تبقى مفتوحة حالياً وان يتم اغلاقها تدريجياً لكن دون التراجع عما تؤكده المؤسسة في كل مرة من عدم المساس بشرائح معينة من المشتركين، مع ضرورة إعادة النظر بجدول المهن الخطرة وتقليصها لانها تشجع بصورة كبيرة على التقاعد المبكر.
أما التعديل المقترح برفع سن تقاعد الشيخوخة الى 62 للذكور و سن 57 للإناث، فقد تساءل الصبيحي هل سوق العمل يتحمل هذا التعديل حالياً سواء في القطاع الخاص أو في القطاع العام، ولا يقاس الوضع في الأردن على الوضع في بلدان أخرى متقدمة لفارق متوسط الأعمار أولاً ثم لفارق أوضاع سوق العمل ثانياً الذي يعاني لدينا من عدم الاستقرار.. وقال أرى أن يكون رفع السن في هذه الحالة اختيارياً وليس إلزامياً، مضيفاً أن التعديل المقترح من الضمان سيؤدي إلى زيادة الإقبال على سحب الاشتراكات على شكل تعويض من دفعة واحدة، وزيادة الإقبال على التقدم لرواتب الاعتلال والعجز الطبيعي، إضافة إلى تقليل نسب الراغبين في الاشتراك الاختياري.
وبالنسبة لموضوع التأمين الصحي الاجتماعي الذي تزمع المؤسسة تفعيله، قال بأن معالمه لا تزال غير واضحة، فالمؤسسة أشارت إلى نسبة اقتطاع من رواتب المشتركين بالتأمين من عمّال وموظفين ومتقاعدين وأنها ستتراوح ما بين 2.5% إلى 3% من أجورهم/رواتبهم لكنها لم تُشِر إلى نسبة ما تتحمّله كل من الحكومة والمنشآت من كلفة هذا التأمين، علماً بأن قانون الضمان أشار إلى أن النظام الخاص بالتأمين الصحي يحدد فئات المستفيدين من هذا التأمين وأحكامه وشروطه ونسب الاقتطاع من المنشآت والمؤمّن عليهم. مؤكداً أن التأمين الصحي يجب أن تشارك في تمويله الأطراف الثلاثة: المؤمّن عليهم وأصحاب العمل والحكومة بهدف توزيع الكلفة بعدالة وتوازن وضمان كفاءة التأمين واستدامته، ومستوياته بعناية باستشارة خبراء يمثلون الأطراف المعنية..!
وفي نهاية المحاضرة أجاب الصبيحي على الكثير من الأسئلة والتعقيبات، داعياً إلى عدم الاستعجال في إدخال أي تعديلات على قانون الضمان حالياً، والبدء بمراجعة شاملة للقانون، قد تأخذ من سنتين إلى ثلاث سنوات، تواكبها دراسة اكتوارية شمولية، ودراسات فرعية لبعض التأمينات، بحيث تراجع كافة المواد، ويُصار بعد ذلك إلى البحث في مقترحات التعديل بما يضمن تعزيز الحماية الاجتماعية أولاً وتعزيز الاستدامة المالية للنظام التأميني.