البستاني لـ أخبار البلد: ابتدعت مفهوم الكيانات الوظيفية..والقطاع الثقافي يعيش في انفصام..وغاز العدو احتلال فشلت ونجحت !

*استغرق تأليف كتاب الكيانات الوظيفية عشر سنوات

*بعض الفصول فيه عُدلت بعد البحث فيها بشكل موسع

*نُشر الكتاب في الوقت الراهن لتماهي أحداث المنطقة العربية مع مضمونه

*تم اختيار اسم الكيانات الوظيفية بعد الانتهاء بشكل كامل من فصوله

* التغذية الراجعة عن الكتاب كانت إيجابية مع الافتقار للاشتباك الفكري مع مقولاته

*القطاعات الثقافية العربية أُلحقت بالقرار السياسي والأمني

* المحرض على تعطيل إشهار الكيانات الوظيفية هو الجهاز الثقافي


أخبار البلد ـ انس الأمير 


يعتبر كتاب الكيانات الوظيفية تجربة من نوع مغاير للمؤلف الدكتور هشام البستاني، حيث جاء بطابع سياسي يختلف شكلًا ومضمونًا عن الكتب الأدبية المعهودة للكاتب.

ويبحث الكتاب المكون من مجلدين، في شقه الأول، مفهوم الكيانات الوظيفية بالمعنى المعرفي، وافتراقه عن مفهوم الدولة، بالعودة إلى الجذور الإستعمارية المؤسسةِ للتبعية، والإرث الإستعماري المتمثل بمساحات جغرافية مُفرغة من إمكانيات التحرر، ومجموعات حاكمة هدفها الأول هو البقاء. أما الشق الثاني فيبحث أسباب عجز التيارات السياسية الرئيسية في المنطقة العربية، الإسلامية،والليبرالية، والعلمانية، والقومية، واليسارية، عن إحداث أي تغيير في تبعية الكيانات الوظيفية التي خلفها الإستعمار، وعدم استطاعتها على الخروج من نطاق سيطرة مجموعاتها الحاكمة.

ويؤكد البستاني في لقاء خاص مع لـ أخبار البلد أن تأليف كتاب الكيانات الوظيفية، جاء أساسًا في إطار الإجابة على استفهامات الجذور، وجدلية الهوية والتبعية، إلى جانب عجز الكيانات التي خلفها الإستعمار في المنطقة العربية عن تحقيق التنمية والديموقراطية، وإنجاز الإستقلال، وارتباط مجموعاتها الحاكمة بدائرة عبثية مدمرة تستمر بإعادة إنتاج التبعية والتسلط والفساد.

ـ مراحل كتابة الكيانات الوظيفية ووقت الإطلاق ـ

يقول المؤلف إن كتاب الكيانات الوظيفية استغرق تأليفه عشر سنوات، حيث بدأ قبل ظهور الشرارات الأولى للانتفاضات العربية في مواجهة السلطا بقليل.

ويضيف أن مراحل الكتابة شهدت تعديلات، خصوصًا الجزء الأول من الكتاب والمتعلق بموضوع الهوية، لاسيما وأن مفاهيم "الكيان الوظيفي" و"الهيمنة" و"السيطرة" و"السلطة" لم تكن متبلورة، لكن عند تبلورها لاحقًا في سيرورة التحولات الكتابية، أصبح من الواجب إعادة قراءة الفصول الأولى ليتماهى الكتاب مع مراحل تطور الأطروحة للكاتب.

"في الفصلين المتعلقين بالمثقف والاحتجاج، وعند البحث الموضوعي المستند إلى الدلائل في مضمونهما، وصلت لنتيجة متناقضة تمامًا مع ما كنت أظنه النتيجة الأولية عند بداية الكتابة، إذ كنت أعتقد ابتداءً أن الاحتجاج يؤثر على السلطة في الكيان الوظيفي، ويردعها عن التغول على الشعب بمختلف الأشكال، لكن عند دراسة الحالة منذ عام 1989 لغاية اليوم تبين أن السلطة، وفي غياب تنظيم شعبيّ قادر على تحويل الاحتجاجات إلى مكاسب سياسيّة، وقادر على التغيير، هي المستفيدة من الإحتجاجات الشعبية، وتوظفها لصالحها، أما في الفصل المتعلق بالمثقف، فقد وجدت أن هذا الأخير يساند ويحالف ويتبع السلطة، إذ أن التأسيسية لفكرة المثقف قائمة على الحداثة والانبهار بها والسعي لبلوغها، والحداثة هي، في واقع الحال، حالة ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالرأسماليّة والاستعمار، وتنظر إلى الشعوب المستعمرة باعتبارها شعوبًا متخلّفة وغير متحضّرة، ينبغي نقلها من تلك الحالة إلى حالة "التقدّم" و"الحضارة" عبر خرطها في النظام العالمي للرأسماليّة المعاصرة. المثقف، لهذا، يحتقر مجتمعه، ولا يعتبر أن هذا المجتمع المتخلّف هو منطلق التغيير، لذا، فهو لا يجد لنفسه طريقًا لتغيير المجتمع إلا من خلال التعليم والقوانين، وهو ما يظنّه سيتمّ من خلال توسّل من هم في السلطة، وهؤلاء معنيّون لا بتطوير المجتمع بل بالبقاء في السلطة، وهكذا ينتهي الأمر بالمثقف موظّفًا عند السلطة، وبوقًا فارغًا لمشروع حداثة لم ولن يتحقّق عن طريقها"، يتحدث المؤلف عن بعض المواقف التي أجبرته على إعادة صياغة بعض فصول.

و يرى البستاني في إجابة على سؤال اختيار الوقت الحالي كموعد لإطلاق الكتاب بأن الكيانات الوظيفية يقدم التفسيرات النظرية الملائمة للحالة التي تعيشها الدول العربية، من خلال تقديم التفسيرات المناسبة لتجيب عن سؤال: "لماذا حدث ما حدث، وما يزال يحدث، لهذه الدول؟" ويعتبر أن مفهوم الكيانات الوظيفية مكتملٌ نظريًّا لزمننا الرّاهن، حيث إن الدلائل التي استند إليها راهنة وحقيقية، والنظريّة التي يشتقّها منها قادرة على تفسير الظواهر ذات العلاقة.

تم اختيار اسم الكتاب بعد الإنتهاء بشكل كامل من فصوله حسب المؤلف، ليعبّر بشكل مكثّف عن الأطروحة الرئيسيّة في الكتاب، وتمّ اختيار عنوان فرعيّ أوسع للكتاب، هو: حدود الممارسة السياسيّة في المنطقة العربيّة ما بعد الاستعمار، ليشمل العنوان الفرعي مساحة أوسع من مساحات البحث، وأخيرًا، حظي كلّ جزءٍ من جزئي الكتاب بعنوان فرعيّ منفصل يوضّح محتوى كل جزء. فالجزء الأول جاء تحت عنوان: "في الفرق بين الدولة والكيان الوظيفي: الجذور، الهوية، التبعيّة"، وهو الجزء الذي يتم الاشتباك فيه مع تعريفات للدولة قدّمها ماكس فيبر و أنطونيو جرامشي، ومن خلال هذا الاشتباك تم اشتقاق مفهوم الكيان الوظيفي؛ أما الجزء الثاني فجاء تحت عنوان: "الأزمة التاريخية في مواجهة السلطة: التيارات السياسية، وآليات استدامة السيطرة"، وفيه يتم تقديم نقد للتيارات السياسية المعاصرة في المنطقة العربية، والآليات التي تستخدمها السلطة لاحتوائها وتوظيفها.

ـ هل مصطلح الكيانات الوظيفية مبتدع؟ـ

يؤكد المؤلف أن مصطلح الكيانات الوظيفية ليس مبتدعًا على الإطلاق، حيث إنه موجود ويستخدم على مستوى المنطقة العربية في سياق الذم أو الشتم غالبًا، ودون تأسيس معرفي لما يعنيه بالتحديد. لكن البستاني يشير إلى أن المبتدع هنا هو صياغة مفهوم معرفيّ يدلّ عليه المصطلح، ومقارنته بمفهوم "الدولة"، وتوضيح الفروق بينهما.

كما يشير المؤلف إلى أن مصطلح الكيانات الوظيفية قوي وعميق كتوصيف، لذلك استغله بوضع التأسيس المعرفي ليأخذ معنى محددًا وواضحًا، خصوصًا وإن المصطلح التقليدي للكيان الوظيفي يلغي فاعلية المجموعة الحاكمة، لكن البحث الوارد في الكتاب يؤكّد فاعليّتها المدفوعة بـ"البقاء"، سواءً داخليًّا أو خارجيًّا، خصوصًا فيما يتعلّق بابتداع أدوار وظيفية جديدة تمكّنها من الاستمرار في ظلّ المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة، أو مقاومة إلغاء أدوارها الوظيفيّة السابقة.

ـ كيف استقبلت النخب السياسية كتاب الكيانات الوظيفة؟ ـ

بعد اطلاق كتاب الكيانات الوظيفية في شهر آذار الماضي؛ يقول البستاني إنه أخذ صدىً غير مسبوق، وتمت قراءته من قبل سياسيين وحزبيين وحراكيين بل وحتى من نخب داخل السلطة، وإن التغذية الراجعة جاءت في إطار إيجابي لناحية اعتباره إضافة مهمة للمكتبة الفكريّة العربيّة، خصوصًا – كما أشار المعلّقون- إلى أن التحليل أخذ طابعًا عميقًا لاستناده على مراجع ودلائل عززت قوة الطرح، فيما افتقر المشهد للاشتباك الفكري الجديّ مع الأطروحة لغاية اللحظة، وهذا برهان جزئي على فقر المشهد الفكريّ المعاصر في المنطقة العربية، وانعدام حيويته، وانضوائه ـ عمومًا- تحت سيطرة السلطة.

ـ حال القطاع الثقافي وأسباب تعطيل إشهار الكيانات الوظيفية ـ

يرى المؤلف أن السطلة اخترقت غالبية القطاعات، وعلى رأسها القطاع الثقافي، حيث ألحق بالقرار السياسي والأمني، مما جعل المشهد الثقافي منفصمًا بين دور نقديّ متخيّل، وواقع ملتحق قائم، جاعلًا من القرار الثقافي مرتهنًا لعقليّة داخليّة خائفة ومرعوبة تراقب نفسها أكثر من رقابة الأجهزة الأمنية.

"كما أن الجوائز والتنفيعات والأموال التي أصبحت السلطات تضخها في القطاعات الثقافية العربية، حولت المفكرين والكتاب إلى متسولين، إذ صار أغلبهم يتجنب النقد والإشتباك الفكري بقصد المحافظة على ود الجميع في السلطة، والحفاظ على إمكانية الحصول على الجوائز والاعتراف والشهرة"، وفق البستاني.

وعن قرارت تعطيل إشهار الكتاب، يؤكد البستاني أن المحرض على تعطيل الإشهار هو الجهاز الثقافي الأردني، ممثلًا في إدارة المركز الثقافي الملكي ووزارة الثقافة التي يتبع لها المركز، لا سيما وأن الكتاب مجاز من قبل دائرة المطبوعات والنشر وموجود في الأردن منذ شهر آذار الماضي، وقد تم عقد خمسة أنشطة نقاشيّة وحواريّة عامّة له في عمّان وإربد دون ان يعترض أحد.

ويضيف "قبل حفل إشهار الكيانات الوظيفية بفترة قصيرة جدًّا، قام مدير المركز الثقافي الملكي بطلب نسخة من الكيانات الوظيفية من الناشر. وبحسب ما تسرّب من معلومات، فإن المدير صار يريد إلغاء حفل الإشهار، وتوافق مع وزارة الثقافة على إلقاء مهمة المنع في حضن محافظ العاصمة عن طريق اشتراط حصولي على موافقة (لن تأتي) من المحافظ، وبهذا يكون هذا الأخير قد استخدم لتحقيق رغبة الجهاز الثقافي نفسه في منع الفعالية، ولإبعاد اللوم عن الجهاز الثقافي بعد ان وافق هذا الجهاز ابتداءً على عقد الحفل؛ وهذه مفارقة عجيبة يموضع فيها الجهاز الثقافي نفسه على يمين الجهاز الأمنيّ، ويمارس على الثقافة التي يفترض فيه أن يرعاها وينميها ويحتضنها قمعًا هو أكبر من قمع الجهاز الأمنيّ؛ بينما أثبت الجهاز الثقافي أنه مرعوب، لذا تطوّع بتقديم بلاغ عن الكتاب ليحمي نفسه، ودون أن يعنيه أن الكتاب مجاز من قبل دائرة المطبوعات والنشر منذ بداية هذا العام، وأن أنشطة عدّة عقدت للكتاب دون أن يعترضها أحد؛ لذلك اعتقد أن الجهاز الثقافي طبق بشكل حرفي مضمون كتاب الكيانات الوظيفية، وعزّز ما ورد فيه من أطروحات كدليل إضافيّ عليها".

وعن إصراره على إشهار الكيانات الوظيفية من الأردن، وفي المراكز الثقافية الأردنية؛ يقول البستاني إن الكتاب يناقش قضايا تخصّ المجتمع والسياسة في الأردن، وإن كان يتوسّع إلى ما حولها وبعدها ليشمل المنطقة العربيّة عمومًا؛ إلى جانب أن المراكز الثقافية هي منشآت شيدت من أموال دافعي الضرائب، والمدراء والموظفون الذين يعملون فيها يقبضون رواتبهم من جيب المواطن الأردني، لذلك فمن حق المواطنين والفاعلين الثقافيين أن يستخدموا هذه المنشآت للأغراض التي أنشأت لأجلها بحريّة.

ويعتقد البستاني أن تعطيل إشهار الكتاب قدم له زخمًا إعلانيًا، فانتشر صيته حتى وصل لغير المهتمين، وهذه دلالة على تناقض مهمة الرقيب.

ـ كيف نجحت، وأين فشلت، مبادرة حملة غاز العدو إحتلال؟ ـ

وفي سياق أخر؛ بين البستاني الذي يشغل موقع المنسق العام للحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني، المعروفة بحملة غاز العدو احتلال أن الحملة جاءت في لحظة تاريخية تمثلت بتفكك كامل للقوى السياسة الأردنية على خلفية الإنتفاضات العربية التي أدت لتناحر شديد بين مكوناتها، لحظة مثّلت نجاحًا للسلطة في المزيد من إقصاء وتهميش واحتواء المجتمع المدني (بالمعنى الجرامشيّ، وفيه يعتبر المجتمع المدنيّ هو مجمل الوجود السياسي الخاص غير التابع مباشرة للسلطة، كالأحزاب، والنقابات، والهيئات الإجتماعية، والمؤسسات الصحفية)، لذلك جاءت حملة غاز العدو إحتلال لتوحيد القوى المجتمعية بأطيافها المختلفة في اتجاه الإجماع على هدف مركزيّ وهام، يعيد تقاليد العمل السياسي الجماعيّ الذي يؤدّي إلى إنضاج السياق المجتمعيّ والوصول إلى حالة المجتمع المسيّس الذي تعمل السلطة لتصفيته بشكل مستمرّ.

أما النجاح الثاني ـ حسب البستاني ـ فتمثل في محاولة اشتقاق مساحة سياسية للعمل خارج إطار سيطرة السلطة، فالحملة لم تطلب ترخيصًا، وهي ليست هيئة مسجلة، وتشتق فعاليتها وشرعيّتها ووجودها من نشاطها وتفاعلها مع الشارع، فيما يكمن النجاح الثالث للحملة في قدرتها على ربط القضية الخاصة "اتفاقية استيراد الغاز من العدو الصهيوني" بمجمل القضايا العامة "كالبطالة والتبعية والفساد وعدم وجود تنمية اقتصادية وتفضيل استثمار الأموال خارج الأردن والإستعمار الإستيطاني"، وتحويلها إلى قضية رأي عام.

ويشير البستاني في ختام حديثه إلى أن الحملة وإن كانت قد فشلت في هدفها بجعل السلطة تعدل عن اتفاقية الغاز مع الإحتلال الصهيوني، لكنها نجحت نجاحًا باهرًا في تسليط الضوء على هذه الإتفاقية من خلال الإعلان الفوري للشارع بالخطوات التي تفذتها ليبقى على اطٍلاع دائم بالمستجدات، وتمكينه من التفاصيل والمعلومات والحقائق، كما أنشأت ائتلافًا واسعًا مناهضًا للاتفاقية من مختلف الأطياف والاعتناقات الفكرية، وأبقت الفعالية السياسيّة للمواطنين قائمة ومستمرّة ومفتوحة على الاحتمالات والامكانات المستقبليّة.