علي السنيد يكتب: حديث الفساد في الطبقة العليا في الأردن
يقولون أن الفساد في الأردن ليس منظما، ولا مستشريا، ولم يأخذ صفة الشمولية على مستوى الإدارة الأردنية، وإنما يعبر عن حالات فردية، وكذلك لم يتخذ صفة تهديد الناس في حياتهم، وأرزاقهم، بالرغم من وصول الفساد حتى الأكشاك التي أعطيت للفقراء في أمانة عمان ذات يوم، والتي وزع بعضها على الواسطة، والواسطة هي عمليا فساد مقبول اجتماعيا تعمل ضد الفقراء، حيث الفقراء غالبا لا واسطة لهم.
والترقيات في الوزارات، والمؤسسات الأمنية لا تراعي الكفاءة والاقتدار وإنما تخضع لتدخلات السياسيين في الطبقة لصالح فلان، وضد علان، مما وضع موازين الظلم في الإدارات الأردنية فتجد أن حظوظ الأذكياء، ومن يعطون أكثر معدومة وارتقى الأغبياء إلى الصفوف الأولى حتى لننسجم مع شعار الدولة في العالم الثالث التي يحكمها الأغبياء، ولذا يكون شعار الإصلاح الإداري واجبا في هذه الحالة.
وبيوت الفقراء وزعت على الواسطة تلك الآفة التي امتدت الى موظفي دوائر الأراضي الذين تغيرت بهم الأحوال، وطالت الرشاوي بعض مديريات الأمن العام، ووزراء سابقون لم يمض احدهم صرف سنة واحدة - وفقا للعمر الافتراضي للحكومات الأردنية- فيخرج وعنده بيت بمليون دينار، ومزرعة بعدة آلاف من الدونمات من أراضي الدولة، ويتم زراعتها بمساعدة موظفي مديرية الزراعة التابعة لمنطقته، ويصار إلى إيصال الشارع لها بخلطة إسفلتية مميزة وإضاءتها على رؤوس الجبال في حين تفشل عشرات القرى البائسة في إقناع الحكومات بحاجتها إلى البنية التحتية، ومنها الماء الذي ما تزال محرومة منه قرى أردنية تسقى بصهاريج مديريات المياه.
ومضى الفساد من الخط المدني الذي شمل المؤسسات المستقلة، والمديريات والوزارات إلى حد تأسيس شركات خاصة بالمؤسسة الامنية التي كان يجب أن تكون سمعتها بعيدة عن التلاعب بها والى ذلك يقول رئيس وزراء اسبق أنهم يقترحون على جلالة الملك المشاريع وهو يبادر إلى إعطائهم الموافقة إلى أن يظهر الخلل، وتجد الفاسد يحتمي من خلال وجود تواقيع كثيرة على أعماله تطال شخصيات كبيرة مما يحول دون فتح الملف خوفا من انتشار الفضيحة، وقد شارك بالفساد بعض مدراء المخابرات العامة، وتم تحويل احدهم إلى القضاء وحوكم اسميا.
والى ذلك أصبحت رائحة الفساد تزكم أنوف الملايين في الدولة، وذلك بالرغم من القوانين التي تمنع نشر قصص الفساد أو تداولها إعلاميا، فضلا عن تعطل قانون (من أين لك هذا) الذي اقترحته حكومة الرئيس احمد عبيدات وتم تجميده في أكثر من مجلس نيابي، ليستبدل بقانون إبراء الذمة المالية، إلا أن حديث الفساد توسع، وباتت عملية بيع المؤسسات العامة بأسعار زهيدة مادة دسمة لاتهام الدولة بالفساد، ذلك أن القيمة الدفترية التي بيعت بها المؤسسات والأراضي لا يعقل أن تتطابق والقيمة الحقيقية لها ، فلا يكاد احد يصدق أن إعطاء رخصة شركة أمنية مثلا بعدة ملايين من الدنانير لتباع بعد سنة بمئات الملايين، وهذه مسطرة يمكن أن يقاس عليها بيوعات المؤسسات العامة بدء من شركة الاتصالات، و شركة البوتاس العربية وشركة الاسمنت ، وشركة الكهرباء، وميناء العقبة، والملكية الأردنية، وليس انتهاء بأراضي العبدلي والقيادة العامة . فلا بد أن هنالك عمولات ، وسمسرة سهلت تحويل كل أو نسبة من هذه المؤسسات العامة التي أنتجها الشعب الأردني عبر عشرات السنين إلى أملاك خاصة ولشركاء أجانب، وقد جاءت في سياق ما أطلق عليها سياسة الخصخصة، وتسهيلات جذب الاستثمار الأجنبي، وقد اقتضت مثل هذه العملية الكبيرة من التحول الاقتصادي الا تخضع للرقابة الشعبية كونها تتعلق بعملية مالية كبرى فجرى تفصيل مجالس نيابية وفق قوانين انتخابية سيئة لاستخراج نوعية نيابية غير قادرة على ممارسة الرقابة الشعبية على عملية الحكم، وقد أسفرت هذه العملية عن تخسير الشعب الأردني مؤسساته العامة وإثراء آلالاف من خلفها رغم ما يقال أن الاتهامات التي تلقى اعتباطا على الشخصيات العامة لا تجد لها دليلا يذكر وأنا هنا أورد بعض أقوال مسؤولين سابقين في هذا الصدد – مع التحفظ عن ذكر اسمائهم - فقد جمعني لقاء مع احد رؤساء الديوان الملكي، وقد استفزته إشارة أبديتها لاتهامات تطاله بفساد برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي والذي يقال انه كلف الدولة الأردنية نحو اربعمائة مليون دينار ، وبالمناسبة هذا البرنامج عني بعمل مشاريع مناطقية تبعا للرغبة الملكية بتنمية الريف والقرى وما يطلق عليها اليوم بالهوامش، فعملت مشاريع تتناقض مع الطبيعة الإنتاجية للمناطق المراد تنميتها وتمكن البرنامج من أن يلحق الفشل التنموي بالريف الأردني فقد كانت المشاريع على شاكلة هزلية من مثل زراعة فستق حلبي في قرية برزا بلواء ذيبان مكلفا ربع مليون دينار، ومشاريع زراعة الورد، وتربية النعام بمئات الآلاف الدنانير لكل مشروع، والتي لم ينجح منها مشروع واحد، وقد وصل حد التلاعب بالرغبة الملكية أن مشروعا من هذه المشاريع – كما اخبرني موظف مسؤول في حينه - دعي جلالة الملك لافتتاحه وكان بئرا ارتوازيا في إحدى المناطق طلب جلالته حفره لتحويلها إلى الزراعة المروية قال لي الموظف "لقد تم بناء فوهة تشبه فوهة البئر الارتوازي وماسورة قامت بإخراج الماء حالما فتحها جلالة الملك، وهي في الأساس ماسورة عادية تم إيصالها للموقع من مكان قريب ولم يكن هنالك بئرا ارتوازيا ولا غيره". اشتط معالي رئيس الديوان وقال : "أنا يتهموني بالفساد يدوروا على فلان الذي سرق اربعمائة مليون من الموازنة"، وكان المقصود احد اعلام السياسة والذي شغل رئيسا للوزراء لمرتين، ورئيس مجلس أعيان.
وهذا الرئيس المقصود لا يخفى أن والده الرئيس من قبله مات مديونا للبنك العربي، وهو لم يرث عن أهله شيئا، وعمل طوال حياته في الحياة العامة، وفعلا تبلغ ثروته مئات الملايين، وقد كادت لجنة محاربة الفساد في برلمان 89 أن تودي به إلى السجن إلا أن ما جرى أن رئيس اللجنة دخل السجن وحكم بالإعدام، ونجا هو من أي محاسبة. ومما يشاع حوله على لسان مسؤولين سابقين أيضا انه إبان توليه زمام المسؤولية التنفيذية في الثمانينات من القرن الماضي في آخر حكومة شكلها زار المملكة العربية السعودية وعاد، وكانت السعودية تعطي الأردن بعض المساعدات دون أن تعلن عن ذلك بشكل رسمي كون السودان كان يطلب مساعدتها، وكذلك الصومال ، وبعد مدة قام الملك الراحل الحسين بزيارة إلى السعودية فاخبره الملك الراحل فهد بن عبد العزيز بمنحه قدمتها السعودية للأردن ومقدارها خمسة ملايين دينار، وهو ما كشف عن إخفاء رئيس الوزراء آنذاك لها وهذا ما أدى إلى إقالته في غضون ثورة شعبية نادت بذلك.
ولا شك أن فسادا شاب منح النفط العراقية، وكذلك منحة النفط الكويتية، وعطاءات أمانة عمان وتحويل المشاريع إلى شركات زوجات الأمناء، فضلا عن ملف وزارة التموين التي كانت تحتكر 80 مادة غذائية تمنع التجار من استيرادها، وتحصل على سبعين مليون في الموازنة – آنذاك- كدعم لهذه المواد المربحة والتي كانت تدر دخلا بمئات الملايين على جهات غير مرئية.
والوزراء الذين اثروا وبنو القصور معروفون لكل أردني ومن ذلك أن بيت رئيس ديوان ملكي اسبق في دابوق بيع بمبلغ 9 ملايين دولار كما ورد على لسان الجهة التي قامت بشرائه، وهو لم يأت في إطار الهدايا والبيوت التي وزعت على مسؤولين سابقين في الدولة ومنها بعض القصور التي ارتبط أسماء أصحابها بها، وبيوت حصلت عليها المدلكات ، وبعض العاملين في القصر إلا أن رئيس وزراء اسبق – معروف بنزاهته- اخبرني أن هذا المسؤول الذي تطارده تهم الفساد - أي صاحب البيت- أجرى صفقة بين السعودية والإمارات وحصل بموجبها على مبلغ 60 مليون دينار.
والفساد يندرج إلى استغلال المنصب، والنفوذ والذي يبدأ من حظوة السكرتيرة، ومدراء المكاتب والمحاسيب والأقرباء والشلل، وسفرات الموظفين ومياوماتهم، والعقود، والمستشارين وصولا إلى توريث الأبناء، أو تعينهم بالمؤسسات المستقلة براتب يزيد عن الفي دينار شهريا منذ التخرج، ناهيك عن إجراء الصفقات وقد اخبرني وزير زراعة اسبق أن ضغوطا مورست عليه من فوق لصالح السماح لاحد الاشراف بإتمام صفقة تتمثل بإدخال أغنام من العراق تقدر ب 27 ألف رأس لإعادة تصديرها لحسابه لإحدى دول الخليج رغم عدم مطابقتها لشروط الإدخال إلى الأراضي الأردنية، وإمكانية نقلها أوبئة إلى قطاع الثروة الحيوانية الأردنية، وفعلا جرت الصفقة وربح فيها سيادته عشرات الملايين. ومن الفساد تحويل عطاءات المشاريع الخاصة بالدولة إلى شركات بعض الوزراء ومنها مشروع سكن كريم.
إما فساد حملات الخير والبر فهي معروفة لدى من يعملون بهذا الإطار والرؤوس الكبيرة التي كانت تستفيد منها.
واختم بهذه القصة التي اطلعت عليها بنفسي ومفادها أن حارس مركز اجتماعي في إحدى القرى البائسة، وكان يعمل براتب ربما يقل عن 150 دينارا ، وكانت إحدى ابنتيه الصغيرتين قدمت إلى مكان عمله مع أمها، وبدون الانتباه لها تستولي الصغيرة على لعبة بقيمة عشرين دينارا، وعند فقدان اللعبة التي هي أملاك رسمية يتم إبلاغ الشرطة بعد أن حامت الشكوك حول الحارس الذي أنكر سرقتها وفعلا يحدث مداهمة لبيته المستأجر والذي لا يزيد عن غرفتين ومرحاض، ويتم إلقاء القبض عليه متلبسا باللعبة ويجري تحويله إلى القضاء، ويقضي عدة ليالي في السجن حتى تكفيله، ثم يخضع للمحاكمة، ويصدر الحكم بسجنه سنة مع وقف التنفيذ نظرا لتوسلات أهله وزوجته المسكينة، ويخرج من القضية فاقدا وظيفته، وسمعته بين الناس.
وقد استجداني احد الآباء أن اكتب قضية ابنه الذي تمكن من الحصول على تعيين رسمي إلا أن قيدا لدى إدارة المعلومات الجنائية في الأمن العام يمنعه من العمل وذلك على خلفية اتهامه وهو قاصر بسرقة "زوجي حمام" من خم جارهم، والذي أوصلها للمخفر، وظلت قيدا في حق ابنه الذي توقف مستقبله بسبب هذا القيد.
((ملاحظة تم التحفظ على الأسماء الواردة في التحقيق الصحفي نظرا لحساسية الموضوع ، وحتى لا نؤذي مسؤولين ابدوا صراحتهم في الحوار معنا ، وليس مرد ذلك الخوف من المادة 23 من قانون هيئة مكافحة الفساد)).
علي السنيد
والترقيات في الوزارات، والمؤسسات الأمنية لا تراعي الكفاءة والاقتدار وإنما تخضع لتدخلات السياسيين في الطبقة لصالح فلان، وضد علان، مما وضع موازين الظلم في الإدارات الأردنية فتجد أن حظوظ الأذكياء، ومن يعطون أكثر معدومة وارتقى الأغبياء إلى الصفوف الأولى حتى لننسجم مع شعار الدولة في العالم الثالث التي يحكمها الأغبياء، ولذا يكون شعار الإصلاح الإداري واجبا في هذه الحالة.
وبيوت الفقراء وزعت على الواسطة تلك الآفة التي امتدت الى موظفي دوائر الأراضي الذين تغيرت بهم الأحوال، وطالت الرشاوي بعض مديريات الأمن العام، ووزراء سابقون لم يمض احدهم صرف سنة واحدة - وفقا للعمر الافتراضي للحكومات الأردنية- فيخرج وعنده بيت بمليون دينار، ومزرعة بعدة آلاف من الدونمات من أراضي الدولة، ويتم زراعتها بمساعدة موظفي مديرية الزراعة التابعة لمنطقته، ويصار إلى إيصال الشارع لها بخلطة إسفلتية مميزة وإضاءتها على رؤوس الجبال في حين تفشل عشرات القرى البائسة في إقناع الحكومات بحاجتها إلى البنية التحتية، ومنها الماء الذي ما تزال محرومة منه قرى أردنية تسقى بصهاريج مديريات المياه.
ومضى الفساد من الخط المدني الذي شمل المؤسسات المستقلة، والمديريات والوزارات إلى حد تأسيس شركات خاصة بالمؤسسة الامنية التي كان يجب أن تكون سمعتها بعيدة عن التلاعب بها والى ذلك يقول رئيس وزراء اسبق أنهم يقترحون على جلالة الملك المشاريع وهو يبادر إلى إعطائهم الموافقة إلى أن يظهر الخلل، وتجد الفاسد يحتمي من خلال وجود تواقيع كثيرة على أعماله تطال شخصيات كبيرة مما يحول دون فتح الملف خوفا من انتشار الفضيحة، وقد شارك بالفساد بعض مدراء المخابرات العامة، وتم تحويل احدهم إلى القضاء وحوكم اسميا.
والى ذلك أصبحت رائحة الفساد تزكم أنوف الملايين في الدولة، وذلك بالرغم من القوانين التي تمنع نشر قصص الفساد أو تداولها إعلاميا، فضلا عن تعطل قانون (من أين لك هذا) الذي اقترحته حكومة الرئيس احمد عبيدات وتم تجميده في أكثر من مجلس نيابي، ليستبدل بقانون إبراء الذمة المالية، إلا أن حديث الفساد توسع، وباتت عملية بيع المؤسسات العامة بأسعار زهيدة مادة دسمة لاتهام الدولة بالفساد، ذلك أن القيمة الدفترية التي بيعت بها المؤسسات والأراضي لا يعقل أن تتطابق والقيمة الحقيقية لها ، فلا يكاد احد يصدق أن إعطاء رخصة شركة أمنية مثلا بعدة ملايين من الدنانير لتباع بعد سنة بمئات الملايين، وهذه مسطرة يمكن أن يقاس عليها بيوعات المؤسسات العامة بدء من شركة الاتصالات، و شركة البوتاس العربية وشركة الاسمنت ، وشركة الكهرباء، وميناء العقبة، والملكية الأردنية، وليس انتهاء بأراضي العبدلي والقيادة العامة . فلا بد أن هنالك عمولات ، وسمسرة سهلت تحويل كل أو نسبة من هذه المؤسسات العامة التي أنتجها الشعب الأردني عبر عشرات السنين إلى أملاك خاصة ولشركاء أجانب، وقد جاءت في سياق ما أطلق عليها سياسة الخصخصة، وتسهيلات جذب الاستثمار الأجنبي، وقد اقتضت مثل هذه العملية الكبيرة من التحول الاقتصادي الا تخضع للرقابة الشعبية كونها تتعلق بعملية مالية كبرى فجرى تفصيل مجالس نيابية وفق قوانين انتخابية سيئة لاستخراج نوعية نيابية غير قادرة على ممارسة الرقابة الشعبية على عملية الحكم، وقد أسفرت هذه العملية عن تخسير الشعب الأردني مؤسساته العامة وإثراء آلالاف من خلفها رغم ما يقال أن الاتهامات التي تلقى اعتباطا على الشخصيات العامة لا تجد لها دليلا يذكر وأنا هنا أورد بعض أقوال مسؤولين سابقين في هذا الصدد – مع التحفظ عن ذكر اسمائهم - فقد جمعني لقاء مع احد رؤساء الديوان الملكي، وقد استفزته إشارة أبديتها لاتهامات تطاله بفساد برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي والذي يقال انه كلف الدولة الأردنية نحو اربعمائة مليون دينار ، وبالمناسبة هذا البرنامج عني بعمل مشاريع مناطقية تبعا للرغبة الملكية بتنمية الريف والقرى وما يطلق عليها اليوم بالهوامش، فعملت مشاريع تتناقض مع الطبيعة الإنتاجية للمناطق المراد تنميتها وتمكن البرنامج من أن يلحق الفشل التنموي بالريف الأردني فقد كانت المشاريع على شاكلة هزلية من مثل زراعة فستق حلبي في قرية برزا بلواء ذيبان مكلفا ربع مليون دينار، ومشاريع زراعة الورد، وتربية النعام بمئات الآلاف الدنانير لكل مشروع، والتي لم ينجح منها مشروع واحد، وقد وصل حد التلاعب بالرغبة الملكية أن مشروعا من هذه المشاريع – كما اخبرني موظف مسؤول في حينه - دعي جلالة الملك لافتتاحه وكان بئرا ارتوازيا في إحدى المناطق طلب جلالته حفره لتحويلها إلى الزراعة المروية قال لي الموظف "لقد تم بناء فوهة تشبه فوهة البئر الارتوازي وماسورة قامت بإخراج الماء حالما فتحها جلالة الملك، وهي في الأساس ماسورة عادية تم إيصالها للموقع من مكان قريب ولم يكن هنالك بئرا ارتوازيا ولا غيره". اشتط معالي رئيس الديوان وقال : "أنا يتهموني بالفساد يدوروا على فلان الذي سرق اربعمائة مليون من الموازنة"، وكان المقصود احد اعلام السياسة والذي شغل رئيسا للوزراء لمرتين، ورئيس مجلس أعيان.
وهذا الرئيس المقصود لا يخفى أن والده الرئيس من قبله مات مديونا للبنك العربي، وهو لم يرث عن أهله شيئا، وعمل طوال حياته في الحياة العامة، وفعلا تبلغ ثروته مئات الملايين، وقد كادت لجنة محاربة الفساد في برلمان 89 أن تودي به إلى السجن إلا أن ما جرى أن رئيس اللجنة دخل السجن وحكم بالإعدام، ونجا هو من أي محاسبة. ومما يشاع حوله على لسان مسؤولين سابقين أيضا انه إبان توليه زمام المسؤولية التنفيذية في الثمانينات من القرن الماضي في آخر حكومة شكلها زار المملكة العربية السعودية وعاد، وكانت السعودية تعطي الأردن بعض المساعدات دون أن تعلن عن ذلك بشكل رسمي كون السودان كان يطلب مساعدتها، وكذلك الصومال ، وبعد مدة قام الملك الراحل الحسين بزيارة إلى السعودية فاخبره الملك الراحل فهد بن عبد العزيز بمنحه قدمتها السعودية للأردن ومقدارها خمسة ملايين دينار، وهو ما كشف عن إخفاء رئيس الوزراء آنذاك لها وهذا ما أدى إلى إقالته في غضون ثورة شعبية نادت بذلك.
ولا شك أن فسادا شاب منح النفط العراقية، وكذلك منحة النفط الكويتية، وعطاءات أمانة عمان وتحويل المشاريع إلى شركات زوجات الأمناء، فضلا عن ملف وزارة التموين التي كانت تحتكر 80 مادة غذائية تمنع التجار من استيرادها، وتحصل على سبعين مليون في الموازنة – آنذاك- كدعم لهذه المواد المربحة والتي كانت تدر دخلا بمئات الملايين على جهات غير مرئية.
والوزراء الذين اثروا وبنو القصور معروفون لكل أردني ومن ذلك أن بيت رئيس ديوان ملكي اسبق في دابوق بيع بمبلغ 9 ملايين دولار كما ورد على لسان الجهة التي قامت بشرائه، وهو لم يأت في إطار الهدايا والبيوت التي وزعت على مسؤولين سابقين في الدولة ومنها بعض القصور التي ارتبط أسماء أصحابها بها، وبيوت حصلت عليها المدلكات ، وبعض العاملين في القصر إلا أن رئيس وزراء اسبق – معروف بنزاهته- اخبرني أن هذا المسؤول الذي تطارده تهم الفساد - أي صاحب البيت- أجرى صفقة بين السعودية والإمارات وحصل بموجبها على مبلغ 60 مليون دينار.
والفساد يندرج إلى استغلال المنصب، والنفوذ والذي يبدأ من حظوة السكرتيرة، ومدراء المكاتب والمحاسيب والأقرباء والشلل، وسفرات الموظفين ومياوماتهم، والعقود، والمستشارين وصولا إلى توريث الأبناء، أو تعينهم بالمؤسسات المستقلة براتب يزيد عن الفي دينار شهريا منذ التخرج، ناهيك عن إجراء الصفقات وقد اخبرني وزير زراعة اسبق أن ضغوطا مورست عليه من فوق لصالح السماح لاحد الاشراف بإتمام صفقة تتمثل بإدخال أغنام من العراق تقدر ب 27 ألف رأس لإعادة تصديرها لحسابه لإحدى دول الخليج رغم عدم مطابقتها لشروط الإدخال إلى الأراضي الأردنية، وإمكانية نقلها أوبئة إلى قطاع الثروة الحيوانية الأردنية، وفعلا جرت الصفقة وربح فيها سيادته عشرات الملايين. ومن الفساد تحويل عطاءات المشاريع الخاصة بالدولة إلى شركات بعض الوزراء ومنها مشروع سكن كريم.
إما فساد حملات الخير والبر فهي معروفة لدى من يعملون بهذا الإطار والرؤوس الكبيرة التي كانت تستفيد منها.
واختم بهذه القصة التي اطلعت عليها بنفسي ومفادها أن حارس مركز اجتماعي في إحدى القرى البائسة، وكان يعمل براتب ربما يقل عن 150 دينارا ، وكانت إحدى ابنتيه الصغيرتين قدمت إلى مكان عمله مع أمها، وبدون الانتباه لها تستولي الصغيرة على لعبة بقيمة عشرين دينارا، وعند فقدان اللعبة التي هي أملاك رسمية يتم إبلاغ الشرطة بعد أن حامت الشكوك حول الحارس الذي أنكر سرقتها وفعلا يحدث مداهمة لبيته المستأجر والذي لا يزيد عن غرفتين ومرحاض، ويتم إلقاء القبض عليه متلبسا باللعبة ويجري تحويله إلى القضاء، ويقضي عدة ليالي في السجن حتى تكفيله، ثم يخضع للمحاكمة، ويصدر الحكم بسجنه سنة مع وقف التنفيذ نظرا لتوسلات أهله وزوجته المسكينة، ويخرج من القضية فاقدا وظيفته، وسمعته بين الناس.
وقد استجداني احد الآباء أن اكتب قضية ابنه الذي تمكن من الحصول على تعيين رسمي إلا أن قيدا لدى إدارة المعلومات الجنائية في الأمن العام يمنعه من العمل وذلك على خلفية اتهامه وهو قاصر بسرقة "زوجي حمام" من خم جارهم، والذي أوصلها للمخفر، وظلت قيدا في حق ابنه الذي توقف مستقبله بسبب هذا القيد.
((ملاحظة تم التحفظ على الأسماء الواردة في التحقيق الصحفي نظرا لحساسية الموضوع ، وحتى لا نؤذي مسؤولين ابدوا صراحتهم في الحوار معنا ، وليس مرد ذلك الخوف من المادة 23 من قانون هيئة مكافحة الفساد)).
علي السنيد