الدكتور فؤاد محيسن يكتب.. في التنمية الانسانية نحو خلق الفرص للأجيال القادمة
أخبار البلد-
تكمن الثروة الحقيقية للأمة، في ناسها ـ نساءً ورجالاً وأطفالاًـ هم أمل الأمة كما هم ثروتها.
وتحرير هؤلاء الناس من الحرمان بجميع اشكاله، وتوسيع قاعدة خياراتهم، لا بد وان يكون محور التنمية.
واذا كانت لعنة الفقر هي حرمان من الخيارات والفرص وتدني في نوعية الحياة؛ فان الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، اكثر استشراءً من فقر الدخل.
وحينما نتطلع الى المستقبل، نجد ان هناك الكثير مما يجب عمله لتمكين الناس من المشاركة الكاملة في عالم متسارع في التغيير. وقد شرعت العولمة والتقدم الثقافي المتسارع ابواباً وفرصاً غير مسبوقة. ولكنهما يطرحان ايضاً تحدياً جديداً يتمثل في خطر التخلف عن ركب التغيرات التي تتلاحق بتسارع يتجاوز القدرات. وقد اكتسبت التنمية معاني وابعاداً جديدة بشأن اسواق عالمية جديدة ( مثل اسواق الصرف واسواق رأس المال) ، وادوات جديدة مثل ( شبكة الانترنت والهواتف الجوالة) ، وفاعلين جدد مثل (منظمة التجارة العالمية) ، وقواعد جديدة مثل ( الاتفاقيات متعددة الاطراف المتعلقة بالخدمات والملكية الفكىية).
التحديـــــات
يواجه الناس في هذا العالم المتسارع، جملة من التحديات لتحقيق السلام والتنمية. في مقدمتها السعي للتحرر من الخوف، والتحديات التي تجابه مسيرة التحرر من الفقر والعوز. وهذه هي التحديات الحقيقية التي يواجهها الناس والمجتمع للنهوض بالتنمية الانسانية. وهذه التحديات اساسية ليس لما لها من اهمية في التنمية والنمو فحسب ، بل لقيمتها في حد ذاتها. فالعدل والمساواة والمعرفة وحقوق الانسات ضرورية لدورها الحاسم في التمكين لتحقيق التنمية . فهي في الوقت ذاته غايات ووسائل. وهي محورية لضمان استمرار التنمية الانسانية.
ورغم ان العقود الخمسة الماضية شهدت تقدما ملموسا على صعيد تمكين البشر وتخفيض حدة الفقر، الا ان الطريق نحو معالجة تركة الحرمان البشري وتحقيق العدالة الاجتماعية واعلاء الشأن العام وتوفير خيارات اجتماعية وفرص اقتصادية للأجيال الحاضرة وأجيال المستقبل ما زال طويلا. وهذه عناصر تحتاجها هذه الاجيال لبناء مستقبل افضل لتفسها ولأسرها.
ويلاحظ ان التحسينات في مجالي الصحة والتعليم لم تجد طريقها الى جميع المواطنين بعد، وأن التوسع في تقديم الخدمات لم يقابله تحسن في اساليب تقديمها. ولهذا فان افضل طريقة لمعالجة اكثر التحديات الحاحاً، تحسين التنمية الانسانية؛ والمتمثلة في بناء حياة اكثر ازدهاراً وارغد عيشاً لهم ولابنائهم.
كما يلاحظ ان السمة الغالبة على مشهد الواقع الراهن ، هي تغلغل نواقص محددة في البنية المؤسسية تعوق بناء التنمية الانسانية. يمكن اجمالها في نواقص الحرية وتمكين المرأة والقدرات الانسانية والمعرفة.
تجــاوز التحديـــات
من المنظور الايجابي، يعني بناء التنمية الانسانية ، القدرة على تجاوز النواقص الراهنة وتحويلها الى نقيضها، اي تحويلها الى ميزات ينعم بها المواطنين دون تفرقة ، ويزهو بها الوطن. والتنمية الانسانية ؛ هي تنمية الناس، ومن اجل الناس، ومن قبل الناس.
ويعنيتجاوز النواقص الراهنة على وجه التحديد ضرورة اعادة تأسيس المجتمع على:
1. الاحترام القاطع للحقوق والحريات الانسانية باعتبارها حجر الأساس في بناء الحكم الصالح المحقق للتنمية. لأن القصور في الحرية يضعف التنمية الانسانية ويشكل احد اكثر مظاهر تخلف التنمية السياسية.
2. تمكين المرأة، عبر اتاحة جميع الفرص امامها ، خاصة تلك المُمَكِنة من بناء القدرات البشرية، للبنات والنساء على قدم المساواة مع اشقائهن من الذكور. لأن التنمية التي لا تشارك فيها المرأة، تنمية معرضة للخطر.
3.تكريس اكتساب المعرفة، وتوظيفها بفعالية، في بناء القدرات البشرية، وتوظيفها بكفاءة في جميع صنوف النشاط المجتمعي، وصولاً الى تعظيم الرفاه الانساني. فلا يقتصر التحدي على النقص في المعرفة ذاتها، بل يتعداه الى قصور أخطر في اعداد اهل المعرفة.
هذه الركائز الثلاث هي صلب التجاوز اللازم لتخطي ازمة التنمية الانسانية، ولكنها ليست منتهى الامل. فاستكمالاً لتجاوز نواقص الوضع الرهن، لا بد ايضاً من ضرورة بناء القدرات الانتاجية وتعظيم الاستفادة من العولمة .
خـلق الفرص
في القلب من هذه الكتلة البشرية الضخمة المنتشرة على هذه المساحة الشاسعة من الوطن ، يقع الاطفال الذين يُكَوِّنون الأجيال القادمة. وان كلاً من هؤلاء الاطفال يمكن، بل يجب، ان يكون قائداً من قادةِ بناء التنمية الانسانية، اذا ما اتيحت له الفرص المواتية.
ان بناء التنمية الانسانية في منظور الوجود الانساني الكريم، اصبح ضرورة بقاء، في عصر العولمة. فلا توجد غاية تعدل بناء التنمية الانسانية، بما يؤدي الى اكساب البشر المعارف والقدرات التي تناسب المستقبل، واستغلالها بكفاءة ، لتحقيق اعلى مستوى رفاه انساني لكل مواطن.
كما يعتبر الإصلاح الثقافي والتربوي الركن الركين الذي يعيد إحياء ثقافة الإبداع ويصلح ما أفسدته عصور الانحطاط والاستبداد في الفكر والعلم والأخلاق والقيم، ويفكك البنى الفكرية والثقافية المحركة لنزعات الانغلاق والتطرف، ونزعات التبعية والانبهار بكل ما هو أجنبي.
فبمثل هذه النهضة الثقافية تُكوَّن النخب المبدعة فتبني مجتمعات المعرفة واقتصاداتها، والتي بدونها لا تستقيم تنمية في عالم غدت فيه المعرفة هي التي ترسم الحدودَ الفاصلة بين الثراء والفقر، وبين القدرة والعجز، وبين الإنجاز والإحباط، لأن تكبيل العقول يقوض الامكانات.
وأن ما نحتاجه اليوم لضمان مسـتقبل لامع للأجيال القادمة هو الاستثمار في القدرات البشرية والمعرفة.
فقد تكون تكاليف تحسين نظم التعليم ضخمة، الا ان كلفة استمرار الجهل لاحدود لها، فخيار الاستثمار في الانسان هو سبيل الفلاح في المستقبل.
ان وقفة مع النفس تعد ضرورية لتقييم اوضاع التنمية البشرية القائمة ووسائل تطويرها، بهدف تعزيز كرامة وحقوق الانسان وتحقيق الرقي والرفاه للمجتمع، ولن يتحقق ذلك بدون انسانحر ومتعلم ومثقف ومعترف بدوره في صنع المستقبل. ويتطلب ذلك خلق البيئة المناسبة لهذه التوجهات حتى تؤتي ثمارها. وأن خلق مستقبل للجميع يساهم في بنائه الجميع هو حتمية اخلاقية ولا بد ان يكون هدفاً استراتيجياً.
إن مستقبلنا الذي نريد سيأتي لا محالة، أما طول الطريق إليه وصعوبتها فأمره بأيدينا نحن.
*اقتصادي وخبير مصرفي