الدكتور فؤاد محيسن يرثي أستاذه الدكتور عبد السلام العبادي
اخبار البلد-
دمعة وفاء على صاحب المعالي الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي
ولكل أجل كتاب
(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً)) صدق الله العظيم {الأحزاب}
عندما يبكي الرجال وتتفجر دموع المقل تعلم أن الموت قد غيب عقلاً وفكراً وقلباً!
نعم لقد بكت العيون وسالت الدموع حزناً على فقدان عالم وعلم من أعلام الأمة العربية والإسلامية وأستاذ ومعلم ورجل دولة.
قال المفكر العالمي إيمرسون:
"يطوى العبقري في حياته .. اعمار أجيال سبقته وأجيال عاصرته وأجيال تأتي بعده .. وتخلّد عندما يرتحل عن هذه الحياة .. لأن الذكر للإنسان يكون عمراً باقياً".
فلكل أمة تاريخ يصنعهُ العظماء من رجالاتها؛ رجال عًظام كانوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وذلكم شأن فقيدنا وعالمنا الجليل،
نعم، فليس أكثر قدراً وأسمى منزلة وأكثر تبعة وأعظم قدراً من قدر العالم عند الله عز وجل. فالعالم قائد ميدانه: النفوس، وسلاحه الكتاب والسنة.
عالمنا الجليل علم من أعلام التفكير وعالم من علماء الإسلام ومؤلف متميز في ميادين الشريعة وباحث قدير، ومفكر عميق التفكير، منفتح على الحضارات والثقافات الأخرى، مؤثر فيها أكثر مما يتأثر بها. ومهما تكلمت عنه أو كتبت فلن أوفيه حقه، هذا العالم الفقيه السياسي الاجتماعي، والفقيه في الاقتصاد والقانون والإدارة والمقاصد والأصول والتاريخ.
رحل عالمنا الجليل بعد عمر مثمر وشاق شغل خلال مشواره في الحياة منصب وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية لبضع سنوات في حكومات مختلفة بالإضافة إلى تقلده العديد من المناصب القيادية الرسمية. وساهم في بناء مؤسسات أكاديمية واقتصادية إسلامية حظيت بسمعة طيبة ومصداقية عالية.
تعود علاقتي الشخصية بصاحب السماحة والمعالي العالم الجليل إلى ما يقارب ربع قرن، منذ أن كلفت مع المرحوم الاستاذ جميل الدسوقي في تاسيس البنك العربي الاسلامي الدولي عام 1997 حيث كان احد أعضاء لجنة الرقابة الشرعية في البنك برفقة المرحوم سماحة الشيخ عز الدين التميمي والدكتور محمود السرطاوي اطال الله في عمره، وقد توطدت هذه العلاقة بيننا من خلال مشاركتي في جميع اجتماعات لجنة الرقابة الشرعية في البنك وفي عرض المسائل والمواضيع على لجنة الرقابة لاستصدار الفتاوى التي تضبط العمل المصرفي في البنك من الناحية الشرعية.
وتوجت علاقتي بعالمنا الجليل بإشرافه على رسالتي في الدكتوراه عام 2006 (الصكوك الاسلامية )
وقد وفقني الله بمشاركة عالمنا الجليل في إصدار معيار شرعي للصكوك الاسلامية من مجمع الفقه الاسلامي الدولي في دورته التاسعة عشر المنعقدة في الشارقة عام 2009 ، كما كنت عضواً في لجنة صياغة قانون صكوك التمويل الاردني برئاسة عالمنا الجليل ورافقته في هذا العمل لمدة ثلاث سنوات حتى صدر القانون رقم 30 لعام 2012.
عُرف الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي بكريم صفاته فهو الشخص الذي يلاقي الناس جميعاً بوجه مشرق ، بابه مفتوح على مصراعيه لكل مراجع أو مستفتْ أو متعلم يلقى الناس بكل تواضع فلا تفارقه ابتسامته العذبة الهشة له عبق خاص يجبرك على حبه واحترامه يحب ولا يكره ، يتواضع ولا يتكبر يجمع ولا يفرق يعيش بساطة الحياة ، يتدافع إليه البسطاء والفقراء والعامة فيكلم كلاً منهم على قدر ثقافته وعلمه ويقضي لهم مصالحهم دون تذمر أو ترفع عنهم فهذا التعامل البسيط البعيد عن التكلف ينم عن شخصية ونفسية عالية عظيمة القدر ، فهو الرمز والرقم الكبير في المعادلة الإسلامية.
وخلال السنوات التي عايشتها مع استاذي عرفته ودوداً في تعامله، أنيساً في جلساته، لبقاً في حديثه، قريباً جداً من أصدقائه، قويّ في صحبته، مقنع في طرح آرائه وأفكاره. واسع الثقافة والاطلاع، حاضر البديهة، إنساني في تعامله، يحترم الآخرين، ويقدر وجهات نظرهم لا يسفه معارضيه ولا يتفه قناعاتهم ولا يحقد عليهم. عادل في أحكامه وقراراته جريء في مواقفه مؤمن بعمق؛ أن الحياة موقف وأن الرجال إنما يتفاضلون في مواقفهم الصادقة الأمينة، المجردة من الهوى، البعيدة عن طلب المنفعة والتزلف وإرضاء الآخرين.
الغياب لم يكن يوماً إلا صعباً... ولم يكن الفقد يوماً إلا قاسياً... فما أصعب أن يغيب الرجال، فان رحيله خسارة للعالم الاسلامي ومجمع الفقه الاسلامي الدولي وخسارة للأردن كما انه خسارة لعائلته وأهله وأصدقائه ومحبيه ، وخسارة للنجاح والتصميم وقيم الحق والصدق في التعامل ...
وسيترك رحيله فراغاً سيشعر به الجميع ...
أجزم أن استاذنا الدكتور عبد السلام العبادي لن يتحول إلى فعل ماض، ولن يصبح في عداد الغائبين بل سيظل فاعلاً مرفوعاً على سارية أعماله ومواقفه، وسيبقى ماثلاً يمارس حضوره الدائم في كل جوانب الشريعة الاسلامية ومجامع الفقه الإسلامي .
ولا مناص بأنني بعد ما روعني نعي رحيل استاذنا العالم الجليل أبي انس اكتشفت أن القلم الذي رافقني طائعاً، على مدار أكثر من خمسين عاماً، يعصيني اليوم عندما حاولت أن أعبر عن مدى فجيعتي بفقدان هذا العالم الجليل.
وإذا كان من حقي أن أترك لعاطفتي عنان الانطلاق في هذا الموقف الحزين لأردد قول الشاعر علي الجارم:
بكينا النضار الحر والحسب العدَّا بكينا فما أغنى البكاء ولا أجدى (1)
بكينا وما تبكي الرجال وإنما يلوذ الفتى بالدمع إن لم يجد بدّا.
الحياة والموت بأمر الله وتقديره، نأتي إلى هذه الدنيا بإرادة الله ونتركها حيث يجيء الأجل حسب مشيئته، ولكل أجل كتاب وهذه سنة الحياة ومصير كل إنسان إلى الرحيل عن هذه الدنيا، فتبقى الذكريات والعمل الصالح، فأعماله صالحة، وآثاره باقية، وإلى روح هذا العالم الجليل التحيات الزكيات، وسلام عليه يوم يبعث حيا.
(( كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)) صدق الله العظيم {الرحمن}
وإنا لله وإنا إليه راجعون
د. فــؤاد محـيـسـن
(1)النضار الحر: الذهب الخالص. العدَّا: القديم