الإصلاح الاقتصادي والاستجابة لتحديات المرحلة
اخبار البلد-
بقلم الدكتور فؤاد محيسن
نقف اليوم على أعتاب فترة هي الأصعب والأخطر والأكثر تأثراً بعدم اليقين خاصة بعد التأثيرات التي أفرزتها جائحة كورونا على المستويين العالمي والمحلي، فنجد أنفسنا في منتصف مرحلة انتقال دقيقة بين "رفض الماضي” و”رسم ملامح المستقبل”. فترة يتعين فيها الاختيار بين بدائل صعبة.وفي النهاية لا بد من الإصلاح كخيار وحيد.
فمصطلح الإصلاح، وصفاته ومجالاته المتعددة ـ السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتعليمية ـ دخل إلى دائرة الموضات الفكرية، وأصبح المفردة الأكثر شيوعا في لغة الصحافة والخطابات السياسية الحكومية، والمعارضة. وكأنه في ذاته يحمل حلولا سحرية لكل مشاكلنا وهمومنا المعقدة التي أنتجتها سياسات الفساد بمختلف أنواعه وصوره سواء السياسي او الإقتصادي والإفقار وتحقير المعرفة طيلة العقود الماضية.
ابرز عوامل لإصلاح
ودور الإصلاح والاستقرار السياسي في تحقيق التنمية المستدامة:
الإصلاح السياسي الشامل هو الذي يؤسس لدولة ديمقراطية عصرية، تستند فيها الحكومات إلى شرعية شعبية حقيقية مقنعة، تسود فيها الحريات العامة، وتبنى على أسس انتخابية عادلة، وتتعامل مع المواطنين على قدم المساواة في جميع الحقوق نصوصاً وممارسة..
لذلك يعد الإصلاح السياسي الركيزة الأساسية والركن الركين في الإصلاح المنشود، كون الاستقرار ربيع النمو والاستثمار انطلاقاً من أن التقدم لا يحصل في مجتمعات تتسم بالاضطرابات، وإنما يكون في مجتمعات مستقرة لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس.
فتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي هو الأساس الذي لا غنى عنه في عملية استدامة التنمية الإقتصادية والاجتماعية.
كما ان نجاح السياسات الإقتصادية الكلية بصفة عامة والسياسات المالية والنقدية والاستثمارية على وجه الخصوص يستلزم وجود بيئة مواتية تتسم بالاستقرار السياسي.
فتحقيق الاستقرار يمثل دعماً ذاتياً لمسيرة السياسات الرامية لتحقيق أهداف التنمية ورفع مستوى المعيشة في جميع المجالات.
ونتميز في الاْردن والحمد لله بنعمتي الأمن والأمان، ونحسد عليهما بالرغم من الاضطرابات وظروف انعدام الأمن والأمان وعدم الاستقرار التي تحاصر الاْردن من جميع البلدان التي تحيطنا من جميع الجهات. فبات الاردن كالبيت الأمن في حي مشتعل!!!
الإصلاح الإقتصادي
لكن الإصلاح المنشود في الاْردن هو الإصلاح الاقتصادي الذي يبني اقتصاداً قوياً ومتنامياً، يحقق العيش الكريم لمختلف فئات المجتمع و المواطنين بعدالة، وبمستوى يتناسب مع متطلبات الحياة المعاصرة في مختلف المجالات، ويحقق التوزيع العادل للموارد والخدمات.
ويؤدي بالنتيجة إلى خفض المديونية الخارجية والمحلية، ويكرس واقعاً يقوم على تكافؤ الفرص وكفاءة الإنتاج والعمل في اختيار المناصب والوظائف خاصة العليا منها.
لهذا كانت عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي فيما يسمى بالربيع العربي وليدة الصعوبات المعيشية والفشل الإقتصادي والإحباط بقدر ما كانت وليدة القهر والاستبداد السياسي ولذلك لا بد من اقتران الحرية السياسية بالحرية الإقتصادية .
فتضحية بائع متجول تونسي بنفسه (محمد البوعزيزي) - وان كنت لا اتفق معه في ازهاق روحه التي جعل الله المحافظة عليها في المرتبة الثانية بعد المحافظة وحفظ الدين -
لم يكن احتجاجا على حرمانه من حق التصويت، ولكن على حرمانه من الحق في كسب قوته بعيدا عن التضييق. لم يتمكن الشاب ذو الأعوام الستة والعشرين من الحصول على وظيفة رسمية، فأخذ يبيع السلع في الشارع، فوقع فريسة الشرطة الفاسدة والبيروقراطيين الذين يشتطون في استخدام سلطاتهم، هؤلاء صادروا بضاعته غير ما مرة؛ فلما عدم وسيلة لإعالة أسرته، وأسقط في يده أضرم محمد البوعزيزي النار في نفسه أمام مكتب الحاكم. يقال إن كلماته الأخيرة كانت: "كيف تريدونني أن أكسب قوتي؟”
إصلاح مؤسسات المجتمع المدني:
من أهم عوامل الإصلاح ، أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني بدورها في عملية الإصلاح المنشود، وأهمها دور القطاعات المالية والمصرفية المحوري في تنفيذ السياسات النقدية والائتمانية اللازمة للتنمية.
وهنا تبرز أمام البنوك الاردنية الفرصة في صياغة دور جديد لها، يقوم على استقطاب الموارد المالية العربية وإدارتها وتوظيفها في الاقتصادات وإبراز الفرص الاستثمارية لرؤوس الأموال العربية، والعمل على توجيهها نحو الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي بما يساعد على تحفيز النمو وإيجاد فرص عمل جديدة للأجيال الصاعدة.
- وفي هذا المجال يتحتم علينا ان نشير الى الجهود غير المسبوقة التي تنهض بها هيئة تشجيع الاستثمار والتي استطاعت خلال فترة بسيطة وبالرغم من جائحة كورونا ان تحفز الاستثمار في عدد من القطاعات وان تخلق ما يزيد عن ٥٠٠٠ وظيفة جديدة -
كما أن للقطاع المصرفي دور هام في تنفيذ السياسة النقدية والائتمانية اللازمة للتنمية وتنشيط أسواق رأس المال، ودعم القطاعات الإنتاجية، والمساهمة في توفير المناخ الاستثماري الملائم، وخلق بيئة تنافسية، وتأمين التمويل الكافي للاحتياجات الإقتصادية والإنمائية في هذه المرحلة الحرجة من خلال تعبئة الموارد المحلية لتمويل التنمية، والعمل على توجيهها نحو استثمارات منتجة في مختلف القطاعات الإجتماعية والاقتصادية.
اهتمام القطاع الخاص بالمسؤولية الإجتماعية:
تعد المسؤولية الإجتماعية للقطاع الخاص الجسر الذي يؤدي من خلاله واجبه نحو المجتمع للمشاركة في مكافحة الفقر وتوزيع الثروة والإسهام في نشر العدالة، فالاهتمام بالخدمات الإجتماعية يعد واجباً أخلاقياً لكنه أيضاً أحد وسائل تحسين الإنتاجية وتعظيم الأرباح.
فقد دلت الأبحاث أن البنوك الأكثر إرهافا في حساسيتها لبيئتها الإجتماعية قد استطاعت أن تكون أكثر ربحية في الأجل الطويل.
فالإصلاح المنشود لا يعد كاملاً ما دام القطاع الخاص لا يهتم الاهتمام الكافي بما يعرف اليوم بالمسؤولية الاجتماعية.
إننا نعتقد بأن للقطاع الخاص دوراً محورياً في المسيرة التنموية، وندعو مؤسسات القطاع الخاص للاضطلاع بمسؤوليتهم التاريخية على الوجه الأكمل، فالشراكة بين القطاعين العام والخاص أداة فعالة ووسيلة ناجعة لتحسين البرامج التنموية في كل المجالات.
الحاجة إلى فكر اقتصادي جديد
لقد جاءت السياسات الاقتصادية الداعمة للقطاع الخاص واقتصاد السوق فيما مضى في صالح النخب الإقتصادية على حساب المواطن والقطاع الخاص المنتج وبالتالي لم تخدم هذه السياسات المنظور الاستراتيجي للتنمية وبقيت عاجزة عن تحقيق تنمية إقتصادية وإنسانية شاملة.لذلك كانت الثورات وليدة الصعوبات المعيشية والفشل الإقتصادي والإحباط بقدر ما كانت وليدة القهر والاستبداد السياسي.
لكن المواطن يحتاج إلى أكثر من السماح له بالتصويت الحر وانتخاب مجلس نيابي قوي.
لكن لسوء الحظ، فان الفائزين في الانتخابات التشريعية لم يقدّروا خطورة الوضع الإقتصادي أو يفهموا أهمية التحرر الإقتصادي للحفاظ على معدلات نمو مرتفعة.
ويبدو أن التحرير الإقتصادي ينظر إليه بشيء من الريبة،.وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الإصلاح الإقتصادي يحتمل التأجيل إلى حين إيجاد الحلول لكل المشاكل السياسية.
هذا هو الدرس الحقيقي الذي علينا أن نتعلمه من وفاة محمد البوعزيزي.
إدراكا من أن المطالب المتعلقة بتحسين الأوضاع المعيشية والعدالة الإجتماعية هي ركن رئيس في مجال الإصلاح، فقد استجابت الحكومة في السنوات الاخيرة مشكورة للعديد من الضغوط الإجتماعية حيث سعت الى تحسين الأوضاع المعيشية و تلبية المطالب الخاصة بالوظائف والعدالة الإجتماعية، إلا انه يلاحظ أن معظم المؤشرات الإقتصادية قد اتخذت مساراً خاطئاً؛ فقد ازداد عجز الموازنات العامة اتساعاً بسبب زيادة الإنفاق على الأجور والدعم المعمم. وما يزيد الأمر صعوبة هو محدودية الموارد حيث انخفض معدل النمو وارتفع معدل البطالة وغيرها من الأزمات التي تتطلب وقفة جادة للإنقاذ من تفاقم الوضع الإقتصادي .
والسؤال المطروح هنا كيف يمكن لتلك أن نشهد ربيع إقتصادي ؟
و كيف يمكن وضع الخطوط الرئيسة لإستراتيجية الإصلاح الإقتصادي ؟
وبهذا الخصوص فإننا نعتقد بأنه لابد من إعادة التفكير في المستقبل الإقتصادي وكيفية إصلاح الوضع الإقتصادي المتأزم ولابد أن يدرك القائمين على اتخاذ القرار أن الإصلاح الإقتصادي مواز لنظيره السياسي بل أن أي تقدم اقتصادي ينعكس على الاستقرار سياسيا و اجتماعيا. ولا بد أن يصب الإصلاح الإقتصادي في صالح الفقراء خاصة بعد التحول من استراتيجيات الدعم المعمم إلى نظام دعم يستهدف الفقراء المستحقين فعليا للدعم وذلك لتحرير قدر من الموارد يمكن استثماره لتحسين التعليم و الصحة و البنية التحتية .
ولا بد أن تضع الحكومة في اعتبارها قضية وصول الدعم إلى مستحقيه ووضع نظم ضريبية أكثر عدالة فضلا عن حث القطاع الخاص على توفير الوظائف الكافية في العشر سنوات القادمة .
علينا أن ندرك عظم التحديات الإقتصادية التي تفرض نفسها علينا بقوة على الأمد القصير، وأهم هذه التحديات هو بلورة رؤية إقتصادية واضحة تحقق النمو والتوازن بين متطلبات اقتصاد السوق ومقومات العدالة الإجتماعية.
ولعل الرؤية الإقتصادية المستهدفة في هذه المرحلة الصعبة من واقعنا هو تحقيق التوازن بين المطالب المحقة للمواطنين والإمكانات الإقتصادية المحدودة بطبيعتها. فتلبية مطالب الناس وحاجتهم الأساسية، مثل التعليم والخدمات الصحية والعيش الكريم، هي من صلب مسؤوليات الدولة، ولكن رغبة صانع القرار في تحقيق هذه المطالب قد تصطدم بإمكانات الاقتصاد الآنية، ولا مخرج من هذه المعضلة إلا ببناء قدرة الإقتصاد على النمو القابل للإستمرار في الأمد الطويل، ومقاومة الانسياق في الأمد القصير وراء سياسات شعبوية تزيد من عبء المديونية وتقوض الإستقرار وآفاق النمو في المستقبل.
نهج إنمائي شامل
نمر اليوم في مرحلة جديدة.هي في أمس الحاجة إلى نهج إنمائي شامل ومتكامل، يضم الأبعاد السياسية والإقتصادية والإجتماعية والبيئية معا، في إطار مؤسسي، يضمن المشاركة الكاملة للقطاع الخاص في عملية صنع السياسات وتنفيذها ومراقبتها. هذا النهج يجب أن يكون الأساس الذي تنطلق منها عملية التغيير لبناء الاقتصاد الإنمائي والتي تضع كرامة المواطن في صلب أولوياتها باعتباره محركا للتنمية وهدفا لها وباعتبار التنمية حق من حقوق الإنسان.