مقال هام للدكتور فؤاد محيسن بعنوان " نحو إعادة هيكلة الإقتصاد"
أخبار البلد - الدكتور فؤاد محيسن
- كشفت بيانات وزارة المالية، ارتفاع الدين العام إلى 99.8% من الناتج المحلي الاجمالي حتى نهاية آذار.
وبلغ الدين العام 30.8 مليار دينار، وفقا للنشرة المالية الحكومية العامة.
وعلى صعيد الإيرادات، فقد انخفضت في الربع الأول من العام الجاري إلى 1.5 مليار دينار، بنسبة انخفاض 8%.
في ضوء تخفيض التصنيف المستقبلي للأردن من قبل وكالة فيتش الائتمانية العالمية من مستقر إلى سلبي قبل أسبوعين، اكد معالي وزير المالية ان الاردن ملتزم بجميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمديونية.
هذا التصريح اوضح كيفية ادارة المالية العامة في هذه الظروف الاستثنائية وكيفية تمرير الأزمة الحالية اقتصاديا، فقررت الحكومة التوجه للمزيد من الاقتراض بدلا من ان تستغل التصنيف المذكور والجائحة العالمية لصالحها بحيث تُحدِث إصلاحاً كبيرا في معالجة المديونية، إذ كان يمكن للحكومة استغلال الظروف التي أفرزتها جائحة كورونا -إذا ارادت- في بدء إعادة جدولة الديون الخارجية او شطب بعض منها إضافة لفسخ عدد من الالتزامات التي شكلت عبئا ثقيلا على كاهل البلاد منذ سنوات، أو تعديلها بشروط افضل.
وفي غياب مجلس النواب الاردني او لجانه الدائمة لم يتوقّف احد - وخاصة من اللجنة المالية والاقتصادية او المجلس الاقتصادي والاجتماعي-عند تصريحات وزير المالية رغم أنها كانت سابقا تحظى بقدر أكبر من التفاعل، لكن وزير المالية صرّح هذه المرة في خضم ما اثير من جدلٍ كبير
في طرق معالجة الأزمة الصحية المتعلقة بفايروس كورونا، ليظهر بوضوح ان إدارة الأزمة أرهقت.
هنا يعود السؤال طارحا نفسه مجددا وبقوّة، كيف ستتعامل الحكومة مع الأزمة الاقتصادية؟
وهل لديها رؤية حقيقية تجعل من الاْردن "دولة إنتاج” كما ورد في بيان الثقة للحكومة عند وصولها للدوار الرابع ؟
ولماذا الاصرار على ملاحقة التصنيفات الائتمانية في هذه المرحلة التي تتغير فيها التصنيفات الائتمانية لجميع دول العالم تقريبا، في الوقت الذي يرى فيه كثير من الاقتصاديين ان على الأردن الا يلتفت للتصنيفات العالمية في الفترة المقبلة باعتبارها أصلا ستخضع لارباك كبير وعلى مستوى العالم وان على البلاد ان تلتفت لمصالحها بالدرجة الاولى، محذرين في نفس الوقت من خطورة الاقتراض في هذه المرحلة.
فالأردن كان ومن قبل جائحة كورونا، يعاني من إشكالات اقتصادية كبيرة، واليوم تتضاعف هذه الإشكالات وتشكل تهديدا حقيقيا للاقتصاد بشكل أساسي.
هنا يبدو من البديهي القول ان على الحكومة ان تراجع كل اقتصاد البلاد وهيكليته، وليس ان تكتفي بحل ما نتج عن الازمة الأخيرة.
المؤشرات كثيرة وخطيرة على إشكالات الاقتصاد، والاهم ان ملف الاقتراض تؤثر به وكالة فيتش وترفع فوائده "شاءت الحكومة أم أبت”، واي وهم بالشروط القديمة قد يكون انتهى.
بكل الأحوال، فان التوجه للاقتراض لا يزيد الأزمة إلا تعقّدا وأن الإصرار على زيادة المديونية بأكثر من المستوى الحالي في مرحلة يعرف العالم ان البلاد فيها مقبلة على مرحلة "غير مستقرة”؛ لن يمنح الحكومة أي افضلية في إعادة هيكلة الاقتصاد بأي حال، ولن يساعدها في التخلص من الأعباء الاقتصادية والسياسية، بل سيعمل على تعقيد ملف الاقتصاد.
إن إعادة هيكلة الاقتصاد تتطلب إعادة ترتيب الاولويات ضمن ما تسمح به المالية العامة للدولة بعد ان وصلت المديونية إلى مستويات لا يمكن ولا يجوز تخطّيها خاصة عن طريق الاقتراض الخارجي، وفي مقدمة هذه الأولويات جعل الاْردن بيئة جاذبة للاستثمار من خلال إطلاق جملة من الحوافز التي تتعلق بكلف الإنتاج، وخاصة في مجال الطاقة، وتقديم حوافز ضريبية محدودة.
وكذلك اعطاء الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي عناية خاصة لما لهما من اثر إيجابي في تحقيق الأمن العذائي ومكافحة البطالة.
السجل المَرَضي للبلاد بالاقتراض لا يزال يُذَكِر أن قروض السنوات الأخيرة لم تزدنا إلا فقرا، ولم تزد المواطنين إلا تذمّرا وتباعدا مع الحكومات المتعاقبة. وان العلاج للازمة الاقتصادية لا يكون بالمسكّنات من خلال التوجه لقروض اكثر.