الدكتور فؤاد محيسن يكتب: ما الفرق بين الركود والكساد والتضخم والإنكماش

أخبار البلد - يتعامل الغالبية من الناس مع المصطلحات الاقتصادية كما هي مع الخلط في المفاهيم في كثير من الاحيان.
لقد رأيت اليوم في هذا المقال - ومن خلال تسليط الضوء على بعض المعلومات الاقتصادية - ضرورة توضيح الفرق بين الانكماش، والتضخم، والركود الاقتصادى، والكساد، لما رأيته من خلط ولغط كبيرين في استخدام هذه المفاهيم مع انتشار جائحة كورونا.

التضخم و الإنكماش
‏ ( Inflation vs Deflation )
الانكماش ( Deflation ):
هو عبارة عن انخفاض عام فى أسعار السلع والخدمات فى جوانب الاقتصاد كافة، وهو عكس التضخم.
على الرغم من أن التضخم غالباً ما يشكل تهديداً لاقتصاد الدولة، إلا أن الانكماش أيضا قد يكون خطيراً، وأسوء منه من ناحية النتائج والآثار لكنه نادر الحدوث‪.‬
أما السبب الرئيس لحدوث الانكماش، فهو قلة الطلب على السلع والخدمات، وذلك إما بسبب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، أو تدنى السيولة النقدية المتاحة بسبب عدم قيام البنك المركزي و/ او الحكومة بضخ المزيد من النقود للتداول، عندما يعانى الاقتصاد من حالة الركود او الكساد ، مما يؤدى إلى تراجع مؤقت لأوجه النشاط الاقتصادى. اذ تميل الشركات بتقليل الاستثمار في الإنتاج بسبب انخفاض الطلب الاستهلاكي.
وقد يحدث الانكماش ايضا بسبب المنافسة الحادة بين المصنعين ومنتجى السلع والخدمات سعياً منهم لزيادة مبيعات منتجاتهم بتخفيض أسعارها‪.‬

التضخم ( Inflation ):
ويعرف التضخم بانه الزيادة في معدل أسعار السلع والخدمات في اقتصاد الدولة على مدى فترة زمنية محددة.
ولهذا السبب يعرف التضخم أيضًا بأنه انخفاض في القوة الشرائية لعملة معينة.
وهناك عوامل محددة تعمل على تشكيل ظاهرة التضخم، أهمها ان لا يكون ارتفاع الأسعار حدث متقطع بل يكون في معدل الأسعار، وينطوي على زيادة عامة في أسعار السلع والخدمات.
وعلى الرغم من أن الأسعار قد ترتفع فجأة على سلعة واحدة أو سلعتين إلا انه لا يكون هذا بالضرورة تضخم ويسمى "تغيير السعر النسبي" وغالباً ما يحدث بسبب مشكلة في العرض والطلب على سلعة معينة، وبمجرد زيادة العرض لتلبية الطلب يستقر السعر.
كما ان التضخم يعتبر ظاهرة طويلة الأجل، اذ تستمر الزيادة العامة في الأسعار على مدى عدة سنوات.

الركود الاقتصادى
‏( Economic Depression )
أما الركود الاقتصادى فهو مصطلح يعبر عن هبوط فى النمو الاقتصادي لعدة أشهر قدرت بستة اشهر متتالية ، وعادة ينبع سبب الهبوط فى النمو الاقتصادى من تراجع الطلب على السلع والخدمات، وذلك بسبب تراجع الدخل (الرواتب والأجور)، مما يزيد من الفائض السلعي يعقبه عادة تخفيض العمالة للحفاظ على هوامش ربحية مقبولة للشركات.
لكن التخلي عن العمالة يؤدي لمزيد من تراجع الدخل، والى الانخفاض الكبير في النشاط الاقتصادي لعدة أشهر متتالية ، وهو ما يعكس انخفاضا بالناتج المحلي الإجمالي والدخل الحقيقي، ويؤدي بالتالي إلى زيادة البطالة وانخفاض الإنتاج وانخفاض مبيعات القطاع التجاري، وانخفاض في حجم الاستثمارات وأرباح الشركات.

الكساد الإقتصادي
‏( Economic Recession )

اما في حالة استمرار حالة الركود الاقتصادي لفترة تزيد عن ستة أشهر فان ذلك يؤدي إلى الكساد والذي تكون نتائجه أقوى واخطر. وقد يؤدي استمرار الكساد لفترة طويلة لحدوث انهيار اقتصادي.

الكساد الإقتصادي هو كارثة كبيرة بكل المقادير ويتسبب في انخفاض كبير في الناتج المحلي، اذ أنه من أكثر الحالات التي قد تظل مستمرة لسنوات طويلة، ومن أكثر الأمور المخيفة والمرعبة للجميع؛ رجال الأعمال والتجار، والصناعيين، وعامة المواطنين.
ويحدث الكساد الاقتصادي نتيجة الكثير من الأمور الهامة مثل استمرار زيادة الإنتاج عن الطلب لفترة طويلة. اذ ان قلة الطلب على استهلاك المنتجات تتسبب في توقف المصنعين والتجار عن العمل لتقليل التكاليف وضبط النفقات.
وتتطلب معالجة الكساد، اتباع سياسة توسُّعِيَّة من خلال خفض سعر الفائدة لتشجيع الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي. كما تتطلب زيادة الإنفاق الحكومي بهدف زيادة وخلق فرص للعمل للتغلب على البطالة و تحقيق دخول للمتعطلين حتى يقبلون على الاستهلاك. علاوة على أهمية وضع سياسات لتحقيق مزيد من العدالة في توزيع الدخول لمنع الازدواج في الاقتصاد وتنشيط الطلب الفعال. وكذلك ضبط تدفُّقات رأس المال بين الاقتصاد والعالم الخارجي للمحافظة على مستويات معقولة من السيولة.

الآثار السلبية الناتجة عن الركود والكساد والإنكماش الإقتصادي

إن جميع الظواهر والمشاكل التي تحدث بالاقتصاد تؤثر تأثيرًا كبيرًا على المواطنين، فهم أكثر الفئات التي تتضرر بتدهور الإقتصاد.
فعندما يحدث الركود أو الكساد الاقتصادي يعمد غالبية اصحاب العمل والتجار الى ضبط المصروفات والنفقات إلى أضيق الحدود، من خلال تخفيض العمالة للحفاظ على هوامش ربحية مقبولة للشركات.
فهذا الأمر يتسبب في ارتفاع نسبة البطالة كثيرًا، فيضطر المواطنون إلى تقليل الإنفاق بشكل كبير خوفًا من عدم الإنفاق في المستقبل، مما قد يعرضهم للكثير من المشاكل أهمها المشاكل الصحية نتيجة لعدم تناول الأطعمة المغذية التي اعتادوا على تناولها من قبل.
وقد يحدث بعض حالات الانتحار نتيجة الإمعان في العزل الاجتماعي والقلق، والتوتر، والإعسار المالي، والتي تعتبر جميعها بمثابة عواصف قوية تجتاح الصحة النفسية للناس.
فالبطالة تهيئ صاحبها للإصابة بالتوتر والاكتئاب، فيلجأ البعض إلى تعاطي الكحول ولعب القمار، وقد تدفع البطالة البعض إلى التشرد، وتتسبب بشيوع الجريمة من اجل لقمة العيش. كما ان الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم القدرة على تأمين الاحتياجات اللازمة للمنزل، قد تكون سببا بارتكاب جرائم تندرج تحت باب العنف الأسري.

وبالنتيجة؛ فان صحة الاقتصاد تعتمد على سرعة صانعي السياستين النقدية والمالية في الاهتمام بمكونات الأمن الاقتصادي المتمثلة في الأمن العذائي، والأمن الصحي، ومشاريع مكافحة الفقر والبطالة، ومعالجة الظواهر الاقتصادية السلبية من خلال توفير السيولة الكافية، لان التباطؤ والتأخير سيؤدي الى تفاقم الوضع الاقتصادي وتعمق الكساد، وقد يؤدي استمرار الكساد لفترة طويلة الى حدوث انهيار اقتصادي واجتماعي لا تحمد عقباه .