نشتاق للمساجد -مثلكم- يا سادتنا ولكن..؟!

أخبار البلد - مع الاحترام لمشاعر الناس الذين افتقدوا «المساجد» خاصة في شهر رمضان، ولكل القلوب المؤمنة التي اشتاقت «للجمعة» والجماعة، يجب ان نقول بصراحة : إن الدين ليس مسجداً فقط، وان العلاقة بالله تعالى ليست محددة بمكان، أي مكان، ولا بزمان، أي زمان، فنحن نعبد الله – وهكذا أمرنا- في كل احوالنا، ونتقرب لله بقدر وسعنا واستطاعتنا، وهو تعالى أدرى واعلم بما في صدورنا، ولا يمكن ان يحملنا ما لا طاقة لنا به، او يحاسبنا على أمر اضطررنا اليه.

الجدل الذي يدور الا حول «إغلاق» المساجد ٫ كغيرها من أماكن التجمع العامة، لا يحتاج الى سجالات دينية، لأن «المنع» اصلاً ليس قراراً دينياً ولا سياساً، وانما قرار صحي بامتياز، اوصت به «لجنة الأوبئة» والتزمت به وزارة الأوقاف، وبالتالي يجب ان يفهم في هذا السياق، كما يجب ان تعلّق عودة افتتاح المساجد «بأهل الذكر» الذين هم في هذه الحالة الأطباء الذي يتولون إدارة ملف «محاصرة الوباء».

في بداية ازمة «كورونا» كان الخطاب الديني في مجتمعنا منسجماً مع قرارات الدولة، وسمعنا من علمائنا العقلاء كلاماً مقنعاً ومتوازناً حول الموضوع، لكن فجأة خرج علينا بعض الذين دأبوا على «الاستثمار» في سوق الدين لأهداف سياسية وربما لأهداف أخرى لا نعرفها، واخذوا يشككون بقرار «الاغلاق» المؤقت، ويحرضون ضد وزارة الأوقاف، وباستخدام العاطفة الدينية تحولت القضية الى ميدان اتهامات استهدفت تجريح الذين وقفوا مع القرار٫ والطعن في ملتهم الدينية ايضاً.

لا يوجد لدى هؤلاء «السوبر» متدينين أي حجة أو وجهة نظر او فتوى شرعية مقنعة تخالف هذا القرار الاضطراري، كما لا يوجد لدينا جميعاً أي خلاف حول «رمزية» المسجد وعدم القبول بأن يتحول الى «بؤرة» للمرض، ولا حول خطر انتقال العدوى بين المصليين فيما لو صلى «مصاب» بينهم، فمهما اخذنا من احتياطات وتدابير لا يمكن لأحد ان يضمن عدم حدوث ذلك، ولو حدث - لا قدر الله - فمن يتحمل مسؤولية ذلك، ومن يستطيع ان يستقصي المصلين المخالطين الذي يزدحم بهم المسجد واغلبهم لا يعرفون بعضهم او ربما يكونون عابري سبيل.

أطرف ما سمعته في هذا المجال هو ان «المساجد» محمية من الوباء، او انها بوجود المصلين فيها ستدفع «الفيروس» وتستأصله من جذوره، هؤلاء الذين يروجون مثل هذه المقولات لا يفهمون الدين، ولا سنن الله الواجبة باتخاذ الأسباب لدفع البلاء، انهم يمثلون «التدين» المغشوش الذي أورثنا كل ما نعانيه من تخلف، ومن المؤسف انهم كانوا قبل ذلك يروجون لمقولات ربط «الابتلاء» بالمعاصي والعاصين، ويحصرونه في غير المسلمين كعقاب من الله، حتى اذا عمّ البشرية، وبلاد المسلمين منها، تذرعوا بحجج أخرى.

نشتاق الى «المساجد» يا سادتنا، مثلكم تماماً، ولكننا نصبر مضطرين لنحافظ على حياة الانسان التي هي مناط الشريعة ومقصدها الأول، ونتمنى ان يأتي اليوم الذي توصي به لجنة الأوبئة بفتح بيوت الله لتكون «آمنة» كما كانت، وندخلها باسم الله آمنين مطمئنين ايضاً. فمساجدنا التي هي بيوت الله كانت على الدوام مصدر اشعاع روحي ومنابر وعي وذكر وشكر ولا يجوز ان نحولها بأي ذريعة الى «بؤر» لكورونا تبعث فينا الخوف والندم والحسرة٫ لا سمح الله.