الأردن الجديد : أزمة كورونا " نافذة فرص للانتقال من حتمية المخاطر الى اعادة التوزان الاستراتيجي "

اخبار البلد - د.ابراهيم عيسى العبادي


يجد المتتبع لحالة التزامن مع تداعيات مواجهة أزمة فايروس كورونا تقديرات لظهور اتجاهات استراتيجية جديدة على مستوى الممكلة ، قد تشكل حالة غير مسبوقة في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالأزمة وذلك لرسم صورة الدولة ما بعد كورونا . 

لم تكن هذه الأزمة كغيرها من موجات الأزمات التي تعرضت لها المملكة خلال الفترات الزمنية الأخيرة ؛ إذ أن حجم التغـيـرات الجوهريــة عـلـى المســتويات كافة قــد وضعــتنا أمــام نقطــة تحــول فاصلــة قــد تغيــر مــن أنمــاط وهيــكل وكثافــة التفاعلات على المستوى الوطني الأردني ، وهــو مــا يتصــل بالجــدل الدائــر بـيـن التيــارات المتعارضــة حــول مــدى عمــق أو هامشــية التحــولات الوطنية فيمــا بعــد جائحة كورونــا ! فمن المعروف في العلوم الاستراتيجية أن الأزمات والتطورات المفاجئة التي تواجه الدولة تشكل " نافذة فرص " لمواجهة واقع جديد قائم على عدم اليقين ويكتنفه حالة من الارباك والغموض والتعقيد ، وعند وقوع مثل هذه الأزمات فان أدبيات السياسات العامة للحكومة تندرج بين ادارة الأزمات وتقييم المخاطر وتعزيز حالة المرونة للوصول الى حالة " الارتداد للوضع الطبيعي " وربما الانتقال الى "جدولة نتائج المخاطر" و "عقيدة الصدمة" او "استراتيجية العلاج بالصدمة" ، وهذا كله سيدفع الى ما يمكن تسميته "القوى المحركة " للتحولات المتلاحقة على الصعيد الوطني ، خاصة عند نقطة ثبات مسار الزمن للسياسات الحكومية والذي يعني الضرورات اللازمة للتكيف والتعايش مع الوضع الجديد .

في ظل حالة أزمة كورونا نجد بأن توظيف سياسات الأوبئة قد يطرح مفهوما جديدا في تغيير " قواعد اللعبة السياسية " ، حيث تمتاز سياسات الأوبئة بطبيعتها المركزية ، وتضع السلطة التنفيذية ممثلة بالحكومة في الصدارة دون منازع ، فالتعامل هنا مع أزمة كورونا يتم باعتبارها تهديدا أمنيا - نحن في حالة حرب مع العدو الخفي - وربما نكون أمام أخطر أزمة مرت خلال جيل كامل لما لتداعياتها من تحولات أخرى ، بحيث تصبح مواجهة الوباء حالة أمنية كجزء من التوسع في التعريفات الأمنية غير التقليدية للأمن الوطني الأردني ، وهنا يأتي تصاعد مفهوم " الأمننة " على المستوى الوطني ، في ظل التركيز العالي على تفعيل دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى لمواجهة أزمة كورونا وضبط اجراءات الحجر وحظر التجول الى جانب القيام بأعمال تطهير للمواقع الحساسة والهامة خلال الأزمة ، وبالتالي ستسعى الحكومة لحشــد الدعــم الشــعبي والرسمي لإجــراءات مواجهة الفايروس ، وإلــزام المواطنـيـن بالتعليــمات الصحيــة ، وأحيانا نقــل الشــعور " بالتهديــد الايجابي " لأفراد المجتمع لقبــول الإجــراءات الاســتثنائية عـلـى البقــاء في الحالة المأزومة . 

قد نكون أمام فرضية " اللاعودة " على المستوى الوطني كمفهوم استراتيجي في اطار تقييم المخاطر الأمنية لحالة هندسة اعادة التوازن على كافة المستويات في المملكة .

لقد أثبتت تداعيات أزمة كورونا بأن " الدولة الوطنية المركزية " هي الأكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المفصلية التي تهدد بقاء المجتمع ، على الرغم أن "مفهوم الدولة الوطنية" أوشكت ملامحه على التلاشي في ظل الازمات الأخرى التي حدثت في الفترات الزمنية المتلاحقة ، الا أنه وفي ظل هذه الأزمة عاد بقوة معززا لدورالدولة القوية التي تتمثل قدرتها على فرض اجراءات وسياسات الاحتواء لأزمة كورونا ، ومن هنا فان أهم النتائج المترتبة حتى الآن تتمثل حول تحديد "مصير الشعبوية" و " مصير النخبوية " ، حيث أن الأزمة الراهنة قد تكون بداية النهاية للتيارات الشعبوية وللنخب السياسية التقليدية ، فالحاجــة الماسة تبرز اليوم إلى قيــادات شــديدة الاتــزان والعقلانية للتعامــل مع الظروف الطارئة . لكن في المقابل فان اتجاهات المحاسبة السياسية ستعرض الحكومة والقيادات في مختلف الأجهزة لتقييم الآداء خلال الأزمة وهو ما قد يتسبب في تغييرات في بنية السلطة وخروج قيادات من الادارة العامة للدولة بشكل نهائي وصعود قيادات أخرى .

ان شكل حالة التأهب القصوى لمواجهة فايروس كورونا بدأت منذ لحظة اطلاق صافرات الانذار لتعلن للجميع بأننا أمام حالة جديدة ، علينا الاقتناع بهذه النتيجة بكل مقاييسها سواء اتفقنا على الأسلوب والشكل أم لم نتفق ، كثير من الاسئلة حاليا أصبحت مغيبة عن الأذهان او تم تأجيل التفكير بها وبأجوبتها والاكتفاء فقط بالتفكير للخلاص من الحالة المأزومة التي يواجهها المجتمع ، والأهم من هذا وذاك كيف تحمي الدولة نفسها من الانهيار ؟ ولا نقلل شأنا من الأمر اذا ما طرحنا أهمية التفكير بشكل جديد للدولة " الأردن الجديد " وهناك كثير من الأمثلة في النظريات الاستراتيجية والتي غيرت شكل الدول ، قد نتجت عن الأزمات الكبرى التي طرأت على مسيرة الدولة ، قد يخترق فايروس كورونا جدار السياسة ليشكل الفرصة الوطنية . وهنا يحضرني ما ذكرته مجلة " فورين بوليسي Foreign policy " مؤخرا " أن التاريخ الجديد سيكتبه المنتصرون من أزمة كورونا " ، لكن كيف نؤطر ذلك على مستويات الحالة الوطنية !

*باحث ومحلل استراتيجي
*المدير العام للمركز الوطني للقيادة والتنمية المستدامة