تحليل الصفحات الشخصية للمتوفين.. حب الفضول أم استثارة للمشاعر المؤلمة؟

أخبار البلد -  عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، يجد الكثيرون مساحة للبوح والتنفيس عن مشاعر قد تكون مكبوتة داخلهم وبحاجة إلى نثرها هنا وهناك، وخاصة تلك المحزنة منها. كتابتهم تعكس كل ما يشعرون به من ضيق عبر صفحاتهم الشخصية، وتجعلهم عرضة لتحليلات القريب والغريب.
ويبرز ذلك جليا عند سماع خبر وفاة أحد هؤلاء الأشخاص، الأمر الذي يعطي للبعض سببا قويا لأن يتحولوا إلى محللين نفسيين، ويبدؤون في زيارة تلك الصفحات والبحث فيها عن طريقة موتهم والأسباب التي أدت إلى ذلك والاطلاع على حالتهم النفسية سابقا من خلال التدقيق في كل المنشورات.
إلى ذلك، يبدؤون بالوقوف عند كل صغيرة وكبيرة بدون أن يكون هناك تفسير واضح للبحث في تلك الصفحات واخضاعها للتحليل والاستنتاجات التي تكون أحيانا بدافع الفضول، وأحيانا أخرى استثارة لبعض المشاعر الصامتة في أعماق أشخاص يتأثرون بأبسط المواقف.
تأثر شديد يدفع للاستغراب والتساؤل لدى الثلاثينية دارين التي تقف مصدومة من ردة فعل أختها عند سماعها لخبر وفاة شخص لا تعرفه، فتبدأ بالبكاء وتصيبها حالة من الحزن الكبير لتبقى عدة أيام متأثرة بذلك الخبر.
وتوضح أن الجميع يشعر بالحزن إزاء سماع خبر الوفاة بالعموم، لكن الفرق يكمن في طبيعة الشخص وإلى أي مدى قد تكون انفعالاته وردود أفعاله قوية وحساسة تجاه مواقف صعبة جدا تختزل الكثير من المشاعر المؤلمة.
وترى أن التأثر أمر طبيعي ما دام ضمن المعقول، رافضة أن ينتقل الموضوع للتحليل والمبالغة في معرفة معلومات أكثر عن الشخص عبر صفحته على "فيسبوك”، لأن ذلك حتما سيزيد من كمية المشاعر السلبية، لافتة إلى أن الفضول لدى بعض الأشخاص يكون غالبا سببا في إرهاقهم نفسيا وربما أيضا يجعلهم أكثر خوفا وألما. كما تنزعج جدا من قيام البعض بالتعليق للمتوفى والدخول في تفاصيل لا تعنيهم، وبث عبارات وكلمات فقط من أجل البوح، مثل هذه التصرفات تعتبرها مستفزة ومن الضروري التوقف عنها "حتى لا نسيء لغيرنا ونتسبب في تعميق جرحهم أكثر والضغط على أوجاعهم”.
أما ميساء سعد والتي تتجنب الدخول إلى الصفحات الخاصة للأشخاص المتوفين، فتقول إن تأثرها بخبر وفاة أحد الأشخاص يكون بالنسبة لها مؤقتا، لا يصل نهائيا إلى حد الفضول والبحث عن صفحاته في مواقع التواصل، بل على العكس تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الخوض في تفاصيل حياته الخاصة، لكونها لا تتحمل تلك المشاعر الحزينة والوجع المرافق لها.
هي ولأنها شخصية حساسة جدا وبطبيعتها تخشى المجهول ويضايقها البحث فيه، تفضل أن تكون بعيدة عن كل ما يهدد استقرارها النفسي، وينتزع منها سعادتها وإحساس الأمان الذي تأبى ملازمته. وتبين أن من أكثر الأخبار التي تؤلمها سماعها خبر وفاة أم لديها أطفال هذا تحديدا يجعلها تستسلم للحزن ولو مؤقتا لكنها في المقابل، ترفض البحث عما يثير مشاعرها ويضاعف من ألمها. وتشير إلى أنها ضد البوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبث السلبية من خلال المنشورات الكئيبة لأن تلك الأحاسيس تنتقل لكل من يقرأها وربما أيضا يتأثر بها.
ويرى الاخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة ان تأثر بعض الأشخاص المبالغ فيه وتحديدا بعد سماعهم خبر وفاة شخص حتى وإن لم يعرفوه والبحث عنه في مواقع التواصل الاجتماعي تصرف يميل في حقيقته إلى تيقظ تلك المشاعر الصامتة، واختزان بعض المخاوف تجاه الموت والمرض، وغير ذلك من الأمور المجهولة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص.
ويوضح أن هؤلاء بالذات يميلون للحزن أكثر ولديهم نظرة تشاؤمية يحاولون بشتى الطرق التقوقع داخل تلك المشاعر السيئة والاستسلام لها لدرجة أنهم يتخلون عن سعادتهم واستقرارهم كلما غاصوا أكثر في التفاصيل، وسارعوا إلى تحليل كل ما هو مكتوب على تلك الصفحات. ويلفت إلى أن الأمر لا يقف لدى هؤلاء الأشخاص عند هذا الحد، بل يتعداه ليصل توهمهم بأن ما حدث مع غيرهم، سيحدث معهم فيبدؤون في تخيل ذلك ويأخذ عقلهم الباطن في تخزين ذلك الإحساس المخيف لا شعوريا ومن ثم ينعكس سلبيا على سلوكياتهم وحالتهم النفسية.
ومع الوقت يصبح من الصعب على الشخص أن يفصل بين الوهم والحقيقة وتغدو حياته أسيرة لتلك الأفكار السلبية ويسيطر عليه الخوف والهلع لدرجة أنه يفقد توازنه كلما سمع بمثل هذه الأخبار. ويؤكد على أن هذا النوع من الناس بحاجة لأن يتحكموا بمشاعرهم أكثر ويكونوا معتدلين في نظرتهم للمواقف والحياة بشكل عام، كما من الضروري أن يتوقفوا عن استقطاب مشاعر الحزن والألم لأن ذلك يتسبب حتما في انسحابهم من الواقع. وكانت شركة فيسبوك قد نشرت بيانا تقول فيه أنها تعمل على تكنولوجيا ذكاء اصطناعي، سيتيح للشركة تحويل حسابات المستخدمين المتوفين إلى حسابات "نعي”، حتى لا تظل مفتوحة كأنها حساب عادي.
وقالت الشركة، وفق ما نشر على موقع "سكاي نيوز”، أنها تأمل بإيقاف التجربة "الأليمة” التي تضع أقارب المتوفى في موقف حزين، مثل تنبيهات عيد الميلاد التي تذكرهم بالمتوفين، ومقترحات فيسبوك لدعوة الأشخاص المتوفين لحضور الحفلات والمناسبات.
وبمساعدة التقنية الجديدة، تأمل فيسبوك بإيقاف هذا اللغط، وتحويل حسابات المتوفين إلى صفحة للنعي، يستطيع فيها الأصدقاء كتابة الكلمات اللطيفة لتذكر المتوفين.
وقالت الرئيسة التنفيذية للعمليات في فيسبوك، شيرل ساندبيرغ: "نتمنى أن يبقى فيسبوك مكانا لاستذكار أحبائنا الذين فقدناهم باستمرار”. وتعمل الشركة باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لإيقاف حسابات المتوفين من الظهور في صفحات "غير مناسبة”، مثل مقترحات الحفلات وتنبيه الاحتفال بعيد الميلاد.
كما ستمنح فيسبوك عددا من الأصدقاء المقربين لكل شخص متوفى، حرية التحكم بالعبارات ومنشورات التعزية المنشورة على صفحة المتوفى من قبل الأصدقاء.
وسيرشح جميع المستخدمين أشخاصا ليدخلوا قائمة "الأصدقاء المقربين” المسؤولين على التحكم بحساب الشخص في حال وفاته.

 
الغد