عندما یغرد الملك
في التغریدتین الملكیتین الأخیرتین، لامس جلالة الملك قضایا أساسیة یشتبك معھا المجتمع یومیا، ویجادل بھا، فلیس
من أحد یقبل أن تأخذ الواسطة والمحسوبیة حقا من حقوقھ، ولیس من أحد یقبل أن تستباح وثائق حساسة لمؤسسات
.حساسة
یرید الملك أن یؤكد على ما یریده الناس من أن الكفاءة والجدارة المعیار الوحید الذي تتكئ علیھ سیاسة التوظیف
.وشغل المواقع، الصغیرة والكبیرة، وھذا الأساس في تحقیق العدالة، وضمان تكافؤ الفرص
وطالما أن ھذا ھو المعیار والأساس، وھو ما یجب أن یكرس ویتحول إلى نھج، فان الإساءة والتجریح لمن یتم
.اختیارھم، وفقا للجدارة والكفاءة، یصبح أمرا غیر مقبول بل ویتنافى مع قیمنا وأخلاقیاتنا
وعندما یشدد الملك، وھو ما كرره مرات، على أھمیة توضیح جمیع الإجراءات بشفافیة لجمیع المواطنین، فھو یرید
من الحكومات ومؤسساتھا أن تكاشف المجتمع وتطلعھ على كامل تفاصیل إجراءاتھا وخطواتھا، لأن ھذا ما یعطیھم
.الإحساس والقناعة بأن الأمور تمضي في مسارھا الصحیح، ولا یجد الإحساس بالظلم طریقا إلیھم
والتفریق بین الموقع العام، القابل للنقد والاعتراض، وبین الشخصي والخاص، الذي یفترض دینیا وأخلاقیا أنھ مقدس
لا یمس، وعندما نقول دینیا وأخلاقیا، لا نغفل بعد القانون، لكن تكویننا الذھني والفكري عادة ما یذھب بنا إلى وضع
قیمنا الدینیة والأخلاقیة في صدارة طریقة اشتباكنا مع كل شؤوننا، فكیف إذا تعلق ذلك بكرامة الناس، بل وتقسیمھم
. وتصنیفھم؟
الملك، في تغریدة أخرى، لامس أمرا مھما وحساسا وھو تسریب وثائق سریة لمؤسسات حساسة ، المس بھا لیس من
البراءة بشئ، بل أن المسألة تتجاوز الإدعاء بكشف قضیة فساد، ھنا أو ھناك، إلى توظیف أنصاف الحقائق وأشباه
.المعلومات لغایة كامنة لا تمت للوطن والوطنیة بصلة
فھذا النھج والتمادي فیھ، نھج ھدم لا بناء، ونھج أجتزاء غایتھ التشكیك وضرب المؤسسات خاصة الحساسة في
.عمقھا، وكأن الھدف إضعافھا، أو بلغة أدق تكسیرھا، والمس بھیبتھا ورمزیتھا ومكانتھا لھدف ما
الوثائق تحمیھا القوانین، والأھم من القوانین الإحساس بالمسؤولیة وأمانة المسؤولیة، وإدراك المخاطر من تسریبھا
.ونشرھا، ومثل ھذا الإحساس وذلك الإدارك مصدره ومنبعھ قیم وطنیة، تعلي الوطن فوق أي قیمة
ّ وسائل التواصل منصات حضاریة للنقاش، لكن ان تصبح لغایات تسریب وثائق الدولة، وان تنال من خصوصیات
.الناس، فھذا یستدعي انفاد القانون دون ھوادة بحق المسیئین والمسربین
وضمن ھذا الإطار، فان القاعدة الأساسیة التي یجب ان تحكم السیاسة العامة في محاربة الفساد، یجب ان تكون
.الاحاطة بالقضایا المشتبھ بھا من جمیع الجوانب، بلا تصید أو تعمیم او مبالغة
محاربة الفساد لاتكون بالاسالیب الفاسدة، وتنجح ضمن الاطر الدستوریة، ومن یسرب وثائق الدولة، وھو مؤتمن
.علیھا، غیر المستبعد ان یبیع اسرار وطنھ عند اول ازمة ولأعلى سعر
آن الأوان لمعالجة جنون بعض المنشورات والتسریبات على وسائل التواصل الاجتماعي المستندة إلى شائعات أو
.معلومات مجتزأة وتشكیك في كل من یتولى مواقع المسؤولیة
تغریدتا الملك جاءتا في الوقت المناسب، ولا بد من مراجعة شاملة ، على المستویین الشعبي والرسمي، لنغادر جمیعا
. حال الانشغال بقصص ھامشیة تعیق البناء والاصلاح