لماذا تأخير اقرار المراجعة الثانيةالاتفاق الأردن مع الصندوق
اخبار البلد-
الدكتور جمال المصري
في خضم الاحتجاجات التي شھدھا الأردن في حزیران الماضي وتردد صداھا، خرج المتحدث باسم صندوق النقد الدولي، جیري رایس،
لیرحب بدعوة جلالة الملك عبد الله الثاني لإجراء حوار وطني لمعالجة التحدیات الاقتصادیة التي تواجھ الأردن واصفا إیاھا بأنھا خطوة
إیجابیة على المسار الصحیح ولیعلن بأن بعثة الصندوق التي زارت عمان في شھر أیار الماضي قد أحرزت تقدما كبیرا في مناقشاتھا؛
حیث قامت الحكومة الأردنیة وفریق الصندوق بمراجعة السیاسات ووضع خطط الإصلاح اللازمة لتعزیز جدول أعمال النمو الاحتوائي
في الأردن التي لا تركز فقط على ضرورة إجراء ضبط تدریجي مطرد للأوضاع المالیة العامة، من أجل استقرار وتخفیض الدین العام،
ولكنھا تركز أیضا على حفز توظیف العمالة ومعالجة البطالة المرتفعة، وخاصة بین الشباب والنساء، وتنشیط النمو الاقتصادي على نحو لا
یھدد استقرار الاقتصاد الكلي والاستثمار وتعزیز قدرة القطاع الخاص على المنافسة، ولیضیف بأن البُعد الاجتماعي یشكل مصدرا صریحا
أیضا للقلق مما یتطلب تحقیق التوازن بین منافع الإصلاحات وتكلفتھا وتوزیعھا على مختلف قطاعات الاقتصاد، بما یضمن حمایة محدودي
الدخل. كما أضاف بأنھ «بناء على ذلك سیتم التوصیة لمجلس المدراء التنفیذیین للصندوق باستكمال المراجعة الثانیة للبرنامج الذي یدعمھ
.«الصندوق وھو ما سیتیح للأردن الحصول على حوالي 70 ملیون دولار أمیركي
ورغم ذلك التصریح الذي تم قراءتھ على أنھ تغییر في خطاب صندوق النقد والذي بعث في حینھ شعورا بالارتیاح لدى الكثیرین لما تضمنھ
من تعاطف ومحاولة لإظھار التفھم والتعاون والاستعداد للتعامل بمرونة أكبر، إلا أن الزیارة الخاطفة والقصیرة التي قامت بھا بعثة
الصندوق إلى المملكة في 16 تموز الماضي، التي ثبت بعدھا بأنھا ما حضرت إلا لتأكید اشتراط إقرار مشروع قانون ضریبة الدخل
المقترح من السلطات الأردنیة لإقرار تلك المراجعة بطریقة سباقات المسافات الطویلة، سرعان ما بددت جدیة الصندوق في إقرار
المراجعة الثانیة للاتفاق كما فھم من تصریح المتحدث الرسمي للصندوق، لتضیف حلقة جدیدة من حلقات استعصاء إقرار ھذه المراجعة؛
خصوصا بعد أن مرت في مناقشات ماراثونیة بدأت في شباط من ھذا العام واستكملت على ھامش اجتماعات الربیع السنویة للصندوق في
واشنطن في شھر نیسان وأخرھا خلال زیارة البعثة للمملكة في شھر أیار الماضي التي استبقھا مدیر إدارة الشرق الأوسط وآسیا الوسطى
.بصندوق النقد الدولي جھاد ازعور بتصریح متشدد جدا وحمال للأوجھ والتفسیرات
ورغم الجھود المضنیة والطویلة التي بذلتھا الحكومة والتي قادت إلى إقرار قانون ضریبة الدخل الذي ما زال یلاقي اعتراضات واسعة
شعبیا ومن كثیر من القطاعات الاقتصادیة، إلا أن بعثة الصندوق لم تعلن عن إتمام المراجعة التي تعتبر قیاسیة والأطول زمنا في تاریخ
مراجعات برامج الصندوق، وھو ما كان متوقعا مباشرة في الیوم التالي بعد إقرار القانون. إن ھذا التأخر أو التأخیر غیر المفھوم دلیل على
استمرار تشدد بعثة الصندوق وإصرارھا على إدخالنا في عملیة ولادة متعسرة لا یمكن أن تؤیدھا أي مبررات. وما یؤكد ھذه المراوغة
الجدیدة، بالإضافة إلى صمت الحكومة حتى الآن حیال ھذه المسألة، تسریبات وأنباء ذات مصداقیة تؤكد رفض بعثة الصندوق القدوم إلى
الأردن حتى اللحظة وأنھا أرسلت عشرات الاستفسارات التي تتعلق بتعدیلات بعض مواد القانون ومبرراتھا والعائد المالي المتوقع منھا
وجدوى فرض الضریبة على بعض الانشطة المحددة وبعض الاستفسارات الأخرى التي تتعلق بالتزامات وعوائد بعض الإجراءات المالیة
كما وردت في خطاب النوایا ومذكرة التفاھم المتضمنة في تقریر المجلس التنفیذي لصندوق النقد الدولي حول إقرار المراجعة الأولى
.لتسھیل الصندوق الموسع للأردن ومشاورات المادة الرابعة والمنشور على موقع الصندوق في 24 تموز 2017
وقد وردت ھذه الأسئلة بعد إقرار القانون وجاءت استكمالا لمجموعة أسئلة أخرى كان قد أرسلھا الصندوق إلى الحكومة الأردنیة قبل
شھرین، أي بعد إرسال الحكومة للقانون إلى مجلس الأمة. إن التدقیق في المعلومات التي رشحت عن مضمون ھذه الأسئلة، وھي بالمناسبة
من مصادر غیر حكومیة، تشي بأن الصندوق لیس ھو الجھة التي اقترحت وصاغت مواد ھذا القانون وأن جھة استشاریة وفنیة أخرى ھي
من اقترح وتعاون مع الحكومة السابقة في الصیاغة الأولى للقانون في أیار 2017 كما توضحھ مذكرة التفاھم المذكورة؛ فلا یعقل أن یطلب
الصندوق توضیحا لمسائل أساسیة لو كان ھو من أقترحھا أصلا. وھو ما قد یفسر تصریح وزیر المالیة السابق، إن صح ذلك، بأن جھة لم
.یسمھا ھي من أعدت القانون وسلمتھ للحكومة
سبق وأن أنكر الصندوق ونفى أن یكون قد أوصى الحكومة برفع الدعم عن الخبز أو زیادة الضرائب على الأدویة التي تسببت في رفع
اسعار السلع الأولیة الضروریة وشكلت عبئاً على شرائح المجتمع الفقیرة. بعض تفاصیل التسریبات، قد لا تثیر الاستغراب وتدعنا نصدق
الصندوق إذا ما خرج علینا غدا بتصریح جدید ینفي فیھ، مثلا، أنھ وراء فرض الضرائب على سوق عمان المالي أو المناطق الحرة
والتحذیر من تبعات احتمال قیام مستثمرین أجانب برفع قضایا تتعلق ببعض الضرائب المفروضة في إطار أحكام فض المنازعات الدولیة
.التي تتضمنھا الإتفاقیات التجاریة والاستثماریة التي یرتبط الأردن بھا، وربما ینفي اِشیاء أخرى
لا نسعى بقولنا ھذا لأن نبرئ الصندوق من تشدده وتأثیر «بعض القوى» في قراراتھ. فرغم أنھ، كما یبدو، بريء من اقتراح تفاصیل
القانون لكنھ حتما لیس بریئا من جرنا الى المھلكة بإصراره وتشدده في إقرارھا. فھل یقرر الصندوق في النھایة وتحضر بعثة إدارة الشرق
الأوسط وآسیا الوسطى فیھ إلى المملكة لإتمام المراجعة الثانیة للاتفاق وإقرارھا؟، أم أننا سنذھب للقائھا في مقر الصندوق في واشنطن
قبولا بحل توافقي قدم للحكومة كمقترح من قبل بعض أصدقائھا، سعیا لولادة قیصریة متعسرة، بعد أن حسبناھا ولادة طبیعیة في موعدھا
یوم أقر مجلس الأمة الأردني قانون الضریبة مثیر الجدل قبل أكثر من شھر؟. قد لا تكون نصیحة ھؤلاء الأصدقاء مناسبة وحكیمة؛ فاللعب على ارضنا وبین جمھورنا أسھل علینا ویُ َّمِك ُن من تحقیق نتائج أفضل، أكثر منھ من اللعب على ارض الخصم. وعلى صعید ذي صلة بما
یتسرب أیضا، فإن إقرار ھذه المراجعة ھو متطلب أساسي لقبول الحكومة الأمیركیة بكفالة طرح سندات أردنیة جدیدة في الأسواق العالمیة
.بقیمة 25.1 ملیار دولار تسعى إلیھ الحكومة في أذار القادم