هل يوجد سياسيون اليوم في الأردن؟
اخبار البلد-
رومان حداد
السؤال الذي يلح علي هذه الأيام كلما راقبت المشهد السياسي الأردني هو هل
يوجد مهنة في الأردن اسمها السياسة، وحين نقول إن شخصاً ما سياسي هل
نقصد معنى احترافه السياسة، وبالتالي فهو يقدم أداءه السياسي احترافية؟
حقيقة الأمر أن قلة ممن دخلوا المجال السياسي في الأردن احترف السياسة
بمفهوم الاحتراف الحقيقي، وقلة من هؤلاء من يؤدي دوره باحترافية، وربما هذا أحد
أسباب ضعف المجال السياسي الأردني، وعدم وجود دوافع سياسية حقيقية في المشهد الداخلي.
عندما يدور حوار سياسي حول قضية ما، لا يستطيع المراقب لمس المسافة الفاصلة بين من يدعي أنه
سياسي ورجل الشارع، بمعنى أن من يدعي أنه سياسي لا يملك زوايا نظر مختلفة عما هو لدى العامة، ولا
يقدم جديداً يطرحه، كما أنه لا يملك أدوات تحليلية تأخذه إلى أعمق من الصورة الظاهرة، ولا يملك مصادر
معلومات (بعيدة عن النميمة السياسية) تساعده في استشراف القادم.
كثير ممن يدعون أنهم سياسيون لا يقرأون دراسات وأبحاثا أو كتبا ومقالات مطولة حول العديد من
المواضيع، ولا يحترمون فعل القراءة، فلا تجدهم يملكون مفردات السياسة المميزة، أو فكرتهم البكر أو
الخاص بهم، وإذا ما حاولوا تقديم تصورهم على شكل ورقة أو محاضرة فإنهم لا يقدمون أي جديد، ويعيدون
الكلام العام الذي يمكن أن تسمعه من أي رجل لا يدعي أنه يشتبك مع السياسة بشكل يومي.
الخلل الحقيقي في الجسم السياسي الأردني هو هؤلاء الذين دخلوا المجال السياسي عبر بوابات غير
سياسية، واعتبروا أن وجودهم ضمن نادي النخبة السياسية فرصة لإظهارهم أكثر في المجال العمومي،
ويساعدهم بصورة أكبر في تسهيل أعمالهم الأخرى، دون أن يدركوا أن العمل السياسي الاحترافي له أصوله
وأبجدياته التي لا يتقنوها، وعبر وجودهم هذا في المشهد السياسي يصيبون الحالة السياسية في الأردن
بالوهن، ويفقد العديد من الأردنيين ثقتهم بالمشهد السياسي العام.
الأردن شهد خلال الفترات الماضية وما زال يشهد عدداً من الشخصيات السياسية التي احترفت وتحترف
السياسة، سواء اتفقنا مع هذه الشخصيات أم لم نتفق، ولكنها كانت روافع حقيقية للسياسة كمفهوم
وتطبيق، وكونها كذلك استطاعت العبور عبر منعطفات سياسية حادة بصورة احترافية.
فحين تجلس مع معارضين من العيار الثقيل في زمن سابق تراهم يتحسرون على رجالات الدولة الذين كانوا
محل اتهام من المعارضة ومحل هجوم لا يستكين، ورغم التأكيد على أن هناك مبررات حقيقية لمعارضة من
كانوا من رجالات الحكم، إلا أن ذلك لا يمنع من إظهار الاحترام لهم لأنهم كانوا سياسيين مؤمنين بالدولة وهيبتها، ويرفضون أي تعد عليها، مدركين أن وجودهم في مناصبهم يحتم عليهم الحفاظ على هيبتهم
التي هي شكل لهيبة الدولة.
المملكة الأردنية الهاشمية هي أقدم دولة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ليس بالمعيار الجغرافي
ولكن وفق معيار استمرار النظام السياسي، فتاريخنا يرجع إلى عام 1921 ،وبعد مرور 97 عاماً على دولتنا لا بد
أن نحترم التقاليد والأعراف السياسية التي نشأت وتطورت مع مرور الزمن، وليس من قبيل التجديد ضرب
الموروثات السياسية بعرض الحائط، فالمعادلات التي قام عليها نظام الحكم في الأردن لا تتغير بين ليلة
وضحاها، ولا يمكن الالتفاف عليها، بل يجب التعاطي معها وتحديثها بهدوء وروية، كي لا يمس مبضع
الجراح السياسي عصباً فيعطبه أوشرياناً فيقطعه، ومن يتصدى لمثل هذه المهام عليه أن يمتلك الحرفة
والانتماء والولاء، أما الفهلوة والسحر والشعوذة فلا تفيد.
المرحلة الحالية تتطلب وجود سياسيين من طراز رفيع، يدركون التاريخ السياسي للدولة، ولا يسيرون وفق
نظرية التجريب وفق معادلة الصواب والخطأ، وحتى لا نخطئ بتفسير كلمة (السياسي)، المقصود منها هنا
هو الشخص الذي يتمتع بموهبة سياسية ويتقن مهاراتها ويجيد التعبير من خلالها، فليس كل من اشتغل
بالسياسة سياسي، كما أنه ليس كل من كتب شعراً شاعر.
عملية البحث عن سياسي هي كلمة السر لكثير من الإشكاليات التي نواجهها، فالأزمة الاقتصادية التي
نعيشها ونتلظى بنارها حلها سياسي بامتياز، نعم سينفذه فريق اقتصادي ولكن الرؤية الشمولية للأزمة
ودور الدولة ومدى تدخلها وآليات هذا التدخل هو تصور سياسي للأزمة وكيفية التعاطي معها، ودور الفريق
الاقتصادي يقتصر على تحقيق أعلى نسبة نجاح للتصور السياسي اقتصادياً، وعكس نجاح هذا التصور على
أرض الواقع.
لا بد من استعادة مفهومي السياسة والسياسي لحضورهما، ودورهما، ولا بد من وجود تحرك سياسي
حقيقي بين النخبة السياسية الأردنية لإنقاذ المشهد السياسي الداخلي، فمن دون ذلك لا يوجد أمل حقيقي
بإحداث نقلة نوعية سياسية في الداخل، وسنبقى نخسر كل يوم