حكومة الملقي الحائرة وقرارات تدار بالقطعة
لا يمكن التفريق بين
«الشخصي» والسياسي الرسمي في التعليقات المرنة التي صدرت عن نائب رئيس الوزراء الدكتور
جمال الصرايرة بخصوص العلاقة الاقتصادية مع تركيا وهو يستقبل السفير التركي في
عمان مراد كاراغوز.
الإجتماع مع السفير التركي حصل مباشرة بعد الجدل الذي اثير
نتيجة وقف العمل بإتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، وهو قرار تبرز مؤشرات موسعة على
انه سياسي، فيما يصر وزير الصناعة والتجارة يعرب القضاة على انه فني واقتصادي محض.
وأظهر الجانب التركي طوال الوقت حرصا شديدا على تنمية العلاقات
مع الأردن والبقاء في الحالة الإيجابية قدر الإمكان بالرغم من أولا عدم فهم بعض
القرارات أحيانا حتى من قبل الأردنيين أنفسهم، وثانيا الخلفيات السياسية الباطنية
التي تدفع حلفاء للأردن من المنظومة العربية للضغط بهدف تقليص العلاقات الأردنية
التركية إلى أدنى مستويات وسط خطاب ذرائعي وثأري في بعض الأحيان.
حاول الصرايرة الإستدراك وهو يتحدث عن ضرورة الحرص على إتخاذ
خطوات من شأنها الحفاظ على علاقات بناءة مع تركيا الجارة وقبله كان وزير الدولة
لشؤون الاعلام والاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني يؤكد أن
تركيا دولة صديقة مهمة والعلاقات الايجابية معها أمر في غاية الأهمية. لكن هذه
الأهمية تفسر أحيانا في المستويات الأمنية والسياسية على أساس متقلب، لأن كل
منظومة العلاقات والاتصالات التي تستند لها الحكومة تتأثر وبطريقة مبالغ فيها
بالعنصر الإقليمي والمستجد السياسي.
تركيا مشغولة بالكثير من الملفات الكبيرة، ولديها تحديات في
غاية الأهمية وافتعال حساسيات في العلاقة مع بلد مهم في المنطقة مثل الأردن آخر ما
يمكن ان يشغلها أو يثير اهتمامها، الأمر الذي يدفع قادتها ورموزها وبتوجيهات
مباشرة من الرئيس رجب طيب أردوغان إلى البقاء في أقرب منطقة إيجابية.
لكن ما تثيره الأخبار والصور الرسمية عن نشاطات الوزير الصرايرة
وبصفته الرجل الثاني وفي بعض الملفات والأحيان الأول في الحكومة وبصرف النظر عن
المسألة التركية بكل تفصيلاتها، أبعد وأعمق بكثير، خصوصا وان المنطقة برسم تغييرات
وتحولات هائلة للغاية لا يمكن الاستهانة بتداعياتها ونتائجها.
المستجد الإقليمي لا يسمح بالاسترخاء، هذا ما يلمح إليه عضو مجلس
النواب خليل عطية وهو يحاول التعليق على مسارات بعض الملفات الأساسية في الوقت
الذي يعيد فيه رئيس مجلس النواب الأسبق سعد هايل السرور التذكير بمقولته القديمة
حول ضرورة ان "يسهر الأردني ليله الطويل في مراقبة المنطقة في كل الأحوال".
لذلك تبدو التعليقات التبريرية التي تحاول إظهار بعض الإيجابية
من الوزير الصرايرة بشأن العلاقة مع تركيا مجددا، محاولة لتأسيس فهم محدد بعنوان الحكومة
الأردنية في حيرة من أمرها.
الحكومة تتحرك حاليا وسط حالة تماوج بمنتهى الغرابة على المستوى
السياسي، حيث كلمات متقاطعة سياسية وسياسات أكثر تقاطعا تتطلب من اللاعب الأردني
التجول وأحيانا القفز بين الألغام.
تهميش العلاقات والاتصالات مع بلد مثل تركيا مثلا خطوة لن تكون
حكيمة ولا مبررة خصوصا وان عمان في حاجة ملحة لتركيا في ملف القدس تحديدا بالرغم
من تغيير اللهجة الأردنية بهذا الخصوص مؤخرا.
لكن إقامة علاقات قوية أو صلبة أو تلامس البعد الاستراتيجي مع
تركيا يتصور البعض انه يلحق ضررا بمعسكر تحالف الأردن العربي حيث مصر عبد الفتاح
السيسي والسعودية والإمارات وكلها دول تعادي اليوم الصديق التركي الكبير.
المنطق نفسه يمكن تلمسه عندما يتعلق الأمر بإيران مع خلاف
جوهري، فالعقيدة السياسية الإيرانية مخاصمة للأردن ومصنفة على أساس العداء خصوصا
في ظل أدبيات الحرس الثوري التي ترى الأردن أرضا للجهاد الطائفي.
بينما تركيا تتقارب مع الأردن ولا تتخذ أي خطوات ضد المصالح
الأردنية فيما عمان لا تستطيع تأسيس علاقة مرتاحة مع أنقرة ولا أي نوع من العلاقة
مع طهران ولا حتى مع مؤسسة رئاسة الجمهورية اللبنانية مثلا القريبة من المحور
الإيراني والسوري.
في المحور الإسرائيلي لا تحتاج القراءة الأردنية للكثير من
الجهد للتمسك بقواعد اللعبة التي تؤشر على غياب الاطمئنان من الليكود الحاكم والثقة
في المقابل بضرورة وأهمية البقاء على اتصال مع مؤسسات العمق الإسرائيلي التي تشارك
الأردنيين في الاتصالات المغلقة في انتقاد حكومة نتنياهو لكنها لا تفعل شيئا في
المقابل لحماية وتأمين المصالح الأردنية المهمة.
العلاقة مع السعودية أيضا متوتورة تماما وغير مستقرة، والتخلص
منها شبه مستحيل لكن التمتع بمزاياها نادر تماما بالمعنى السياسي الإجرائي، وحتى
العلاقة مع الجوار المصري لم يعد حيويا كما كان في الماضي والعلاقة مع قطر متجمدة
تماما عند نقطة ما يصفه الأردن بـ«إجراء متوازن» يجامل دول الحصار دون ان يشاركها
في القطيعة أو يتحمل كلفة مواجهتها عبر تفعيل وتنشيط الاتصالات مع الدوحة.
الخلاصة ان تردد تعليقات وتصريحات بعض المسؤولين الأردنيين لا
بل إنقلابها على بعضها وتناقضها في بعض الأحيان يعكس مستوى الأزمة الادارية التي
وجدت فيها حكومة تكنوقراط خالية من المطبخ السياسي مثل حكومة الرئيس هاني الملقي
نفسها عالقة فيها حيث علاقات دولية وإقليمية منفلتة وقرارات بالقطعة كل منها يضرب
الآخر أو ينقلب عليه أو يتحالف معه.