حراك نشط في عمان واحتواء "أزمة السفارة" جزء من "ترتيب أعمق"
أخبار البلد - برقية ثلاثية الأبعاد تراهن عليها اليوم الحكومتان في عمّان ورام الله، ضمن الحوار الحيوي لما بعد تداعيات ملف القدس.
المُرسِل هو الإدارة الأمريكية، والقضية نوقشت من قبل وزير الخارجية أيمن الصفدي مع نظيره الأمريكي تيلرسون في مشاورات أمس الأول.
يقول الأمريكيون على هامش زيارة نائب رئيسهم مارك بنس إلى المنطقة ثلاث معلومات حصرية: تنفيذ قرار نقل السفارة إلى القدس لن يحصل قبل عامين.. المساعدات المالية للأردن والسلطة لن تتوقف.. السفارة عند التنفيذ لن تقام في القدس الشرقية.
هذه الرسالة الثلاثية لها فيما يبدو الدور الأكبر في؛ أولًا: تكتيكات الرئيس محمود عباس الهجومية لفظيًا ودبلوماسيًا، ثانيًا: التبديل والتغيير في اللهجة الأردنية.
والأهم لها علاقة بالترتيب الذي أنزل العلاقات المتأزمة بين الأردن وإسرائيل عن الشجرة في ملف حادثي سفارة تل أبيب وجريمة قتل القاضي رائد زعيتر. بحيث أعلنت عمّان تلبية شروطها، وبدأت تحضيرات سريعة لعودة طاقم السفارة الإسرائيلية إلى الأردن اعتباراً من بداية الأسبوع المقبل.
خطوط الاتصال بين واشنطن وعمّان مفتوحة حاليًا، الأمر الذي يبرر التوقع بأن حل الإشكال بين عمّان ونتنياهو هو في النهاية جزء من الترتيب السريع لإطلاق عملية سلام شاملة، وقريبًا تخطط لها الإدارة الأمريكية.
في الأثناء بدأ رئيس الديوان الملِكِي الأردني الدكتور فايز الطراونة موجة غريبة من الحوار والتلاقي ردًا على شائعات التغيير في منصبه ومرضه الذي يتطلب السفر خارج البلاد.
ما فعله الطراونة في السياق بسيط، فقد نظّم جلسات عشاء سياسية عدة وبدأ يشرح ويتحدث عن الوضع الراهن، ويؤشر على نقاط القوة والضعف في المنطق والخطاب الأردنيين.
لوحظ هنا أن الطراونة اصطحب معه الوزير الإداري في الديوان الملِكِي يوسف العيسوي إلى عشاء خاص مع إحدى كتل البرلمان استضافه نائب رئيس مجلس النواب خميس عطية. وحضر منسق السياسات المحلية الذي يزداد دوره نموًا بوضوح، مسؤول مكتب ولي العهد منار الدباس. الفريق نفسه حضر لقاءً آخر مع عشاء سياسي وكتلة برلمانية ثانية في منزل النائب نصار القيسي. واجتمع الطراونة في لقاءات خاصة أيضا مع سياسيين آخرين مهمين من بينهم رجائي المعشر وعبد الإله الخطيب وآخرون.
برغم أنها افتراضياً وظيفة رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، إلا أن الطراونة وطاقم الديوان بدأوا يتحركون في الفضاء المحلي مع ملحوظة على الهامش تفيد أن ذلك يحصل من دون رفقة النافذ الآخر في مؤسسة الديوان الملِكِي مدير مكتب الملك وزير التخطيط الأسبق الدكتور جعفر حسان.
طبيعي جدًا، بعد هذا السياق، ومثل هذه الترتيبات أن تكون خيارات وأولويات الأردن بعد التداعيات الخطرة لقرار الرئيس ترامب بخصوص القدس هي الأساس في الشروحات التي يقدمها بيروقراطي عريق من وزن الدكتور الطراونة.
في تلك الشروحات تأكيد ملفات محددة أبرزها أن الأردن ثابت على موقفه التضامني من القدس، لكنه لا يستطيع لأسباب مفهومة مواجهة إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، والأولويات المعاكسة للعهد السعودي الجديد، بالوقت نفسه.. تلك أقرب لمهمة صعبة لا بل مستحيلة بحسب سياسي بارز استمع للطراونة مرتين مؤخرًا. تحصل هذه الشروحات والإطلالات تحت الأضواء.
لكن ثمة غيرها خلف الأضواء تقدم حصريًا لبعض المجموعات في الحلقات التنفيذية لمؤسسات أساسية في الأردن وهنا أيضًا ثمة دور للطراونة.
إحدى أهم الزوايا التي شرحت مؤخراً خلف الستارة تلك المتعلقة بطبيعة العلاقة مع السعودية وما حصل مع إدارة ترامب بعد الاجتماع الشهير للجمعية العمومية.
قيل هنا إن الخلافات مع السعودية مرتبطة بأربعة ملفات، هي قديمة وسابقة لموضوع القدس وترامب، تشمل الموضوع اليمني، حيث رفض الأردن إرسال قوات للمشاركة في عاصفة الحزم التي تم إبلاغه بها قبل 12 ساعة فقط من لحظة الصفر في المعركة.
ملف الخلاف الثاني متعلق بالموضوع الإيراني، فالرياض لا تريد أن تغفر لعمّان موقفها الذي اكتفى بسحب السفير الأردني من طهران فقط، عندما أغلقت السعودية قنصليتها، حيث كان الشقيق الأكبر يأمل بإغلاق السفارة الأردنية وهو ما لم يحصل.
نقطة الخلاف الثالثة لها علاقة بملف الحصار القَطري حيث توقع السعوديون أن تتوقف الطائرات الأردنية عن الذهاب إلى الدوحة، وأن تتخذ إجراءات أكبر من خطوة متوازنة بالتصنيف الأردني من نوع مطالبة السفير القَطري بالمغادرة وبقاء سفارته عاملة كالمعتاد. تركيا في الشروحات إيّاها تشكل نقطة الخلاف الرابعة الأقل أهمية.
بتقدير الغرفة الأردنية هذه الملحوظات السعودية هي التي تسببت بمشكلتين؛ الأولى: هي وقف نمو مشروع الاستثمار السعودي الضخم مع الأردن في مجال الطاقة البديلة برغم الترتيبات البيروقراطية المتخذة من عمّان كلها.
والثانية: هي قواعد العمل الجديدة التي يبرر بوساطتها السعودي عدم تجديده للسنة الثالثة على التوالي منحة المساعدات المالية على أساس أن طريقة السعودية في منح المساعدات تغيّرت وأن ذلك يشمل الأردن.
الاستنتاج المباشر من هذه المعطيات يقود إلى فهم عميق وهادئ لمستوى التوتر يحاول أن ينفي بالنتيجة وجود توترات إضافية برزت بعد وعد ترامب. أو على خلفية قراره، الأمر الذي يلتقطه مخضرم من وزن الطراونة وهو يسهم في توسيع نطاق المستمعين للرسالة التي تقول: «لا نستطيع حتى مع كل العروض المغرية التي قدمتها تركيا وإيران تحمل نتيجة مواجهة الأمريكيين والإسرائيليين والسعوديين بالوقت نفسه».
لذلك تراخت قليلا قبضة التصعيد الأردنية، خصوصًا أن عمّان كانت أصلًا من حيث المبدأ تعتقد أن التوجه إلى الجمعية العمومية في قضية القدس بعد قرار مجلس الأمن الجيد توقيت غير ملائم إطلاقًا ما أسهم في عدم وجود خيارات أمام اللاعب العربي والفلسطيني بعد استنفادها بالتوقيت السيئ المشار إليه.
أردنياً وصلت الرسالة التي تقول من إدارة ترامب: « لن نعاقبكم ماليًا وسنوقع اتفاقية لخمس سنوات للمساعدات، ووصلت إلى الرئيس عباس أيضًا رسالة أمريكية أوضح، لأن المخصصات المالية التي ترسل له شهريًا تحت بند دعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية وصلت فعلاً للخزينة الفلسطينية برغم الضجيج كله المثار، ولأن الجانب الفلسطيني يعلن وجود معنى واحد فقط لوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل فعليًا، هو إلغاء أوسلو وخروج السلطة من المعادلة.
(القدس العربي)