ثلاثة ملفات تخيم بظلالها على الأردنيين والمجهول سيد الموقف..!

أخبار البلد – سعد الفاعور

يعيش الأردنيون أوقاتاً صعبة للغاية، لا يحسدون أبداً عليها، فارتدادات الملفات الثلاثة الأصعب، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، تخيم بظلالها عليهم، وليس ثمة بوادر انفراجة في أي منها.

سياسياً، يراقب الأردنيون وزير خارجيتهم، أيمن الصفدي، وهو يحاول أن يبدو كمن يفرض شروطاً على سورية وحلفائها، عبر البوابة الروسية، وهو أمر يدرك المراقب أن الأردن لا يملك أي ورقة سياسية تسمح له بأن يفرض مثل هكذا شرط، لا سيما فيما يخص مطلبه المتعلق بخروج كافة القوات الأجنبية من سورية، أي الجيش الروسي وعناصر حزب الله اللبناني (المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان) والمتطوعين والمستشارين العسكريين الإيرانيين.

روسياً، لا يبدو أن موسكو تفكر بالخروج من سورية، بل إن الخطط الروسية تؤكد أن موسكو تستعد لإقامة طويلة الأمد، وهو ما يمكن تقديره من خلال عدد القواعد العسكرية الجوية والبرية والبحرية، ومن خلال العدد المتزايد لقوات الشرطة العسكرية التي تعني بالدلالات العسكرية أن ضبط سلوك الجنود الروس، يستوجب وجود قوة عسكرية مختصة، خاصة وأن الوجود سوف يطول، ولا يمكن لتقاليد المؤسسة العسكرية الروسية الصارمة، أن تسمح بحدوث خروقات أو تصرفات غير متوقعة من جنودها، وهذا يستوجب وجود قوة شرطة عسكرية روسية، ناهيك عن الانتشار الكبير للقوة الصاروخية الروسية والقوة البحرية التي ترابط على محاذاة السواحل السورية وترصد كل شاردة وواردة بما في ذلك حركة إقلاع وهبوط أي طائرة أميركية أو إسرائيلية على مدار الساعة!

إيرانياً، لا يمكن توقع أن طهران التي تواجه رئيساً أميركياً يتصف بالتهور وعدم التوازن، وتلويحه بفرط حبات سبحة الاتفاق النووي مع طهران، يمكن أن تسقط من يدها ورقة رابحة، استحقتها بجدارة الحرب والدماء والعرق، في الميادين السورية والعراقية، في مقارعتها للجيوش الخفية التي تدار بالوكالة من قبل المخابرات المركزية الأميركية. فإيران كانت تدرك طوال السنوات الست الماضية أنها تحارب أدوات أميركا، وأن الحرب من جهة إيران هي استباقية، بينما هي في سورية دفاعية، فلو سقطت دمشق، فلن تتوقف جيوش وكالة المخابرات المركزية الأميركية الخفية إلا في طهران، وهو مخطط استطاعت إيران أن تفشله رغم الضخ غير المحدود للتمويل الخليجي السخي!

فهل يعقل بعد كل ذلك أن تستدير إيران للخلف وأن تنسحب ببساطة؟

رأس حربة التحالف في سورية، حزب الله، فهو أكثر الأطراف استشعاراً بالخطر، وأن رأسه هو المطلوب، خاصة وأن الحديث كان علنياً عن الهلال الشيعي، والسعي لقطع أوصال طرق إمداد حزب الله بالسلاح من طهران مروراً بدمشق، وهو سيناريو بدا علنياً وطفا على السطح منذ اليوم الأول للمؤامرة على سورية.

بناء على ما سبق، فإنه وكما يبدو للمراقب، فإن أداء السيد وزير الخارجية، الصفدي، غير موفق، ولا يبدو، أن الرجل يقرأ تفاصيل المشهد ميدانياً، بشكل صحيح، خاصة وأن الخطاب التركي والخطاب السعودي تراجعا بشكل واضح، ولم تعد لا أنقرة ولا الرياض تفرضان شروطاً على دمشق!

الملف الأمني، يبدو هو الآخر مؤرقاً جداً، وبعيداً عن حالة الاحتقان الشديدة التي عاشتها معان في الأيام الماضية القليلة، بعد عدة مداهمات رنت إلى اعتقال قاتل أحد منسوبي جهاز الأمن العام، والتي تكللت بالنجاح بعد زهاء شهر على واقعة تصفية العنصر الأمني بطريقة بشعة في وضع النهار، فهناك حالة احتقان أخرى، كان مسرحها مدينة الزرقاء، التي شهدت بعض أحيائها عمليات حرق منازل واشتباكات دامية على إثر مقتل أحد المواطنين وتأخر جهاز الأمن في القبض على الجناة، والذين استغرق ضبطهم وجلبهم للعدالة أكثر من ثلاثة أسابيع. ولا ننسى أن عشائر التويهات الواسعة النفوذ في الموقر ومعان لا تزال تطالب بإعادة محاكمة ابنها الرقيب أول معارك التوايهة الذي وجهت له تهمة قتل 3 جنود أميركيين، في محكمة عسكرية، قرارها لا يزال يواجه رفضاً شعبياً واسعاً، وهو ملف مرشح لكل الاحتمالات، وإن كانت حدته قد خفت في الأيام الماضية.

إلا أن الخطر الحقيقي على صعيد الملف الأمني، هو ما يتسرب عن ضغوط تمارسها وكالة المخابرات الأميركية على فصائل سورية مسلحة، شاركت في الحرب ضد الجيش العربي السوري على مدار ست سنوات، وخضع مقاتليها إلى تدريب مكثف من قوات نخبة أميركية، ومطالبتها بالانسحاب من البادية السورية إلى عمق التراب الأردني!

هذا الأمر، بكل المؤشرات والتقديرات، وبعيون كثير من الخبراء العسكريين، يشكل برميل بارود قابلاً للانفجار في أي لحظة، فهؤلاء "متمردون" حملوا السلاح ضد وطنهم الأم، ومن الخطر التعامل معهم بوصفهم ثوار، فهم في أي لحظة يمكن أن يصطدموا مع الجيش الأردني، ويرفعوا السلاح في وجهه أيضاً، حتى لو قيل أنه سيتم مصادرة السلاح منهم على الحدود. لكن هؤلاء أعدادهم تقدر بعشرات الآلاف، والتقديرات تقول أنهم بين 40 إلى 50 ألف مقاتل، وهذا عدد كبير جداً بالنسبة لدولة مثل الأردن، ولا يعرف إن قرر نصف هذا العدد أن يتمرد كيف يمكن لقوات الأمن والجيش الأردنية أن تتصدى لهم!

الملف الاقتصادي، في الوضع الراهن، يشبه السراب، ففي التصريحات الأخيرة اليوم، التي كشف عنها دولة الرئيس هاني الملقي، فإن الحكومة قد بعثت بالفعل برسالة إلى صندوق النقد الدولي، تتعهد فيها بمراجعة التزاماتها تجاه الصندوق، وأنها ستجري مراجعة على مقترح مشروع معدل لقانون ضريبة الدخل، مستدركاً أن الرسالة لا تعني الموافقة بل التعهد بدراسة الأمر. وقد جاء كلام الرئيس الملقي بعد زهاء أسبوعين من التسريبات التي أطلقت شرارتها يومية الرأي.

وفيما لا تزال أصداء تصريحات الرئيس الملقي تتردد، برزت مخاوف أخرى، بأن هناك حيلة تمارسها الحكومة، تهدف إلى شغل الرأي العام بمسألة فرض ضريبة على الدخل، بينما ما تسعى إليه الحكومة هو إجراء تعديل على ضريبة المبيعات، ورفعها من 16% إلى 22% مع مبالغة حكومية متعمدة، تحسباً لمعارضة نيابية متوقعة، يجب أن تسفر عن حل وسط، وهو تحقيق الهدف الذي ترجوه الحكومة وهو أن تصبح ضريبة المبيعات 18%، لكن الوصول إلى هذا الهدف يستوجب رفع السقف إلى 22%، وبعد جولة شد وجذب مع البرلمان، يتم التوافق على نسبة 18%، وهكذا يتم حفظ ماء وجه النواب والحكومة معاً.

زاد من تعقيد الوضع، المقالة التي نشرها اليوم جواد العناني، نائب رئيس الوزراء السابق، وأحد وزراء حكومة الملقي المخضرمين في المجال الاقتصادي، والذي تم إخراجه في وقت مبكر في إطار تعديل وزاري، التي جاء فيها بيانات وإحصائيات وظفها الوزير السابق لمحاولة تبرئة الحكومة من تهمة "الجباية" والتأكيد على أن الأرقام تظهر أن الضرائب انخفضت ولم تزد، وأن العبء الأكبر من الضريبة يتحمله القطاع الخاص والمستثمرون والشركات وليس المواطن البسيط من أبناء الطبقة الوسطة والطبقة الكادحة!

ربما فات الوزير السابق، وهو خبير مخضرم، أن لغة الأرقام، المجردة، لا علاقة لها بالواقع نهائياً، وأن لغة الأرقام في الاقتصاد، تعاني من متلازمة "الانفصام عن الواقع"، فالتقارير الاقتصادية دائماً تتحدث وبالأرقام عن زيادة النمو، وتقلص الانكماش وارتفاع اجمالي الناتج القومي، لكن على أرض الواقع، فإن المقصود بذلك هي أرباح المستثمرين وأرباح الشركات، بينما على الأرض تتآكل القيمة الشرائية لرواتب الطبقة الوسطى والطبقة الكادحة!