لماذا غضب الروابدة؟

اخبار البلد-

د. مهند مبيضين

دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة، يغادر منصة جلسة في ندوة رتبت باحد فنادق عمان، من قبل احد النواب، عن مسألة عزوف الفلسطينين عن المشاركة في الانتخابات. أحد الحضور رمى بمصطلح «العصابة الحاكمة»، ينهض الروابدة ومعه القلم والدفتر، قائلاً:» شكراً لك، أنا جزء من هذه العصابة»، عبثاً يحاول السائل تلطيف المقصد، إلى هنا ينتهي المشهد الذي بث وشاهدناه.

ليس مهما الموضوع، ولا شكل النقاش الذي انتهى به، ولكنها فرصة للحديث مجدداً عن حضور دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، الذي بقي دوماً يحضر بحس وطني وهمة كبيرة، والذي أثبت دوماً الوقوف في المواقف الوطنية والرجولية، دونما مناورة أو مساومة على الوطن، وفي العمل العام والتشريع هو رجل مجرب ومن أهل الحكمة.
لكن لماذا يغضب الروابدة ويهمُّ بالخروج، وقد سمع الكثير من الجدل والنقاش على مدار أعوام الربيع العربي، وقد طاله كلام البعض، وظلّ جبلاً من الحكمة والصبر وسعة الصدر؟ الأرجح أنه أولاً افترض بأن حوار الخلوات سيكون راقياً عقلانياً، وثانياً أنه لم يقبل بأن يصمت على ما يمسُّ الحكم والدولة ولا يستيطع الصمت، ولا يريد تحويل الكلام إلى سجال على المصطلح الذي أطلق.
قال:» أنا جزء من العصابة»، ولم يتملص، وقال أكثر من ذلك حين كانت التهم ترد عليه وتبث عن الأردن والحكم، وظلّ في خندق الدولة، لذا تنقضي الندوة ويذهب السائل لبيته ويلقى ربما عتب مقربين أو تأيدهم له، ولكن الروابدة سيكون أكثر اريحية وأكثر رضاً عن نفسه وعن تصرفه لأنه انتصر لزمن طويل وعمر مديد امتدّ لعقود في خدمة الدولة.
لم يأتِ الروابدة من وسط تجاري للعمل العام، جاء من بيئة قروية بسيطة، تفوّق في العلم، وبرع في الإدارة، مع قدرة على نسج علاقات ومودّات تسجيلاً للمواقف الوطنية، وتشريفاً للبلد في تمثيلها كسياسي من نخب دولة الفقر وشح الموارد، غلف هذا كله محافظته على حرفية السياسي المطلقة غير الموارب وغير المداهن، والقادر على قول رأيه في المسائل الوطنية دون خجل أو وجل.
ينهض باكراً يقرأ ويسمع الأخبار، يأتي الأصدقاء وأصحاب الحاجات، يفتح الأبواب للناس طيلة الأسبوع، يقدم شرحاً للمسألة السورية ويؤكد رأية بها، وفي المسائل الوطنية، يحدثك عن مدرسة التعلم والحياة والخبرة، ويرجع الفضل في حياته إلى علمين وطنيين هما عبدالسلام المجالي ومضر بدران.
يسمح لنفسة ببث الأفكار في ندوات عامة، ويدّون كتابة المذكرات وما يجب أن يقال عن تاريخ البلد، مع عناية بالأصول، لكنه لا يقبل في كل هذا الانشغال أن يُدعى لمسألة وطنية ويتغيب. لذلك حضر تلك الندوة لأنه لا يريد تسجيل الغياب في نقاش اعتقد أنه سوف يسير وفق اللياقات المعهودة.
كان الروابدة وسيبقى مسكوناً بوطنه، مدفوعاً بميل استثنائي إلى تحطيم المسكوت والمخفي في تابوهات الحديث في المسائل الوطنية ليرفعها ويضعها دوماً فوق الطاولة، كي لا تتحول إلى عمل سري، مع ميل إلى البعد عن المال والتجارة، وإلى التشكيك المرح والنكته وهو أمر أسرَ فيه قلوب محبين وأجيال من النخب والصداقات المديدة.
تصعب الإحاطة بتجربة الرجل، لما انتجه منذ أكثر من نصف قرن من العمل بالسياسة، وجعل عنوان حياته العمل العام وخدمة الناس، مع رغبة في السنوات الأخيرة في توثيق تاريخ الأردنيين وأصولهم، ربما لإدراكه بأن ثمة فهماً مشوهاً حصل لهذا التاريخ أو ثمة ماغيب فيه، من قبل أهل التاريخ الذين عزفوا عن كتابة ما هو مسكوت عنه فأحالوه إلى نصٍ غير مباح.
أخيراً، كان موضوع الندوة التي غضب فيها الورابدة أمراً مهما لكي نصل لفهم للأسباب، لكن الأهم أن الروابدة أضاف لها اهمية أكبر، حين عبر بموقفه ووطنيته المعهودة عما يجب أن يقال ويرد به تصرفاً ونطقاً.
Mohannad974@yahoo.com