الملقي ناخباً في "زين الشرف" .. لمن منح صوته؟
أخبار البلد – سعد الفاعور
في ممارسة ديمقراطية، تجسد حقه الدستوري، خلع رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، عباءة الرئاسة، وأدلى بصوته في صندوق الاقتراع في مدرسة الملكة زين الشرف الثانوية الشاملة بمنطقة زهران، إحدى أكثر المناطق العمّانية عراقة وتنافسية بين المرشحين الذين يمثلون امتداداً لجيل عمّاني عتيق ينتمي إلى جيل المؤسسين الأوائل، والدائرة الضيقة من رجال المال والأعمال والسياسة والدبلوماسية، الذين طالما توارثوا المناصب في مستويات عديدة!
لم يكن ممكناً بأية حال تصور الرئيس الملقي، يدلي بصوته في منطقة اليرموك، أو أياً من أحيائها الشرق عمّانية، كحي الطفايلة مثلاً، ومرد ذلك اعتبارات جيوسياسية وديمغرافية عديدة، لكنها لا تنتقص من القوة الانتخابية الضاغطة والوازنة جماهيريا في منطقة اليرموك العمّانية وامتدادتها، والتي إن لم تكافئ "زهران" فهي تتفوق على قوتها المالية والسياسية المتوارثة والضاغطة.
وبغض الطرف، عن الدائرة الانتخابية التي قرر الرئيس أن يدلي بصوته فيها، فهي بكل تأكيد، محددة سلفاً بموجب النظام، وبموجب القوائم المعلنة سلفاً من قبل الهيئة المستقلة للانتخاب.
مشاركة الرئيس، تندرج ضمن مسيرة بناء هياكل الدولة الأردنية، التي استطاعت بناء هياكلها الصلبة، المميزة لبناء دولة المؤسسات المدنية الراسخة، رغم ما يشوب تلك المؤسسات والهياكل من تشوهات نتيجة الفساد والواسطة وغياب الشفافية، وبما يؤثر على قيمتها ومصداقيتها في عين رجل الشارع، الذي هو النواة الحقيقية للدولة!
بيان رئاسة مجلس الوزراء الرسمي، كان "مقتضبا" وتم تمريره عبر تغريدة في تويتر، جاء فيها: "#الملقي يدلي بصوته لانتخاب اعضاء مجلس امانة عمان الكبرى ومجالس المحافظات بمدرسة الملكة زين الشرف الثانوية بمنطقة زهران بعمان. #الاردن_ينتخب".
إذاً، لم يكشف البيان عن الكثير، وهو أكثر من "مقتضب"، وإن كان يندرج تحت باب "الشفافية"، بحكم أن فعل التصويت ما كان يمكن له أن يمضي دون أن يتم التنويه به إعلامياً.
البيان المقتضب، ورغم جرعة الشفافية التي ميزته، لم يلب فضول وشغف رجل الشارع الذي تساءل كثيراً: "لمن منح الملقي صوته؟".
هذا التساؤل يقودنا إلى مساحة أبعد في السير باتجاه انجاز البناء التراكمي لهياكل مؤسسات الدولة، والتي لن تكتمل إلا بترسيخ اللبنة الحزبية للدولة الأردنية.
في الهند، وباكستان، وأميركا وكندا، وتركيا، وبفعل الثبات الراسخ للكينونة الحزبية، التي تشكل نواة للبناء الهيكلي المؤسسي للدولة الحداثية المدنية، لا يعتبر إدلاء الرئيس أو رئيس الوزراء بصوته سراً لا يمكن الكشف عنه. بل إن المشاركة تكون علنية، كما أن التصويت يكون محسوماً مسبقاً لصالح أيٍّ من المتنافسين، ويعرف الناخب لمن سيصوت بفعل انتمائه الحزبي، الذي نادراً جداً ما يخرج عنه.
هكذا هي المؤسسات الحزبية، فهي فضلاً عن دورها الكبير في البناء التراكمي للهياكل المؤسسية للدولة، فهي أيضاً تجذر فعل الممارسة الديمقراطية بروح من الشفافية والنزاهة. وهذا ما نراه مثلاً في الانتخابات الأميركية على وجه الخصوص، حتى بين قطاعات العسكريين، فالعسكري الأميركي لا يجد حرجاً من الكشف عن ميوله الحزبية، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، ودون أن ينتقص ذلك من حقوقه الدستورية والسياسية والمدنية والعسكرية شيئاً.
لو كان لدينا في الأردن، إطاراً حزبياً ممتداً ومتنوعاً وجماهيرياً واسعاً، بحيث تكون هناك أحزاب معارضة وأحزاب حاكمة، لما كان صوت الملقي في الانتخابات سراً. ولكان معلوماً بالضرورة لصالح من أدلى بصوته. أما وطالما أننا لم نتخطى بعد عتبة البناء الحزبي الراسخ، ولكون الرئيس ووزراؤه لا ينتمون إلى أحزاب معارضة أو أحزاب موالاة، فإن توجهاتهم السياسية وأوراقهم الانتخابية تظل سراً حبيساً لصناديق الانتخابية.
وفي حالة الرئيس الملقي.. وبالنظر إلى أحداثيات ومعطيات ومدخلات ومخرجات الصندوق الانتخابي الذي وضع ورقته فيه، فإننا لا نستطيع إلا أن نتكهن، بناء على طبيعة الفسيفساء الانتخابية التي ميزت منطقة زهران. فهل على سبيل المثال من الممكن أن يكون الرجل قد صوت لمرشح محسوب على التيار اليميني الإخواني. أم أن الواقع يقول إن الخلفية السياسية للملقي تجبره على الانحاز إلى المرشح الليبرالي المنافس للإخواني. إلا إن كان هناك ثمة صفقة، بين الرئيس والإخوان في إطار اغرائهم بالمشاركة في الانتخابات، وبما يمنح حكومة الملقي قوة دافعة تطيل من عمر الحكومة التي ترجح التكهنات أن تنتهي الحاجة إليها بانتهاء الاستحقاق الإنتخابي؟!